آخر الأخبار

التلقي العربي للسانيات وأثر دي سوسير في البحث اللغوي (1من2)

أحمد القاسمي الثلاثاء، 17 مارس 2020 03:02 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي، التلقي العربي للسانيات.
المؤلف: حسين السوداني
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
الطبعة الأولى بيروت، تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.
344 صفحة.

1 ـ بين يدي الكتاب:

أحدث كتاب فردينان دي سوسير "cours de linguistique générale" ثورة منهجية في الدراسات اللغوية سريعا ما عبرت بعدئذ إلى مختلف حقول المعارف الأدبية والفلسفية والإنسانية. ولا نعتقد أننا سنضيف جديدا في عرضها. ولكن أثر هذا الكتاب في البحث اللغوي العربي، وهو الذي يضم في تراثه رصيدا ضخما وتلقي العرب له وهم الذين يتعاملون بقلق مع كل وافد، يشكلان سؤالين على قدر من الأهمية لأنهما لا يبحثان في العلم فحسب وإنما في سياق نشأة المعرفة حضاريا وفكريا وسياسيا. 

ولأهمية هذا الكتاب نعرضه في حلقتين: نخصص الأولى لملابسات اكتشاف العرب لمعارف سوسير. وتمتدّ زمنيا من بداية الأربعينات، تاريخ أول إشارة لهذه المعارف في مصنف عربي، حتى نهاية السبعينات. وتستغرق نحو 100 صفحة من الأثر. فتشتمل على مقدمة منهجية تضبط حوافز البحث وغاياته وتعرض المنجز في المسألة ووجوه الاحتراز عليه. وتشتمل أيضا على ثلاثة فصول يتقصى أولها مآل دروس سوسير في العالم عامة وفي العالم العربي خاصة. ويبرز ثانيها اكتشاف العرب لمباحثه وظروفه. ويقف ثالثها على خصائص المنهج الوصفي في المباحث اللغوية من خارج التصور السوسيري ومن داخله أيضا.
 
2 ـ العودة إلى سوسير بعد مائة سنة: لماذا؟

لا شك أن الباحث يدرك أن القارئ سيتساءل عن الجدوى من العودة إلى أثر سوسير بعد مائة سنة من نشره، وقد ترسخت اللسانات وغزت المعارف المختلفة وتفرعت مدارسها. لذلك جعل مقدمته ذات بعد توجيهي. فبيّن أن استقراء هذا الأثر ليس سوى تعلة للبحث في المنجز اللساني العربي ومراجعة إسهام العرب في المعرفة اللسانية، متسائلا "ما موقع الفكر العربي من الفكر اللساني الحديث؟ وبعبارة أخرى: ماذا أدرك الفكر العربي من الثقافة اللسانية الحديثة؟ ثم ما منزلة البحث اللساني الحديث؟ أو لنقل هل من مكان للفكر اللساني ضمن مكونات الفكر العربي؟"  

وحتى تصل إلى الإجابة الدقيقة يدرس المسألة من مستواها الكمي. فيحصي مستحضريه ومجالات استحضاره، ومن مستواها الكيفي. فيبين قيمة هذا الاستحضار المعرفية والمنهجية، مبرزا أنه يقصد بالتلقي العربي الاهتمام بما قُدم من دراسات تعتمد اللغة العربية أو بما ترجم إليها في الآن نفسه وأنه سيعمد إلى التعامل الإحصائي مع كتب اللغة أساسا، ولكنه يترك مدونته مفتوحة لغير اللغويين باعتبار  أن وقع هذا الأثر تجاوز المباحث اللغوية إلى غيرها من المعارف.

3 ـ نزعات المعرفة عصر دي سوسير:

يذكّرنا الكتاب بالسياق العلمي لمباحث سوسير. فقد ظهر فكره في أواخر القرن التاسع في مناخ علمي يعي، بعمق، أثر التاريخ ومدى فعله في صيرورة الإنسان. فينزع بجلاء إلى اعتماد المنهج التاريخي عند دراسة الظواهر الطبيعية والإنسانية المختلفة. فيرصد وقائعها الماضية ويدرسها عبر الوصف والتفسير، والتحليل وفق أسسٍ منهجيّة وعلميّة دقيقة تستخلص القوانين المتحكمة فيها وتتوقع تحولاتها في المستقبل. 

وباعتبار هذا المنهج يصادر على أن اللغة ظاهرة طبيعية تنسحب عليها قوانين التطور والانتقاء الطبيعي وباعتباره كان مأخوذا بفكرة التطور، المستمدة من نظرية النشوء والارتقاء لداروين، كانت الدراسات اللغوية تنظر في تاريخ اللسان المدروس وتتتبعه تتبعا دقيقا فتقارنه بالألسنة المجاورة له وصولا إلى أوجه القرابة الممكنة بينها تأسيسا لشجرة العائلات اللغوية. فيؤكد الباحث أن سوسير كان متأثرا في بداية أعماله بهذا المنهج التاريخي المقارن. وكتب فيه مصنفه الأول بعنوان "محاولة في اللغات" وهو لم يتجاوز خمس عشرة سنة من العمر بعد. ثم انصرف إلى التركيز على نظام اللغة تدريسا و بحثا وصفيا آنيا. وهمّ بتحرير أفكاره في كتاب في عام 1894، نتيجة لانزعاجه من ضيق أفق المؤسسات الأكاديمية ولانحصار البحث في زاوية علمية وحيدة هي المنهج التاريخي ولمناهضة ما بات يراه في الدراسات التاريخية من عنصر مناهض لكل إمكانيات التجديد. ثمّ أعرض عن الفكرة. واكتفى بإلقائها على طلبته في اللسانيات العامة خلال السنوات الجامعية 1906- 1911 في شكل دروس. 

 

منشأ التجديد في الدراسات اللغوية العربية في مصر يعود إلى إرسال البعثات الطلابية إلى فرنسا، من ذلك بعثة الطلبة الشهيرة التي رافقت رافع رفاعة الطهطاوي.



ويذكرّ المؤلف بما تمثله ـ نسبة كتاب "cours de linguistique générale" لفاردينان دي سوسير من معضلة. فمعلوم أنه لم يعثر بعد موته على وثائق هذه الدروس مكتملة بخط يده. ولكن اثنين من طلبته هما بالي وسيشهاي بذلا جهدا كبيرا لجمع ما دوّناه هما ودونه زملائهما في كراساتهم. فحققاها وعادا إلى مراسلات أسر فيها يبعض الآراء لمايي أحد تلامذته. وعليه بدت حلقة غير محكمة الغلق. وهذا ما جعل البعض يشك في أصالة هذا الأثر وفي شرعية نسبته إلى فيردينان دي سوسير.
 
يرد صاحب الكتاب تأخر انتشار فكر سوسير، لهذه الملابسات. ويضيف إليها خصومته مع اللغويين الألمانيين المتشييعين للمنهج التاريخي في الدراسات اللغوية. ويقدّر أنّ الفضل في التعريف به خارج الإطار الجامعي الفرنسي يعود إلى "المؤتمر الدولي الأول للسانيات" في لاهاي عام 1928. فقد تم تأكيد أن جوهر دروسه، وهو استقلال العلم اللساني بدراسة اللغة في ذاتها ولذاتها. ولئن ذكّر باستمرار بأن الرّجل ليس أول من  اهتدى في زمانه إلى ما عرض من المفاهيم، فإنه كان ينبه إلى أن ألمعيته تحققت من قدرته على تأسيس مشروع  منسجم دقيق من هذه الأفكار. فلفت أنظار غيره من اللسانيين في العالم إلى أهمية دروسه وإلى عمقها العلمي وإن بتأخير نسبي. وسوّغ مقارنته بمشروع دوركايم في علم الاجتماع الذي يضبط قانون تشكل المجتمعات.

4 ـ اكتشاف العرب لسوسير

أ ـ سياقات حضارية وثقافية وعلمية مناهضة

تمهيدا للخوض في اكتشاف العرب لسوسير يعرض حسين السوداني وضعية البحث في الدراسات اللغوية العربية في القرن التاسع عشر وسياقاته السياسية والثقافية والفكرية. فيقف عند نشأة ضرب من التجديد فيها منذ القرن التاسع عشر. ويطرح المسألة من منطلق سياسي جغرافي أساسا. فيجد أنّ بواكير هذه النزعات ظهرت في منطقة الشام خاصة. ويردّ ذلك لصلاتها الخاصة بالأوساط العلمية الأوروبية. فقد ظهرت مجموعة من الباحثين من متعددي الألسن، يهتمون بقضايا اللغة بقدر ما يهتمون بتاريخ العربية من خلفية علمية تاريخية. فعملوا على دراسة العربية في إطارها السامي، ولاسيما العبري منها. ويذكر أن منشأ التجديد في الدراسات اللغوية العربية في مصر يعود إلى إرسال البعثات الطلابية إلى فرنسا، من ذلك بعثة الطلبة الشهيرة التي رافقت رافع رفاعة الطهطاوي. 

أما منشأ التجديد في الدراسات اللغوية العربية في المغرب الكبير فيعود إلى التحولات الثقافية العديدة التي شهدتها المنطقة كتلك الإصلاحات التي اقترحها خير الدين التونسي  على سبيل المثال. ويقف عند ظهور الوصفية من خارج دروس سوسير. فيميز بين الوصفية منهجًا في أطر بحثية غير اللسانية، ومدارها على حركة تيسير النحو، والوصفية في إصلاح كتبه، وحركة إحيائه وعمليات استقراء مؤلفات.

ينتهي الباحث إلى أن هذه العوامل مجتمعة جعلت بعض خصائص العربية تتنزل ضمن ظواهر لغوية أعم بفضل المقارنة بين ألسنة متعددة الثنائيات، مثل السكونية والتطوّرية ومقولة النظام والوصفية والاعتباطية دون أن يصدر أصحابها عن مرجعية لسانية حديثة صريحة. فهذه الثنائيات عابرة للعلوم والمناهج. أما المفاهيم المعروضة فكانت قائمة في أذهان الباحثين لأنها من كليات الفكر الإنساني. 

وفكر سوسير نفسه لم ينشأ في فراغ، فكثير من مفاهيمه وخياراته المنهجية كان رائجًا في عصره، قائما في السياق المعرفي الذي أتم فيه تعليمه أو قدّم فيه دروسه. ولكن رغم هذه النزعات والبوادر يقدر الباحث أن اكتشاف العرب لكتاب سوسير يعدّ النقطة المرجعية الأساسية في قياس درجة التجديد في الدراسات اللغوية العربية خاصة. 

والطريف أن أول إحالة على لسانيات سوسير في المؤلفات العربية الحديثة لم يكن للغويّ يكتب في مسلك البحوث اللغوية وإنما لعالم اجتماع مصري هو علي عبد الواحد وافي. فهو أول من ذكر سوسير ذكرا صريحًا. وكان ذلك في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين. ثم أخذت اتجاهات البحث اللغوي المعاصر في المشرق العربي تتبلور في العشرية الأخيرة من النصف الأول من القرن العشرين. فقد أخذ جيل لاحق من الباحثين الذين أوفدتهم الدولة المصرية إلى الجامعة الإنكليزية يمسك بمقاليد الجامعة ويمسك بالدراسات اللغوية فيها. وعلى اختلاف أطروحاتهم جعلوا لسوسير مكانا ومكانة في كتاباتهم. ولنا أن نذكر من هؤلاء إبراهيم أنيس وعبد الرحمن أيوب وتمام حسان وكمال محمد بشر ومحمود السعران. 

وعموما فقد كانت المؤلفات اللغوية لهذه الفترة تقرّ بمرجعية سوسيرية في مباحث تيسير النحو وإصلاحه وفي الأعمال المعجمية والتاريخية المقارنة وتغلب عليها صبغة عملية تجريبية تختزل اتجاهاتها في الدراسات الصوتية والبحوث عن العلاقة بين اللغة ونسق التفكير في المجتمع. فاحْتفي من آراء سوسير بسياقات مخصوصة هي ما تقَتِضيه وجهة نظر الباحث. أما الجانب التنظيري المطلق فيها فقد كان ضامرا.

بـ ـ انفتاح متعثر وتفاعل بطيء والمعيقات أكثر من الحوافز

ويمكننا أن نعتبر، من وجهة نظر الباحث طبعا، أنّ انفتاح الدراسات اللغوية العربية على لسانيات سوسير ظلّ محدودا وأن نقدّر أنّ أثر كتابه فيها ظل، بعد نحو خمسين سنة من ظهوره، محتشما مقارنة بنهضتها في ثقافات أخرى، يكاد يختزل في بعض الدراسات التطبيقية. ويردّ ذلك إلى جملة من العوائق منها النفسي والتاريخي والثقافي واللغوي ومنها الابيستمولوجي ومنها السياسي والحضاري.

فمن العوائق ذلك الشك في غايات استيراد علم اللسانيات الذي بلغ درجة الحذر أحيانًا. فكان هؤلاء المشككون يرون أنّ الرصيد العربي من المباحث اللغوية عظيم. وكانوا يتعاملون معه بكثير من المهابة والتقديس. ومن ثمة وجدوا في الانفتاح على هذا العلم الطارئ تغييرا للبوصلة وتنكرا للتراث. فكتب كثير منهم بخلفية التحامل والرفض. وعموما كانت هذه العوائق وافدة، من خارج العلم، تصنّف ضمن خانة النفسيّ والتاريخيّ والثقافي. ومن العوائق الأيبستيمولوجية علاقة الدراسات اللغوية، في مصر خاصّة،  بالمنهج التاريخي. 

 

 

أول إحالة على لسانيات سوسير في المؤلفات العربية الحديثة لم يكن للغويّ يكتب في مسلك البحوث اللغوية وإنما لعالم اجتماع مصري هو علي عبد الواحد وافي. فهو أول من ذكر سوسير ذكرا صريحًا. وكان ذلك في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين



فقد سبقت الإشارة إلى أنّ الجامعة المصرية تأسست منذ البداية على تعاقد مع الجامعة الألمانية، وإلى أنّ أساتذتها تولوا تدريس علوم اللغة في أقسامها للغة العربية. ولأنهم كانوا من المعتنقين للمنهج التاريخي المتشييعين له انحصرت اتجاهات البحث اللغوي العربي عند تلامذتهم، في المشرق عمومًا وفي مصر بالأخص، في الدراسات اللغوية المقارنة، خاصّة أنّ المشرفين على تدريس علم اللغة المقارن من الأساتذة الألمان يعدّون من أعلام الدراسات السامية. 

وطبيعيّ إذن ّألا يشقّ سوسير طريقه إلى الدوائر العلمية العربية في هذا المناخ العلمي بيسر. ثمّ ظهرت دراسات التراث اللغوي العربي ذات الخلفيات السوسيرية مع خريجي مدرسة لندن، ومن أعلامها البارزين يذكر الباحث عبد الرحمن أيوب وتمام حسان وكمال محمد بشر. ولكنهم لم يتمثلوا علم الرجل من كتاباته مباشرة فكانوا ينقلون مقولاته عبر وساطة أساتذتهم خاصة ومالوا إلى الدراسات التطبيقية. 

ويجد حسين السوداني أنّ للسياسي واللغوي دورا في حفز حركة المعرفة أو إبطائها وفي ضبط نسق التفاعل مع كتاب سوسير. فقد تأخر إسهام جامعات المغرب الكبير في هذا التلقي لتأخر استقلال أقطاره إلى العقدين السادس والسابع. ولأنها تأسست على اللسان الفرنسي أساسا، وهو اللسان الذي حرر به كتاب سوسير تأخرت عملية تمثل هذا الرصيد التمثل الأفضل. وتأخر الخوض في القضايا اللسانية المجردة. ولم تظهر إلا مع أعلام احتكوا مباشرة بالجامعات الفرنسية من أمثال المغربي أحمد الأخضر غزال والجزائري عبد الرحمن الحاج صالح والتونسي صالح القرمادي.

أما المصطلح فعائق آخر يشكل على المطّلع على معارف سوسير في اللسان الذي صيغت به، وخطره يكون مضاعفا بالنسبة إلى من يتطّلع عليها في لسان آخر غيرها. وهو إشكال يتوسع فيه الباحث أكثر في الشطر الثاني من هذا الكتاب.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا