عـاجل
آخر الأخبار

فيلم "Contagion": متى ينتهي العالم؟

عربي21- عمر عبد العزيز الخميس، 09 أبريل 2020 05:16 ص بتوقيت غرينتش

لا نزال نطالع أخبارا عن نبوءات نهاية العالم.


بعض هذه النبوءات يدهشنا بقدرة غريبة على تحديد بعض التفاصيل، مثل تحديد ساعة القيامة. يبدو مدهشا كم ينتظر البشر فناء كوكبهم، وكم يجرأون على اختراع تفاصيل ذلك، دون أن يَصْدُقوا أبدا (حتى الآن لحسن الحظ!) ودون أن يكفّوا عن التنفيس عن غضبهم على العالم أو خوفهم منه بتحديد مزيد من المواعيد لنهايته.


لعل ذلك كاشف لجانب مجهول من الطبيعة البشرية. فكما يدهشنا تكالب الملايين على مشاهدة عنف صريح كمباريات المصارعة، يبدو لافتا أن ينشغل البشر بتدمير عالمهم مثلما يفعل السياسيون ورجال الأعمال من ملوّثي الكوكب ومنتجي الأسلحة والدمار.


لكنّ نوعا آخر من التنبؤ بنهاية العالم يستحق مزيدا من التأمل؛ إنه الفن. عالجت روايات مختلفة وأفلام متنوعة قضية فناء البشر. بعضها قدّم محتوى دقيقا وجميلا، معقدا بما يكفي لشرح الكثير من المعطيات الطبية، وبسيطا أيضا بما يناسب فهم الجمهور العام، غير المتخصص.


ولم يقتصر التنبؤ الدقيق على فكرة نهاية العالم. فالكاتب الإنجليزي جون برانر كتب منذ الخمسينيات روايات مستقبلية تتنبأ بعالم المستقبل. مثلا استشرفت روايته "الوقوف في زنجبار" الصادرة سنة 1968 كثيرا من ملامح عالمنا المعاصر من الموبايلات وملحقاتها، والمنشطات الجنسية، والمحادثات المرئية، انتهاء بجرائم إطلاق النار بشكل جماعي.


الحق أن البشر يقتربون أحيانا من مسعاهم إلى تدمير كوكبهم. تساهم قرارات سياسية في إطلاق فيروس مثل كوفيد 19، الشهير بكورونا، نتيجة لتعتيم السلطات الصينية على الأمر منذ بدايته، واستهتار السلطات اليمينية في شمال إيطاليا به، وصولا إلى تفجّر الوباء، دون أن يصغي أحد لصيحات التحذير المهمة، التي أطلقها فيلم "Contagion" الذي تُرجم إلى "عدوى"، الصادر سنة 2011.


من الغريب أن الفيلم حقق المعادلة الصعبة: نجح جماهيريا وفنيا. فنال تقييمات مرتفعة من النقاد على المواقع المتخصصة مثل "روتن توميتوز"، كما حقق عوائد ممتازة، ناهزت "135 مليون دولار"، (بلغت ميزانيته 60 مليون دولار). 


كان من المتوقع إذن أن يأخذ السياسيون الأمر على محمل الجد، لا بد أن بعضهم شاهدوه، أو مستشاريهم أو أفراد أسرهم؛ خاصة في الدول المتقدمة، لكن شأن كل الكوارث العامة؛ لا أحد يصغي إلا بعد وقوع الكارثة.


يتناول الفيلم قصة فيروس مجهول يأخذ في الانتشار، بعد أن تنقله موطنة أمريكية، زارت الصين، إلى أمريكا فسرعان ما تموت ليلحق بها ابنها، وينجو زوجها الذي يملك حصانة ما ضد المرض. تنفجر العدوى عبر العالم، ويلهث الأطباء لاكتشاف دواء للمرض، فينجحوا بعد خسائر هائلة.


يكاد الفيلم ينطق بالكثير من حقائق كوفيد 19؛ يجسّد لنا الكابوس مثلما نعايشه ويشرح كثيرا من حقائق المرض، وقد عبّر رواد السوشيال ميديا عن ذهولهم من تطابق الفيلم مع واقعنا اليوم، لكن الأمر في تقديري ليس صدفة أبدا، ففي كثيرا من المواقع المعنية بالسينما نقرأ تصريحات صناع الفيلم بأنهم استقوا المعلومات الواردة في الفيلم من أطباء منظمة الصحة العالمية، الذين كانوا لا يزالون يذكرون جيدا هجمات سارس.


هذا يفسر لنا الكثير. فما دام الفيروس المسبب لمرض سارس أحد أفراد عائلة الفيروسات التاجية التي تعرف علميا باسم كورونا، وهي العائلة التي ينتمي إليها كوفيد 19 الحالي، والذي يسميه الناس كورونا باسم عائلته.. ما دام الأمر كذلك فمن الطبيعي أن يتشابه الفيروسان في طبيعة عملهما، وهذا ما يفسر لنا لماذا تكاد مقاطع كثيرة من الفيلم تكون نسخة من مقاطع فيديو التوعية التي يتداولها الناس عن مرض كوفيد 19 حاليا؛ من حيث كيفية انتشاره وطبيعة عمله التدميري وكيفية الوقاية منه وسرعة عدواه.


لا يمكننا أن نتجاهل تشابهات كثيرة واضحة بين الفيلم وواقعنا الحالي، مثل انطلاق الحالة صفر من الصين، وكونها العدوى نجمت عن خفاش (حيث يعيش الفيروس)، ثم تحورت عبر حيوان وسيط، في الفيلم كان خنزيرا، بينما في واقعنا يُرجّح أنه آكل النمل الحرشفي. 


أيضا يحكي الفيلم عن تسارع معدلات العدوى والوفيات، والرعب العام وتصارع الناس على سحب المواد الغذائية من الأسواق، (وهو ما يحدث في بريطانيا حاليا)، واندلاع الشائعات على الإنترنت ووقف المواصلات والإغلاق العام لمظاهر الحياة خوفا من العدوى، بالإضافة لآليات الوقاية منه مثل غسل الأيدي وتجنب المصافحة. 


من غرائب هذا الفيلم أن الطبيبة التي تتبعت المرض وحددت أوصافه توفيت به خارج حدود وطنها، وقد ربطها كثيرون بالطبيب الصيني لي، الذي كان أول من حذّر زملاءه في جروب واتساب، مما اعتقد أنه مرض جديد، فاعتقلته السلطات الصينية ثم أفرجت عنه بعد إجباره على تدوين اعتذار وتخطئة لكلامه. ويشاء القدر أن يصاب به الطبيب لي ويموت أيضا بعدها بفترة قصيرة.


لكن مع ذلك يظل التشابه الأكبر في رأيي، مع مكتشف سارس، الدكتور أوربانو، الذي غامر بشجاعة وسافر إلى الدول الموبوءة لتقصي الحالات فتسللت إليه العدوى ومات بها. أظن أن صُناع الفيلم استلهموه في القصة، اتساقا مع ما نقلوه من مجريات مرض سارس ووقائعه. 


بالطبع لأن العمل فني، سينمائي فقد نزع إلى التأثير على عواطف المشاهدين بتضخيم الخسائر، فالعدوى تنتقل بسرعة هائلة، كما يموت نسبة تتراوح من 25 – 30 % من المصابين بالمرض، حتى يبلغ عدد قتلى الفيروس أكثر من 2 مليون أمريكي و26 مليون خارج أمريكا. هذا يختلف، لحسن الحظ، عن واقعنا مع كوفيد 19، لكنه قد يكون إنذارا بما هو أشد فتكا في المستقبل.


من أذكى ما عالجه الفيلم، قضية تدمير البشر لكوكبهم. فالعدوى في الفيلم نشأت بسبب جرافة تزيل غابة، فأفزعت الخفافيش، التي ذهب أحدها إلى مزرعة خنازير، فسقطت منه قطعة موز كان يأكلها، أكلها خنزير فتطوّر الفيروس خلاله في الطفرة القاتلة، التي نقلها طباخ صيني حمل الخنزير بعد ذبحه، ثم صافح المواطنة الأمريكية دون أن يغسل يديه فنقل العدوى إليها، وأصبحت الحالة صفر ناقلة العدوى. 


في الأيام الماضية طالعتُ تصريحات كثيرة لأطباء وباحثين تؤكد أن حركة الأوبئة مقترنة منذ الأزل بتخريب الإنسان للطبيعة، واقتحامه وعدوانه على بيئات كائنات أخرى.


ثمة سخرية أخرى مذهلة بحق. فالطبيب ليبكين، المتخصص في الأوبئة، والذي عمل مستشارا طبيا لصناع الفيلم، وأمدهم بالكثير من حقائق سارس، أصيب مؤخرا بفيروس كوفيد 19. يبدو أن السيد كورونا يعشق السخرية من البشر!

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا