آخر الأخبار

دستور الثورة التونسية حسم العلاقة بين الدين والدولة

توفيق المديني السبت، 14 مارس 2020 04:07 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: "الدولة المدنية.. التصور والواقع والممكن"
الكاتب: مؤلف جماعي لعدد من الباحثين
الناشر: المعهد العربي للديمقراطية بتونس، وبدعم من مؤسسة هانس سايدل الألمانية
الطبعة الأولى- 2020 (151 صفحة من الحجم الوسط).

على غير عادة الثورات في التاريخ، جاءت ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مفاجئة للجميع، ليس فقط في نوعيتها وأنها شعبية ومن دون قيادات سياسية أو فكرية، وإنما أيضا لأنها فتحت الباب لإعادة كتابة التاريخ السياسي الحديث والمعاصر للمنطقة العربية.

وعلى الرغم من مرور نحو عقد من الزمن على انطلاق هذه الثورات، مازال المفكرون وعلماء الاجتماع والسياسة يحاولون فهم ديناميكية الثورات العربية وأهم العوامل المؤثرة فيها وآفاقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ضمن هذا الإطار يأتي كتاب المعهد العربي للديمقراطية بتونس، "الدولة المدنية.. التصور والواقع والممكن"، الذي يعرض له الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، بدأه بقراءة في الثورة التونسية وشروط قيام الدولة المدنية عربيا، ثم قراءة مشروع الدولة المدنية كما يفهمه العرب، وانتهاء اليوم بالدستور التونسي كنموذج عربي للانتقال الديمقراطي.

أهمية الدستور الديمقراطي في تونس 

في الدستور التونسي الجديد، لم يتم التنصيص صراحة على أن "الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع"، بل تم الاكتفاء بالفصل الأوّل من الدستور التونسيّ الذي وُضِعَ سنة 1959، وهو ما ورد في صياغة مشروع الدستور الجديد، حيث جاء في الفصل الأول: "تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، كما جاء في الفصل الثاني: "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون". 

وهكذا، فإن الإسلام هو دين الشعب التونسي، من دون ذكر أنه دين الدولة. فهذه التوليفة الخلاقة التي ابتدعها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة شكلت الجسر إلى بناء الدولة المدنية في تونس. فهذا الفصل الأول من دستور 1959، والذي تم تبنيه بالكامل في الفصل الأول من دستور 2014 ينص على أن الإسلام هو دين التونسيين وليس عقيدة الدولة.

وتنظر النخب العربية إلى هذا التتويج الدولي لتونس بمنحها جائزة نوبل للسلام في سنة 2015، عبر الرباعي الراعي للحوار الوطني، بأنه لم يكن صدفة ولا حدثًا طارئًا أو مفاجئًا بل كان التتويج الطبيعي لمسار طويل من الحركة الإصلاحية التونسية بمدونتها التنويرية والتحديثية العميقة والعريقة، التي  بدأت منذ القرن الثامن عشر، واستمرت حتى حصول تونس على استقلالها في 20 آذار (مارس) 1956.

وقد كانت لهذه الحركة الإصلاحية التنويرية محطات واضحة راكمت العمق التاريخي لتونس الذي بدأ مع دستور قرطاج ومدونة القديس سانت أغسطين وتأسيس بيت الحكمة في القيروان وجامع الزيتونة أعرق جامعات العالم . 

خير الدين التونسي.. رمز الإصلاح

 


منذ عصر النهضة العربية الأولى، يعتبرالمصلح خير الدين التونسي من أعظم المنظرين العرب لجهة مطالبته بضرورة اقتداء أقطار العرب الحديثة بفلسفة ونهج الحداثة الأوروبية الغربية، ومعرفة أساس قوة أوروبا وازدهارها، وبكيفية خاصة دور الدولة الحديثة ومؤسساتها السياسية القائمة على الحرّية في المجتمع المدني. وأسهم المصلح خير الدين في وضع الدستور الأساسي ،أو دستور عهد الأمان في سنة 1861 الذي يعتبر أول دستور عربي يقر في بلاد الإسلام، وهو متكون من ثلاثة عشر فصلاً، ومئة وأربعة عشر  مادة مرقمة حسب الطريقة الفرنسية. 

إن دستور عهد الأمان للعام 1861، قَوَّضَ سلطة الباي، وأصبحت تونس عبارة عن دولة ملكية دستورية، إذ أنّ مجلس الشورى الأعلى هو الذي يُصَدِّقُ على إجراءات الحكومة قبل تنفيذها، فضلاً عن أن السلطة الفعلية قد أصبحت في أيدي رئيس الحكومة، أو الوزير الأول حسب المصطلح الفرنسي. ويضمن الدستور الأمن الكامل للأشخاص، والممتلكات، وشرف كل سكان المملكة، بصرف النظر عن ديانتهم، وجنسيتهم، وعرقهم. وعندما اعتكف المصلح خير الدين عن العمل السياسي وضع كتابه الوحيد باللغة العربية بعنوان"أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك "، نشر لأول مرة في تونس العام 1867، حيث لاقت  ترجمة مقدمته بعنوان " الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية " صدى كبيرا في فرنسا، نظرا لما تنطوي عليه من صياغة لمشروع نهضوي حديث.
 
ويعلق المفكر العربي البرت حوراني على ذلك بقوله: "يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شيء من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق. فالمؤلفان تونسيان وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه،بتاريخ الدول الإسلامية، يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضاً، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية". 

 



وشاع مفهوم الدستور في تونس في عشرينات القرن الماضي مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي، مؤسّس الحزب الليبرالي الدستوري الذي قاوم الاستعمار الفرنسي ، ثمّ استعاده وطوّره ابتداءً من العام 1934 أبوالاستقلال الحبيب بورقيبه، بحيث بات يشكّل عنصراً موجّهاً في تأكيد الهويّة السياسية التونسيّة.واتُّخذ هذا المفهوم وسيلة لبلوغ الحداثة القضائية والمؤسّساتية، واندرج في سياق قطيعة مع النظام الاستعماري ومع الاستبداديّة البايويّة (نسبة إلى الباي) .لكن لم يبدأ الوطنيّون بالتعبير بشكلٍ واضح عن ضرورة إنشاء مجلسٍ تأسيسي إلاّ بعد وصولهم إلى عتبة السلطة في 20 آذار (مارس) 1956.

ولما كان الحزب الحرّ الدستوري بزعامة الحبيب بورقيبة هو قائد مسيرة استقلال تونس وباني الدولة الحديثة، فقد طرح انتخاب المجلس التأسيسي ،بهدف صياغة الدستورالجديد ،فوجد الملك العجوزسيدي لامين  نفسه مُجْبَراً تقريباً على أن يوقّع، في 29 كانون أول (ديسمبر) 1956، وبختمه على أسفل صفحة المرسوم الذي دعا إلى الانتخابات في 25 مارس من عام 1956. وقد حاول مع ذلك أن ينقذ ما أمكنه بالحَدِّ من صلاحيات المجلس التأسيسي وبتخصيصه بمهمّة واحدة محدّدة بدقّة:" وضع دستورٍ خاصّ بمملكة تونس".

 


بعد انتخاب المجلس التأسيسي، اجتمع للمرّة الأولى في 8 نسان (أبريل) العام 1956، في قاعة العرش في قصر باردو، بما له من رمزيّة، انتخب بورقيبه رئيساً له. وبعد ستّة أيام أقرّ قانوناً دستوريّاً مولّفاً من مادّة وحيدة بثلاث فقرات، هو "الدستور الصغير العام 1956". وأدرك بورقيبه أنّ مسألة العلاقة بين الدين والدولة قد تلهب النفوس وتحرّك المشاعر التي لا طائل لها، فأراد مُسَبَّقاً أن يقفل باب النقاش. هكذا جاءت الفقرة الأولى من القانون الدستوري الصادر في 14 إبريل العام 1956، والذي سوف تنقل حرفيّاً تقريباً في المادة الأولى من دستور الأوّل من يونيو العام 1959 تحفةً في الاقتضاب والغموض: "تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة. الإسلام دينها والعربيّة لغتها". فالإسلام"دين دولة" وليس "دين الدولة"؛ في حين تمّ"الاعتراف" بحريّة المعتقد وحرّية ممارسة المعتقدات "المحميّة شرط ألا تخلّ بالنظام العام" (الفقرة الثالثة). بالتالي لم يجعل الدستور من تونس دولةً لائكيّة، لكنّها لم تكن دولةً إسلامية. كانت دولةً علمانيّة (مدنيّة أو زمنية)، لأنّ الشريعة لم تكن فيها مَصْدَرًا للتشريع .أما الفقرة الثانية، وقد نصّت على أن "الشعب التونسي هو صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه هذا الدستور"، ما نزع صلاحيات الباي؛ بحيث ووجدت الملكية نفسها عمليّاً تتراجع إلى صفوف مؤسّسةٍ عادية عامّية.

عندما أطاح بورقيبة بالملكية وسلطة الباي في 25 تموز / يوليو 1957، بإعلانه ميلاد الجمهورية التونسية، تغيّرت المعطيات رأساً على عقب؛ وبات على المجلس التأسيسي أن يستأنف الورشة من حيث أوقفت في 14 نيسان (أبريل) العام 1956. وأنجز المجلس التأسيسي المنتخب في فجر الاستقلال (1956 ـ 1959) صياغة دستور عام 1959، الذي احتل مكانة بارزة  في تأسيس النظام الجمهوري، وبناء الدولة التونسية الحديثة التي تبنت  فلسفة الحداثة بكل منطوياتها الفكرية، عبر تركيز أسس دولةٍ مدنيّة من النوع العقلاني ـ الشرعيّ، ما كان حتّى ذلك الوقت محصوراً فقط بالحداثة الغربية. لكن المجلس التأسيسي في ذلك الوقت أخفق في إرساء نظام ديمقراطي، وضمان الحقوق والحرّيات بشكل فعّال. واحتوى دستور سنة 1959 على 64 فصلا وأدخلت عليه خلال السنوات اللاحقة عديد التعديلات منها ما كان في عهد الحكم البورقيبي، ومنها ما كان في العهد النوفمبري  وانتهي إلينا سنة 2010 قبيل الثورة مكوّنا من 78 فصلاً .

إن التوقف عند هذه المحطات التاريخية أكثر من ضروري بالنسبة للتونسيين اليوم وخاصة الجيل الجديد من الشباب الذين لا يعرفون لماذا حازت بلادهم جائزة نوبل، فمنح هذه الجائزة الدولية الأولى لتونس ليس صدفة .فقد توفرت لتونس كل أسباب الإستثناء ونجاح التجربة الإنتقالية في تونس لحدّ الان ونجاة البلاد من حرب أهلية ، هو ثمرة هذا الإرث الطويل من تجذّر المشروع الإصلاحي التونسي الذي لم يبدأ اليوم ولا بالأمس، ولم يُولَدْ مع 14 جانفي/يناير 2011،بل كان سلسلة حلقات متراكمة بدأت مع العصر القرطاجني والعربي الإسلامي وتجذّر في العصر الحديث بدءًا من القرن الثامن عشر تحديدًا.إنها تونس العظيمة التي تتجدد ولا تموت .

لقد كان الخطاب الديمقراطي في تونس ضبابياً وملتبساً في مقولاته، فالأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية لم تركزعلى طرح أفكار الحرية الدستورية، والعلمانية، والمساواة المواطنية، وحقوق الانسان والمرأة، حتى لا يسع المرء إلا أن يتساءل: ما هي تلك الديموقراطية التي تتحدث عنها الطبقة السياسية التونسية والأحزاب السياسية ، ما جوهرها وأسسها ومراميها، وكيف يمكن أن تجمع تحت لوائها كل تلك المتناقضات الأيديولوجية والسياسية وكل تلك التوجهات المتنافرة في الأهداف والغايات والمصالح؟ هل يكفي أن يؤمن الجميع بالانتقال السلمي إلى نظام ديموقراطي ولو غير محدد الأهداف والأسس؟ وهل سيلبي هذا النظام حاجات وتطلعات هؤلاء دون الإخلال بالأمن السياسي أو الاجتماعي أو بمصالح كل فريق من الفرقاء؟ كيف ستتأمن في نظام جامع مصالح الأغنياء والفقراء والطوائف والمؤمنين بحقوق الانسان والمرأة واولئك الذين لا يعترفون بكل هذه الحقوق؟

وفي هذا السياق، استطاعت تونس أن تُصَحِّحُ ربيع "الثورات العربية"، وتُؤَكِّدُ الاستثناء التونسي في تَفَرُّدِهِ على الموافقة على دستور ديمقراطي وليبرالي وتوافقي في آن معاً، وهي بهذه الخطوة أنهت المرحلة الانتقالية بعد انتظار دام لنحو سنتين ونصف.إنهااللبنة الأولى في بناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقرطية التعددية، التي عجزت الأديولوجيات الشُمُولِيَة (الإسلامية والقومية والماركسية) عن بنائها في العالم العربي، لكن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة المتشبع بالثقافة الفرنسية والمتأثر بكمال أتاتورك، كان أول من أرسى الدولة المدنية ذات الاتجاه العلماني عند العرب،لا سيما أن الدولة المدنية ليست بدولة عسكرية، وليست أيضاً بدولة دينية، لكنها ليست بالضرورة أن تكون دولة علمانية بالمعنى الغربي للكلمة.

 

إقرأ أيضا: عن الثورة التونسية وشروط قيام الدولة المدنية عربيا

 

إقرأ أيضا: آراء في الفكر السياسي العربي ومعارك بناء الدولة الدستورية

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا