آخر الأخبار

صوان لـ"عربي21": أدعو لتعديلات عاجلة بحكومة الوفاق الليبية

عربي21- طه العيسوي السبت، 15 فبراير 2020 09:49 ص بتوقيت غرينتش

* "العدالة والبناء" هو الكتلة الصلبة الوحيدة التي صمدت في مواجهة كل المؤامرات على ثورة فبراير

 

* أعداء الربيع العربي يحاربون أي تجربة سياسية ديمقراطية بالمنطقة وليس الإسلام السياسي

 

* الخط العام للثورة الليبية صاعد وعجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء والمنطقة العربية تشهد مقدمات لتحولات كبرى

 

* الدول الداعمة لحفتر بدأت تدرك أن الحسم العسكري أمر بعيد المنال بعد حدوث توازن نسبي في موازين القوة

 

* لا توجد أي هدنة حقيقية رغم انخفاض وتيرة الحرب بسبب توازن القوة على الأرض، وحفتر لا يفهم إلا لغة القوة والردع

 

* المسار العسكري يسبق السياسي، واللقاء الأول للجنة 5+ 5 لم يفضِ إلى شيء ولا توجد مؤشرات لإيقاف إطلاق النار

 

* أداء رئيس الحكومة تطور بعد العدوان لكننا لا نرى فاعلية لأعضاء المجلس الرئاسي باستثناء العماري زايد

 

* أدعو رئيس المجلس الرئاسي لإجراء تعديلات عاجلة ترفع من مستوى أداء الحكومة

 

* حفتر يُمثل أحد تمظهرات الثورة المضادة وهو مشروع إقليمي لتكرار السيناريو المصري.. ولهذا فشل مشروعه

 

* ثورة فبراير لم يقم بها كل الليبيين، لكنها اندلعت من أجلهم جميعا حتى لمن عارضها ومنهم أنصار النظام السابق

 

* أدعو التيار الإسلامي إلى بلورة نموذج نبرز من خلاله الصورة الحقيقية لهويتنا الإسلامية الجامعة المعتدلة

 

دعا رئيس حزب العدالة والبناء الليبي محمد صوان، رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، إلى إجراء تعديلات عاجلة ترفع من مستوى أداء الحكومة التي قال إنها تشكلت في "ظروف غير ظروف الحرب وفقا لتوازنات أخرى، وكان ينبغي إجراء تعديلات تتعلق بالأزمة، ولكنها تأخرت"، مؤكدا أن "أداء رئيس المجلس الرئاسي تطور بعد العدوان على العاصمة، أما بقية الأعضاء بالمجلس فلا نرى فاعلية لهم باستثناء د. محمد العماري زايد".

وبشأن فرص الوصول لوقف دائم لإطلاق النار بليبيا، أشار صوان، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أنه "لا توجد أي هدنة حقيقية على الأرض. ربما انخفضت وتيرة الحرب بسبب ما حدث من توازن في القوة على الأرض، لكن حفتر لن يرتدع ولا يفهم إلا لغة القوة والردع، وعلى حكومة الوفاق أن تعزز من بناء قوتها وتحالفاتها بالتوازي مع الخط السياسي والدبلوماسي".

وأكد صوان أن "حفتر يُمثل أحد تمظهرات الثورة المضادة وارتدادات الربيع العربي، وهو مشروع إقليمي لتكرار السيناريو المصري"، لافتا إلى أن "ما أفشل مشروع حفتر هو عدم وجود جيش نظامي يمكن استخدامه للسيطرة على الحكم؛ ولأن الثورة في ليبيا كانت مسلحة، وعلى الرغم من مشاكل انتشار السلاح التي لا تخفى على أي متابع، إلا أن ذلك منع مشروع حفتر من السيطرة وعودة حكم العسكر حتى الآن".

وشدّد على أن "حفتر فشل، واستنفد حتى الوقت الإضافي الذي مُنح له، ويتمدد في فراغ أو شبه فراغ؛ فمن المعروف أن أغلب مساحات ليبيا صحراء خالية من السكان إلا ما ندر؛ فحفتر موجود فعليا في مدن الشرق الليبي حتى أجدابيا، وهناك نقاط اشتباك محدودة حول العاصمة أبرزها ترهونة عدا ذلك تزييف ودعايات رخيصة".

واستطرد قائلا: "من ناحية الثقل السكاني، لا يوجد في المناطق المسيطر عليها حفتر، إلا حوالي مليون نسمة من إجمالي سكان ليبيا البالغ حوالي سبعة ملايين، وللأسف فإن الإعلام الخارجي بخارجية حكومة الوفاق مُعطل، وكان ينبغي أن يوضح للعالم هذه الحقائق بالخرائط والإحصائيات ولا يترك المجال لإعلام حفتر ليقدم معلومات مغلوطة".

ودعا رئيس حزب العدالة والبناء الليبي التيار الإسلامي إلى "بَلْورة نموذج نبرز من خلاله الصورة الحقيقية لهويتنا الإسلامية الجامعة المعتدلة، وذلك من خلال الممارسة الواقعية، وطمأنة الشعوب الأخرى بأن تعميم النموذج الديمقراطي كفيل بتحقيق مصالح الجميع إقليميا ودوليا"، مؤكدا أنه "لم يعُدْ من المناسب استمرار العمل وفقا للأساليب التقليدية التي تجاوزها الزمن".

وتاليا نص المقابلة الخاصة:

 

بداية.. أين أنتم من تفاعلات المشهد الليبي؟


نحن لم نغب عن المشهد السياسي منذ انطلاقة الحزب ومشاركتنا في أول استحقاق انتخابي عام 2012، رغم الظروف الصعبة التي مرت وتمر بها ليبيا بفعل شتى تمظهرات الثورة المضادة التي تستهدف إجهاض أي مسار سياسي ديمقراطي في دول الربيع العربي عموما، ومنها ليبيا.

ولقد ظل حزب العدالة والبناء - بفضل تماسكه - الكتلة الصلبة الوحيدة وسط تيار الثورة العريض غير المؤطر الذي صمد في مواجهة كل المؤامرات على ثورة شباط/ فبراير؛ وهذا ما جعل الحزب هدفا رئيسيا تُصوب عليه كل السهام وتوجه له كل الضربات وحملات التشويه، والغرض هو إزاحته من الطريق للاستفراد بعد ذلك بتيار الثورة الأفقي والتمكن من تصفيته، وللأسف انطلت هذه الحيلة حتى على بعض المحسوبين على شباط/ فبراير وصوبوا سهامهم تجاه الحزب، وهم بذلك يقدمون أكبر خدمة لأعداء الديمقراطية وأعداء الثورة، ولو تحقق  ما يريدون ـ لا سمح الله ـ فسينطبق على تيار الثورة مقولة "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".

والحزب الآن موجود بأكبر كتلة في المجلس الأعلى للدولة، وعلى رئاسته، بعد أن كان للحزب الدور الأساسي في المحافظة على المسار السياسي وإنجاز اتفاق الصخيرات، وكان طرفا في المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق، ويقوم بالدور الأساسي في مؤازرة المجلس الرئاسي ودعمه سياسيا وعلى كل المستويات، وسط ظروف صعبة مر ويمر بها الآن، وقد تصدى الحزب لمشروع عسكرة الدولة في كل المحافل والجولات، وآخرها العدوان العسكري الصريح على العاصمة في 4 نيسان/ أبريل 2019، وكانت للحزب أدوار حاسمة في تماسك الحكومة والقوات التابعة لها ودعمها بكل الوسائل لصد العدوان.

ونحن كنّا طرفا أساسيا في كل الجولات السياسية السابقة، ونسعى الآن بكل الجهود لإنهاء العدوان وإيجاد تسوية سياسية تجمع الشمل وتحقق الأمن والاستقرار دون إقصاء لأي طرف بعيدا عن خطاب الجهوية والتحريض والكراهية.

وهل هناك محاولات الآن لتقليص دوركم ومحاولة إبعادكم عن المشهد بطريقة أو بأخرى؟


طبعا، المحاولات كثيرة، وكبيرة جدا، ومُعلنة، وتقودها دول، ويُنفق عليها أموال وحملات إعلامية واسعة وممنهجة، وهي، كما أشرت، تستهدف منع نجاح أي تجربة سياسية ديمقراطية في دول الربيع العربي، ولكن هذه الدول لا تستطيع الإفصاح عن هدفها الخبيث؛ لأن الشعوب ستقف ضدهم وسينكشف أمرها، ولأنه يخالف الشعارات التي يرفعونها؛ لذلك هم يخادعون الشعوب ويقولون لهم: نحن فقط ضد الإسلام السياسي، وليست مشكلتنا مع الديمقراطية، وهم يكذبون بالطبع.

فقد فعلوا ذلك في مصر مثلا، وقالوا للشعب: نحن ضد الإسلام السياسي فقط، ولسنا ضد الدولة المدنية، وانخدعت بعض التيارات السياسية وجزء كبير من الشعب طمعا في تحقق الاستقرار حتى وإن كان الثمن هو إقصاء وسحق طيف سياسي ظلما، وبعدما حققوا للعسكر ما يريدون بتحييد التيار الرئيسي المتماسك، استفردوا بهم وزجّوا بهم في السجون، وسحقوا الجميع دون استثناء ولا تفريق، وأُسدل الستار على ثورة شعب إلى حين؛ لأن العدو الحقيقي لهؤلاء هو الديمقراطية وتحرر الشعوب.

ورغم الوضوح الشديد لهذه الخدعة والتجربة المصرية، وغيرها خير شاهد على ذلك، إلا أننا ـ ويا للأسف ـ ما زلنا نسمع من لم يفهم بعد ومن يروج لتكرار هذا النموذج في ليبيا من المحسوبين على تيار الثورة ومن الشخصيات السياسية، ولكن الحمد لله، أن عموم تيار الثورة العريض في ليبيا متفطن لهذه الأساليب بعد أن انكشفت.

وقد أظهر حزب العدالة والبناء من خلال ممارساته الواقعية أنه حزب سياسي مدني مفتوح لكل الليبيين، يمارس درجة عالية من المرونة المنضبطة ويؤمن بالعملية الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وهذا ما شهد به البعيد قبل القريب.

بعد يومين ستحل الذكرى التاسعة لثورة 17 شباط/ فبراير؛ فكيف ترون ما حققته الثورة حتى الآن وما وصلت إليه؟

 
ثورة شباط/ فبراير نقطة تحول أطاحت بالاستبداد في أعتى صوره، وهي تعبير عن إرادة شعب تطلع للحرية وقدّم في سبيلها التضحيات، وقد تم ذلك بنجاح منقطع النظير. 

وثورة شباط/ فبراير لم يقم بها كل الليبيين، ولكنها من أجلهم جميعا دون استثناء لأحد حتى من عارضها، بما فيهم أنصار النظام السابق؛ لأن النظام الديمقراطي يفسح المجال لمشاركة الجميع ولكن لا ينبغي أن تحاسب شباط/ فبراير على المرحلة الانتقالية التي عقبت التغيير؛ فالمراحل الانتقالية بعد الثورات لها ظروفها وملابساتها، وهناك أيضا عوامل إقليمية ودولية تداخلت مع الربيع العربي، وهناك فعل ممنهج يتعلق بالتدافع الحضاري.

ومع ذلك، ورغم وجود ارتدادات على مستوى ثورات الربيع العربي عموما، وليبيا خصوصا؛ إلا أن الخط العام للثورة الليبية صاعد وعجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء، وإن المنطقة العربية تشهد مقدمات لتحولات كبرى لها ما بعدها، وسوف تؤثر على موازين القوة، ولن تتحقق هذه التحولات بالسلاسة التي يتصورها عموم الناس.

نعم هناك تبعات سلبية جدا قد لا يتفهمها ولا يحتملها المواطن وتهدد أمنه واستقراره، وهناك من استغلوا ظروف التحول، ومارسوا النهب والاعتداء على الأموال، وابتزاز مؤسسات الدولة، وانتهكوا حقوق الناس تحت شعار الثورة، وهي منهم براء، وعلينا أن لا نستسلم للثنائية المقيتة التي يُراد معاقبتنا بها، وهي إما استمرار الفوضى أو العودة الى الدكتاتورية والاستبداد، وهذا ما يروجه من يؤيدون حفتر.

في أوائل نيسان/ أبريل 2019 أعلن حفتر بدء هجومه على العاصمة طرابلس وقال أكثر من مرة إنهم اقتربوا من إنهاء وحسم تلك المعركة لصالحهم.. فكيف ترى الهجوم على "طرابلس" بعد مرور 10 أشهر؟ وإلى أين وصل؟ وإلى أي مدى نجحت عملية بركان الغضب في صد هذا الهجوم؟


باختصار؛ حفتر يُمثل أحد تمظهرات الثورة المضادة وارتدادات الربيع العربي، وهو مشروع إقليمي لتكرار السيناريو المصري، وما أفشل مشروع حفتر هو عدم وجود جيش نظامي يمكن استخدامه للسيطرة على الحكم؛ فالقذافي لم يترك جيشا وكان يعتمد على كتائب أمنية، وكذلك فإن الثورة في ليبيا كانت مسلحة، وعلى الرغم من مشاكل انتشار السلاح التي لا تخفى على أي متابع، إلا أن ذلك منع مشروع حفتر من السيطرة وعودة حكم العسكر حتى الآن؛ رغم الدعم الإقليمي والدولي الكبير الذي يُقدم له.

حفتر حقق الموت والتشريد والخراب والدمار لليبيا كلها، في بنغازي ودرنة، وأخيرا طرابلس، والشر معقود بناصيته، ولكنه لم يحقق هدفه بعد عشرة أشهر من الحروب التي جلب لها كل مرتزقة الأرض.

وفي تقديري أن توقيع اتفاقية التفاهم الأمني مع تركيا قد حققت توازنا يمنع حفتر وداعميه من المضي في الخيار العسكري، ولذلك لجأوا - وأقصد الدول الداعمة؛ لأن قرار حفتر أصبح مرتهنا لها - إلى استخدام سلاح قفل تصدير النفط، وهو دليل فشل، لا أظنه يصمد كثيرا، ولكن الأيام في ليبيا حُبلى.

هل اختيار المجلس الرئاسي للحوار والحلول السياسية يُعدّ بمنزلة عجز عن صد هجوم قوات حفتر؟

 
الحقيقة أننا لا نواجه حفتر فقط، بل نواجه دولا ذات مواقف متفاوتة، فهناك دول داعمة وهي طرف مباشر في الحرب على ليبيا وفقا لتقارير الأمم المتحدة، مثل الإمارات ومصر وفرنسا، وهناك دول داعمة مثل السعودية والأردن، وهناك دول أخرى تبحث عمّن يسيطر فقط تغليبا لمصالحها بغض النظر عن شكل الحكم أو مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه هي الأغلبية، ووسط هذه الظروف والتعقيدات لا مناص أمام حكومة الوفاق إلا بفتح كل الأبواب والمسارات والمشاركة في كل الحوارات وإبداء حسن النوايا، وعدم ترك أي حجة أمام أي طرف، وفي الوقت نفسه الاستعداد في الجانب العسكري والتأهب للمواجهة.

ومع ذلك، ففي تقديري أن الحكومة قد بالغت في إبداء حسن النوايا والتعويل على الحلول السياسية؛ لأن حفتر لم يتوقف عن التقدم عسكريا تجاه العاصمة، وهو يعلن ذلك صراحة حتى قبل 4/4.

ونحن ندرك من البداية أهداف مشروع حفتر والدول الداعمة له، وحذرنا المجلس الرئاسي مرارا، ولكن كنّا نُتهم بأننا نبالغ أحيانا أو أن عندنا حسابات خاصة أو حساسية من هذه الدول، ولكن اقتنع الجميع الآن وانكشف المشروع لكل متابع، وبات واضحا للعالم أن الصراع، كما قال الرئيس السراج أمام مجلس الأمن، "إن الصراع في ليبيا بين مشروع قيام الدولة المدنية ومشروع عسكرة الدولة وعودة الاستبداد".

ما تقييمكم لأداء حكومة الوفاق في التعاطي مع تطورات الأزمة الليبية؟


أداء رئيس المجلس الرئاسي تطور بعد العدوان، أما بقية الأعضاء بالمجلس فلا نرى فاعلية لهم باستثناء د. محمد العماري زايد.

أما الحكومة فقد تشكلت في ظروف غير ظروف الحرب وفقا لتوازنات أخرى، وكان ينبغي إجراء تعديلات تتعلق بالأزمة ولكنها تأخرت، وعلى رئيس المجلس الرئاسي أن يجري تعديلات عاجلة ترفع من مستوى أداء الحكومة، باستثناء وزير الداخلية الذي يقوم بسد ثغرات كثيرة وملء الفراغات نتيجة لقصور بعض الوزارات في أداء دورها، وهناك شبه إجماع على تميز دوره الفاعل خلال الأزمة الحالية.

المبعوث الأممي قال إن الأطراف الليبية وافقت على مبدأ تحويل الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار.. فإلى أي مدى تتوقع نجاح تلك الخطوة أم إن الهدنة ستظل حبرا على ورق في ظل الانتهاكات والخروقات المستمرة؟

لم تتوقف الحرب ولم يتوقف الإمداد بالسلاح أمام أنظار العالم الذي يعلن اعترافه بحكومة الوفاق، ويدعم في ذات الوقت الطرف المتمرد على الشرعية، ويصمت البعض الآخر على عدوانه، بل يسوق لمصطلح طرفي الصراع، ويحث الطرفين على ضبط النفس، وكأنه لا وجود لطرف شرعي وآخر متمرد، ولا وجود لقرارات مجلس الأمن، ويبدي تحفظه على الحكومة الشرعية في بحثها عن السلاح وعقد الاتفاقيات لكي تدافع عن شرعيتها، وهو حق تكفله كل القوانين والمواثيق الدولية.

ولذلك، لا توجد أي هدنة حقيقية، ربما انخفضت وتيرة الحرب بسبب ما حدث من توازن في القوة على الأرض، أما حفتر فلن يرتدع ولا يفهم إلا لغة القوة والردع، وعلى حكومة الوفاق أن تعزز من بناء قوتها وتحالفاتها بالتوازي مع الخط السياسي والدبلوماسي.

كيف تنظرون للجنة (5 + 5) العسكرية التي اتفق على تشكيلها في قمة برلين الأخيرة؟ وأيهما يسبق الآخر: المسار العسكري والأمني أم المسار السياسي؟

 
المسار العسكري يسبق السياسي، واللقاء الأول للجنة 5+ 5 لم يفضِ إلى شيء، ومع ذلك يحاول المبعوث الأممي غسان سلامة أن يلتقط به الخيط للانطلاق في العملية السياسية، ويجب أن يكون وقف إطلاق النار خطوة أولى تتبعها خطوات إنهاء العدوان والتمرد على الشرعية كشرط أساسي للبدء في أي حوار سياسي جدي.

وعلى الرغم من قرار مجلس الأمن رقم 2510 بشأن اعتماد مقررات برلين وأهمها وقف النار، إلا أنه يحتاج إلى إرادة دولية صارمة وآليات لتنفيذه، وحزم ضد الأطراف المعرقلة داخليا وخارجيا، والحقيقة أنه لا توجد مؤشرات جدية حتى الآن.

وهل جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية فشلت تماما ولم يعُد هناك أفق لنجاحها؟ ولماذا؟


نعم فشلت كل اللقاءات التي أجريت في السابق؛ لأنها كانت تقوم على شرط مسبق، وهو توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة حفتر ليتمكن على الفور من اكتساب الشرعية، وإعلان حالة الطوارئ، والسيطرة على الحكم بحجة الفوضى، وربما يجري انتخابات صورية ليصبح رئيسا شرعيا بالقوة، وهناك من سيكمل السيناريو مثل إبراهيم أبو خزام وأبو زيد دوردة وغيرهم من العبيد، فهم جاهزون لتبرير كل ذلك، وقد شرع بعضهم في إعداد إعلان دستوري لحفتر مفصل على مقاسه.

ما هي رؤيتكم لإصلاح وتطوير المؤسستين العسكرية والأمنية؟


قبل عدوان حفتر على العاصمة في 4 نيسان/ أبريل الماضي، بذلت وزارة الداخلية جهودا كبيرة في اتجاه بناء الأجهزة الأمنية وقدمت خطة لإدماج المسلحين الراغبين في الانخراط في الأجهزة الأمنية، وأعلنت موقفا واضحا من المليشيات التي تصر على العمل خارج إطار الهيكلية والقانون، ولكن العدوان ـ يا للأسف ـ أوقف كل هذه الجهود، وبالإمكان استئناف تنفيذ هذه البرامج إذا تحقق الاستقرار النسبي في أي وقت.

ويدخل من ضمن خطة وزارة الداخلية معالجة موضوع الحد من انتشار السلاح بشكل تدريجي، وفقا لخطط مستوحاة من تجارب دول عاشت الظروف نفسها.

أما الجانب العسكري فلا يمكن أن يُرسم ويُفصل على شخص بعينه، كما يُراد له الآن، وفي حال إبعاد المغامرين والحالمين بعودة عصور الانقلابات العسكرية أمثال حفتر؛ فإن الجيش الليبي به ضباط شرفاء مخلصون للوطن قادرون على جمع شتات المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلتها وتنقيتها وبنائها، وليست المشكلة في الخطط النظرية فهي موجودة، ونحن لن نبتدع شيئا جديدا، فقط نحتاج إلى إرادة من طرف الحكومة وتوفر قدر من الاستقرار النسبي، ولا ننكر أن هناك فرصا كثيرة ضاعت وجهودا وأموالا أُنفقت سدى خلال تعاقب كل الحكومات السابقة.

قلت إن "حفتر" فشل واستنفد حتى الوقت الإضافي الذي مُنح له، وإن ما حققه ميدانيا لا يعدو التمدد في الفراغ، لكن البعض يختلف تماما مع ما تقوله ويؤكد أن سيطرة حفتر على الأرض كبيرة وله نفوذ ممتد... ما تعقيبكم؟ ومن هو الطرف الأقوى على الأرض حاليا برأيكم؟


الوقت الرسمي الذي مُنح لحفتر كان ما قبل 4/4، أما ما بعد هذا التاريخ فهو الوقت الإضافي، وكان يتوقع أن يكون أياما معدودة، وإذ به يتجاوز العشرة أشهر، وقد فشل، لأن هدفه الاستيلاء خلال أيام ولم يحقق إلا الخراب والدمار.

نعم حفتر يتمدد في فراغ أو شبه فراغ، ومن المعروف أن أغلب مساحات ليبيا صحراء خالية من السكان إلا ما ندر؛ فحفتر موجود فعليا في مدن الشرق الليبي حتى أجدابيا، وهناك نقاط اشتباك محدودة حول العاصمة أبرزها ترهونة، وما عدا ذلك تزييف ودعايات رخيصة.

ومن ناحية الثقل السكاني، فلا يوجد في المناطق المسيطر عليها حفتر، إلا حوالي مليون نسمة من إجمالي سكان ليبيا البالغ حوالي سبعة ملايين، وللأسف أن الإعلام الخارجي بخارجية حكومة الوفاق مُعطل، وكان ينبغي أن يوضح للعالم هذه الحقائق بالخرائط والإحصائيات ولا يترك المجال لإعلام حفتر ليقدم معلومات مغلوطة.

 


المصدر: مركز المسبار للأبحاث والدراسات الاستراتيجية

 

 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صرّح مؤخرا بأن هناك خمسة آلاف مقاتل سوداني وألفين من المرتزقة الروس يقاتلون في ليبيا.. فهل لديكم تفاصيل أو معلومات أكثر عن "المرتزقة" في ليبيا (جنسياتهم وأعدادهم وتسليحهم ودورهم)؟ 

 

عندما نتحدث عن المرتزقة أو عن التدخل الخارجي أو الدعم بالسلاح فيجب أن تكون هناك معايير صحيحة نستند عليها لحسم هذه الأمور، فلا مجال لمقارنة الوجود والدعم التركي وفقا لاتفاقية رسمية بين دولتين بأي دعم أو حضور لأطراف أخرى مع الطرف المتمرد على الشرعية.

لذلك، فإن التدخل الخارجي السلبي والداعم للطرف الخارج عن الشرعية هو أساس المشكلة، ولو توقف فستنتهي الأزمة في ليبيا، وأظن أن الدول الداعمة لحفتر قد بدأت تدرك أن الحسم العسكري أمر بعيد المنال بعد حدوث توازن نسبي في موازين القوة، والوضع مفتوح لخيارين إما لتصعيد أكثر عنفا واتساعا وبتورط أكبر من الدول الداعمة لحفتر، أو إلى تراجع تدريجي لصوت الرصاص والدخول إلى مسار التسوية السياسية، وهذا ما نرجوه.

العالم أجمع يعترف بحكومة الوفاق ممثلا وحيدا للدولة الليبية، وبالاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات مرجعا للعملية السياسية، وعلى هذا الأساس فإن أي دعم للطرف المتمرد على الحكومة الشرعية هو تناقض ومخالف لقرارات مجلس الأمن، ولذلك فهناك قضايا محسومة ومن حق، بل ومن واجب، الحكومة الشرعية أن تدافع عن وجودها، وأن تبرم الاتفاقيات والتحالفات، وهو ما التزمت به حكومة الوفاق.

أما تصوير ما يجري بأنه صراع بين طرفين ومخاطبتهما بالخطاب نفسه والتعامل مع الأزمة على هذا الأساس ـ فهو خلل وتناقض وقع فيه المجتمع الدولي عن قصد، وما يجري في ليبيا وغيرها خلال السنوات الأخيرة سحب ما تبقى من رصيد لدور الأمم المتحدة ومنظومة القيم التي أُسست عليها.

فعلى أي أساس يجري دعوة حفتر والتعامل معه كطرف أساسي في حين أنه لا يحمل أي صفة وفقا لاتفاق الصخيرات، وكذلك البرلمان فهو يستمد شرعيته من هذا الاتفاق وإلا فهو خارج الإعلان الدستوري ولا شرعية له ولا لقراراته وكل ما يصدر عنه، وهذه حقائق نظريا يؤكد عليها العالم في كل مناسبة وكلها تناقضات صارخة، ولعل أبرز الدول الواقعة في هذا التناقض هي مصر والإمارات وفرنسا، وتطول القائمة مع أن الأمر واضح.

السراج قال إن أبو ظبي والقاهرة تدعمان حفتر لأوهام تتعلق بمخاوفهما من جماعة الإخوان.. فهل هذا هو السبب الوحيد لدعمهما لـ"حفتر" بقوة أم إن هناك أسبابا أخرى؟


موضوع استخدام الإسلام السياسي أو الإخوان يحتاج شيئا من التوضيح والتفكيك؛ لأنه اُستخدم بطريقة مُضللة وخبيثة، ولا بد من كشف ملابساته أمام الناس، وقد أثيرت هذه القضية بدرجات متفاوتة في كل دول الربيع العربي.

في اليمن بعد الثورة دعمت السعودية والإمارات الحوثيين لضرب الحكومة بحجة وجود الإسلام السياسي ممثلا في حزب الإصلاح، رغم خلافهما المذهبي مع الحوثيين، ثم انقلب السحر على الساحر.

وفي مصر لا يوجد أي مبرر يسمح بالانقلاب على المسار الديمقراطي، وقد حدث ذلك أمام العالم بحجة سيطرة الإخوان، وقديما أُجهضت الديمقراطية في الجزائر وتسبّبت ذلك في الدخول إلى العشرية السوداء -كما يسمونها- وراح ضحيتها مئات الآلاف، وفي تونس اليوم المحاولات مستمرة لإجهاض التجربة الديمقراطية بحجة مشاركة حركة النهضة.

في ليبيا تُستخدم الحجة نفسها لتبرير الانقلاب على الشرعية، وحصل في تركيا انقلاب باركته دول كبرى قبل أن يفشل، بالحجة نفسها.

وفي أماكن كثيرة أخرى، والسؤال هنا: ما المشكلة إذا كانت هذه الأحزاب قد نالت قبول الشعب وفقا للصندوق، وهي تمارس حقها السياسي مثل أي حزب آخر ضمن شروط العملية الديمقراطية؟، وهل إذا انسحبت هذه الأحزاب من المشاركة السياسية فإنها ستستقر الأوضاع وفقا لنظام ديمقراطي تعددي؟

أم إن المشكلة في رفض فكرة الديمقراطية من أساسها، والرغبة في إبقاء هذه الدول ترزح تحت الأنظمة الاستبدادية تنفيذا لمصالح أنظمة حكم عربية تقليدية تتخوف من التغيير، وتنفيذا لمصالح دول أخرى كبرى ترتبط مصالحها باستمرار العالم الثالث في كونه بقرة حلوبا للمواد الخام وسوق استهلاك لمنتجاتها، ويبقى عاجزا ومنزوع الإرادة، وهذا هو استعمار الموجة الثالثة، فالموجة الأولى استعمار مباشر، والموجة الثانية أنظمة بالوكالة، والموجة الثالثة لم تنضج معالمها بعد؛ فقد تمردت الشعوب على الوكلاء، والآن نحن أمام تحولات جديدة حتما ستفضي إلى نموذج جديد.

وبالتالي أنتم ترون أن المعركة والحرب الحقيقية هي ضد المشروع الديمقراطي وليس الإسلام السياسي؟

 
بكل وضوح؛ الحرب ضد المشروع الديمقراطي في المنطقة، ولك أن تنظر إلى مصر بعد إبعاد جماعة الإخوان هل هناك مجال لأي صوت آخر أو رأي آخر من أي توجه كان؟ الإجابة قطعا لا.

بعض البسطاء والسطحيين يقولون إن الحملة والرفض للإسلام السياسي فقط. وهل يا قليل الفطنة والخبرة سيقولون لك نحن ضد الديمقراطية؟ قطعا لا.

بعض النخب يقولون: نحن ندرك ذلك، ولكن على الأحزاب المحسوبة على التوجه الإسلامي أن تأخذ خطوة إلى الخلف إلى حين، ولا يدرك هؤلاء أن أي قوة سياسية حقيقية تحمل مشروعا وطنيا ديمقراطيا تتقدم فسوف توجه لها التهمة نفسها وتوصف بأنها إسلام سياسي؛ لأن الخصم لهؤلاء، كما ذكرت، هي الديمقراطية.

وأنه ـ عن قصد ـ لا توجد معايير منضبطة للحكم على أي حزب بأنه حزب ديني، وذلك ليسهل التلاعب بالمصطلح كما هو معروف، وأكبر مثال على ذلك التلاعب بمصطلح "الإرهاب".

ثم إن الأحزاب التي شاركت في أغلب الدول وتتعرض لحملات التشويه بأنها إسلام سياسي هي أحزاب مدنية منفتحة، وأعلنت قبولها بكل شروط العملية الديمقراطية، ومنها حزب العدالة والبناء في ليبيا، والنهضة في تونس، والعدالة والتنمية في تركيا وفي المغرب، وهذه أمثلة فقط وفي دول كثيرة، وهذا لا يعفي أي حزب طبعا من المراجعات والتصحيح والاستفادة من الأخطاء والممارسات غير الناضجة ومراعاة مخاوف ومصالح الأطراف الأخرى الإقليمية والدولية.

ألا ترى أن الحركة الإسلامية بحاجة لإعادة تموضع وإعادة طرح نفسها من جديد في ظل ما تواجهه من حرب شرسة في المنطقة؟


نحن في عصر ثورة المعلومات والاتصالات وما أحدثته من تأثيرات على طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وعلى مستوى الأفراد والتجمعات البشرية والأوضاع السياسية؛ فلم يعُد من المناسب استمرار العمل وفقا للأساليب التقليدية التي تجاوزها الزمن، وبالتالي علينا بَلْورة نموذج نبرز من خلاله الصورة الحقيقية لهويتنا الإسلامية الجامعة المعتدلة والقائمة على كرامة الإنسان وحريته في الاختيار والتفكير والاعتقاد، وعلى المبادئ السامية التي تدعو إلى التعايش السلمي بين الشعوب، وقبول الآخر، وتبادل المصالح معه..

وذلك من خلال الممارسة الواقعية وطمأنة الشعوب الأخرى إلى أن تعميم النموذج الديمقراطي كفيل بتحقيق مصالح الجميع إقليميا ودوليا، وأن مساعدة المنطقة العربية والعالم الثالث على الخروج من حالة التخلف من شأنه أن يعزز التعارف والتعايش السلمي وتبادل المصالح بين الشعوب والثقافات بعيدا عن الهيمنة، وبعيدا عن استدعاء حالات الصراعات الدامية للحضارات عبر التاريخ التي تجاوزها الزمن، والانطلاق نحو حوار الحضارات وتلاقح الأفكار وفسح المجال لحرية التعبير، وحرية التفكير والاعتقاد، دون حرج، ودون فرض أي قيود على الناس.

وعلينا أن نعترف ونتبرأ من الممارسات الخاطئة التي صدرت عن أفراد أو جماعات أو أحزاب وأعطت صورة مشوهة لهويتنا ومجتمعاتنا.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا