آخر الأخبار

هل تنامي النشاطات الدينية في تركيا يهدد علمانية الدولة؟

بسام ناصر الإثنين، 01 يونيو 2020 01:31 م بتوقيت غرينتش

تزايدت النشاطات الدينية في تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة سنة 2003، وبدا واضحا في السنوات الأخيرة تنامي تلك النشاطات، خاصة العناية الملحوظة بتحفيظ القرآن الكريم للأجيال الشابة، وهو ما يثير حفيظة القوى والأحزاب العلمانية التي ترى في تنامي تلك النشاطات تهديدا جديا لعلمانية الدولة التركية. 

ومع أن حزب العدالة والتنمية لم يقدم نفسه بصفته حزبا إسلاميا، وكذلك الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يحرص على تقديم نفسه بصفته مسلما محافظا يقود دولة علمانية، إلا أن تخوفات العلمانيين تزداد يوما بعد يوم من تنامي تلك النشاطات والفعاليات التي ستفضي في نهاية المطاف إلى تفكيك علمانية الدولة، وصبغها بالصبغة الدينية الإسلامية بحسب أولئك المتخوفين. 

 



ووفقا للكاتبة والصحفية التركية، ايسليم جانبكلي فإن "حزب العدالة والتنمية منذ بداية استلامه للحكم وهو يحاول إعادة هوية تركيا الإسلامية رويدا رويدا، لكنه كان دوما يصطدم بحائط العلمانية، إلا أن أردوغان استطاع تفكيك هذه الحوائط، واستصدر قوانين إدخال الحجاب في مؤسسات الدولة كأول إنجاز منذ ستينيات القرن الماضي".

وأضافت: "لقد نجح أردوغان في منح الحرية الكاملة للإسلاميين، وهو يحرص على غرس المفاهيم الدينية في نفوس الأطفال منذ الصغر، ومن المرجح أن تركيا لو استمرت على هذا المنوال، فإن العلمانية ستضعف في تركيا، وربما تندثر وتتلاشى، وربما تعود للشريعة كما قال المؤرخ قدير مصر أوغلو قبل وفاته "إن تركيا ستتحول رويدا رويدا للحكم بشرع الله، وستذكرون ما أقول لكم".


ورأت جانبكلي أن "أردوغان يعمل وفق رؤية مسبقة تسعى لإعادة الهوية الإسلامية لتركيا، وتفكيك علمانية الدولة بالقانون وبالنهج السياسي الإصلاحي، لكنه يغطي على توجهاته تلك بالإنجازات الاقتصادية التي وفرت له الدعم الشعبي الواسع، وفي الوقت نفسه أسكتت القوى العلمانية المختلفة". 

وردا على سؤال "عربي21" حول ما يقال من أن حزب العدالة والتنمية لم يقدم نفسه بصفته حزبا إسلاميا، وأردوغان كان واضحا في التعريف بنفسه بأنه مسلم يقود دولة علمانية، قالت جانبلكي: "لو قدم نفسه على أنه حزب إسلامي لما استمر أكثر من عام كما فعل أستاذه أربكان، وعندما قدم نفسه كحزب علماني إنما فعل ذلك ليضمن انضمام الأصوات إليه من خارج المحافظين الأتراك، فتجد العلماني واليساري والمحافظ ينتمون إلى الحزب". 

واستذكرت جانبلكي تجربة رئيس الوزراء الأسبق، عدنان مندريس الذي كان يقول للعلمانيين إنه علماني مثلهم، لكنه يقوم بأعمال مغايرة على الأرض، إلا أنه استعجل بالكشف عن أهدافه الحقيقية، ما دفع الجيش للانقلاب عليه، والقيام بإعدامه بحجة أنه خطير على علمانية الدولة، ولو فعل أردوغان ذلك منذ استلامه للحكم، لما تمكن من مواصلة الحكم، والوصول إلى المرحلة الحالية.
 
من جهتها رأت الكاتبة والصحفية الأردنية في وكالة الأناضول، إحسان الفقيه أن "مخاوف العلمانيين من تهديد الإسلاميين لعلمانية الدولة موجودة بلا شك، وهي ليست وليدة اليوم، فالتنافس القوي بين العلمنة والأسلمة ـ إن جاز التعبير ـ قائمة منذ قيام الجمهورية التركية بعد سقوط الخلافة العثمانية". 

وتابعت: "لكن أردوغان رغم جذوره الإسلامية إلا أنه يقرأ الواقع التركي جيدا، فهو قد حرّر التدين لكنه لم يقيد العلمانية، بمعنى أنه يتعامل بمظلة ديمقراطية تسع الجميع، ويترك التفاعل بين الاتجاهين يأخذ مجراه، إلى أن تتم صبغة المجتمع بشكل تلقائي بإحدى الصبغتين".

 



وأردفت في تصريحاتها لـ"عربي21": "وثمة بُعد حضاري نهضوي في إعادة أردوغان (عثمنة) تركيا، وعودة الشعب إلى ماضيه العريق، لا يكمن في كون الدولة العثمانية دولة إسلامية فحسب، لكنه كما قرر علماء الاجتماع أن أي نهضة لا بد لها من فكرة مركزية تتثمل في الهوية الثقافية الجامعة للشعب يستمد منها الحافز للإنجاز باعتبارها قوة معنوية دافعة".

وفي الإطار ذاته استبعد أستاذ العلوم السياسية في الجامعات اليمنية سابقا، المقيم حاليا في إسطنبول، عبد الباقي شمسان أن "تشكل النشاطات الدينية في تركيا تهديدا لعلمانية الدولة، لأنها تعبر عن هوية شريحة كبيرة من المجتمع التركي الإسلامية، كما أن العلمانية التي ارتضاها أردوغان لا تمثل قطيعة مع الدين، وهي تحمي حرية ممارسة الشعائر الدينية وفق القوانين، ولا يمكن للشعب التركي أن يقطع صلته بتراثه الديني والقومي". 

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "أرى أنه من المبالغة القول بأن إحياء التراث الديني أو العودة له في تركيا سيؤدي إلى القطع مع العلمانية، وما أتوقعه أنه سيتم المحافظة على مكتسبات الدولة الحديثة بعد تجربة حكم حزب العدالة والتنمية، وفي الوقت نفسه المحافظة على التراث الديني، الذي يمثل إرثا تاريخيا وقوميا يعتز به الأتراك كثيرا".

 

 


ولفت شمسان إلى أن "أردوغان يسعى إلى استعادة مكانة تركيا كإمبراطورية لكن بصفتها دولة حديثة، وبتاريخها الإمبراطوري، وذات مكانة دولية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا باستدعاء ذلك التراث والتصالح معه، والاستفادة من تلك العلاقات التاريخية مع مختلف الدول والأطراف، وهو ما يمكنه من الدخول في علاقات دولية قوية مع سائر الأطراف في اللحظة الراهنة".
 
وتابع: "إن استحضار أردوغان لذلك التراث، وللإرث التاريخي العثماني، يعطي تركيا الحديثة قوة وحضورا وزخما في العلاقات الإقليمية والدولية، بما كانت تمثله الإمبراطورية العثمانية من امتداد واسع في كثير من الدول الأوروبية والعربية، ما يمكنه من تقديم صورة قوية ومتوازنة لتركيا الحديثة، تعتز بماضيها وتراثها، ولا تقطع معه ولا تتنكر له، بل توظف ذلك كله لاكتساب مزيد من الحضور والفاعلية في المشهد السياسي الإقليمي والدولي".
 
بدوره قال الناشط السياسي التركي، محمد أردوغان: إن "القوى والأحزاب العلمانية في تركيا، وبالأخص حزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعوب الديمقراطي، ترى أن حفظ القرآن الكريم، وانتشار المبادئ الإسلامية في الجيل الجديد الذي يرعاه أردوغان يشكل خطرا على مستقبل تركيا، وهو ما نلاحظه في أعمالهم، فهم يستهزئون بالفكر الإسلامي وبالمسلمين".
 
وأشار لـ"عربي21" إلى ما قام به مؤخرا "بعض القراصنة من تهكير أجهزة بث الآذان في أزمير، وبث الموسيقى من مآذن الجوامع هناك، كنوع من الاستهزاء، وهم يسعون بذلك إلى إضعاف الرأي العام الديني والتأثير عليه".

 


 
وذكر ما تقوم قوى وجهات مختلفة، منها دول عربية من مهاجمة أردوغان ووصفه بأنه يدعم ويمول تنظيمات إرهابية، وما ذاك إلا للتشويش على أردوغان، وتشويه صورته في الداخل التركي، وحمل الشعب التركي المؤيد لأردوغان وحزبه على الانفضاض من حوله، وعدم تأييده، والانقلاب على سياساته وتجربته".
 
وأكدّ الناشط السياسي التركي أن "تلك القوى العلمانية الداخلية، والقوى المتصهينة الخارجية تتخوف من تركيا الجديدة، مع أن أي مقارنة بين تركيا ما قبل حكم حزب العدالة والتنمية وما بعده تُظهر الفروق الكبيرة بين الحالتين، وتفصح عن الوجه الجديد لتركيا المعتزة بتراثها الديني وإرثها التاريخي، والساعية إلى فرض مكانتها في العالم كدولة حديثة لها ثقلها وحضورها".
 
ولفت في ختام حديثه إلى أن "الرئيس أردوغان دائما ما يشدد على أن تركيا الحديثة لا صلة لها بالتطرف الديني، ولا تدعم التنظيمات الإرهابية، بل هي دولة ديمقراطية محافظة، تحترم تراثها وإرثها، وتقدم الرعاية لكل أبناء شعبها بصرف النظر عن أيدولوجياتهم وتوجهاتهم الفكرية، وهي تحترم الحريات، وتقف على مسافة واحدة من جميع مكوناتها، فالدولة لهم جميعهم، والحكومة خادمة وراعية لأبناء شعبها".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا