آخر الأخبار

المكانة الإقليمية لتركيا حتى عام 2020: دراسة مستقبلية (1من2)

أحمد القاسمي الثلاثاء، 02 يونيو 2020 11:31 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "المكانة الإقليمية لتركيا حتى عام 2020: دراسة مستقبلية"
المؤلف: بكر محمد رشيد البدور
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات- الدار العربية للعلوم ناشرون 2016

1 ـ المستقبليات حاجتنا الملحة 

لنشبّه البلدان العربية بعربة رباعيّة الدفع. لن تكون الصورة مُبِينَةً، بمعايير البلاغة العربية التي تقتضي القرب بين المشبه والمشبه به، ما لم تكن هذه العربة تائهة في الصحراء العربية المترامية ولا علامة في الأفق يمكن أن تساعدها لتعرف أين ستكون وجهتها. وما العلامة في سياقنا غير معرفة ما يخفيه المستقبل لنا ولمحيطنا الإقليمي؟
 
لا يتعلق الأمر عند الحديث عن مستقبل الأمم بـ"شوافة" أو بـ"قارئة فنجان"، وإنما بعلم المستقبليات الذي يبني تقديراته على الدراسة العميقة للتاريخ والمعرفة الدقيقة بقانون تطور المجتمعات ونمو الاقتصاد وأشكال الممارسات السياسية والاطلاع الواسع عن الراهن، لذلك يتم على أساسه وضع المخططات.

و"المكانة الإقليمية لتركيا حتى عام 2020" للباحث بكر محمد رشيد البدور أثر يعلن انخراطه ضمن هذا الاتجاه بإضافة التفريع (دراسة مستقبلية). فيسلط الضوء على دولة من أهم الفاعلين في المحيط العربي، باحثا في المكانة الإقليمية التي يمكن أن تحتلها تركيا متسائلا حول أهم العوامل الفاعلة في تشكيلها على الصعيد البشري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي مستندا إلى منهج شمولي يدرس الاتجاهات الفرعية ويعمل على معرفة مدى تأثيرها في تكوين الاتجاهات الكبرى. 

ولنعلن منذ البداية، ونحن نعود إلى صورة العربة التائهة في الصحراء أنّ هذا الأثر مغامر جدا، فالطريق مفخخ والرمال متحركة والعواصف المدمرة يمكن أن تعلن غضبها في كل حين. فاستشراف المستقبل يظل رهينة للسياسة ونزواتها والمدة التي يستشرفها الأثر قريبة جدا، فها قد أدركناها بعد وهذا ما يتيح للقارئ المقارنة بين الصورة المتوقعة والصورة المتحققة وتقييم العمل بالنتيجة من معيار الخطإ والصواب.

يفرع بكر محمد رشيد البدور أثره إلى مبحثين كبيرين هما "دراسة البنية الداخلية لتركيا"، فيبحث في مختلف وجوه الموضوع المطروق ماضيا وحاضرا فنجعله مدار مقالتنا الأولى و"المكانة الإقليمية لتركيا، المؤشرات والاتجاهات" فيرسم صورة تركيا المستقبل ونجعله موضوع مقالتنا الثانية.

2 ـ عالم السياسة: تركيا الكمالية تخلي مقعدها لتركيا أردوغان 
 
يصور الأثر تركيا، بداية القرن الماضي، مترددة بين ثلاث اتجاهات أولها الاتجاه الديني الذي يدعو إلى استمرارية الخلافة. ويتطلّع إلى انضواء جميع الشعوب الإسلامية تحت رايتها ويجعل مشروع الجامعة الإسلامية الذي بعثه السلطان عبد الحميد الثاني أهم معالمه، وثانيها الاتجاه القومي الطوراني الحالم بدولة تجمع الشعوب التركية حتى آسيا الوسطى وثالثها اتجاه قومي مضيق، علماني يقطع مع الإرث العثماني ومع الأسس الدينية للدولة ويقتصر في بناء تركيا على دولة الأناضول. ومثّله مصطفى كمال باشا أتاتورك. وهو الاتجاه الذي انتصر في النهاية. فأفضى إلى قيام النظام الجمهوري الحالي الذي ينفتح على الحداثة الأوروبية ويطمح إلى بناء قوة صناعية والذي تأسست الأحزاب على أساسه.
 
ولكن ليس المشهد، في تفاصيله، بمثل ما يوحي به هذا العرض السريع من التناغم. فالقلق في الهوية ظلّ ينغّص عليه انسجامه ببروز نزعات قومية لدى الأقليات.. فقد صيغ النظام السياسي من قبل الكماليين. وكان مزيجا بين مؤثرات الفكر اليساري وروافد قومية فرضت اللغة التركية على بقية الأقليات وتصورات ليبرالية رسّخت انتخاب المجلس الوطني الكبير. ونقلت البلاد من مرحلة الحزب الواحد إلى التعددية (1946). 

 

منذ مطلع هذا القرن حدّت السلطات من تدخل الدولة المباشر ومنحت القطاع الخاص دورا أكبر. فدعمت قدرته التنافسية مسجلة تحسنا في الحالة الاقتصادية، محققة لزيادة في فرص العمل ولتحسن في التنمية الإقليمية ولارتفاع في الجودة والفعالية في الخدمات الاجتماعية.

 


وزادت من احتدام المشهد السياسي المواجهة بين العلمانية والتدين بعد بروز الإسلام السياسي. فقد فرض الدستور علمانية الدولة وجندت الممارسة مختلف مؤسسات الدولة لحمايتها كالمؤسسة العسكرية والمؤسسات الإعلامية والمؤسسة القضائية. ثم تأسس حزب العدالة والتنمية على أنقاض حزب الفضيلة سنة 2000 فقفز إلى واجهة المشهد وإلى سدة الحكم، بعد أن حصل سنة 2002 على 34.4% وشكل الحكومة 2007 ثم تحصل على 46.6% ثم سنة 2011 تحصل على 49.8%. فبادر بإصلاحات دستورية أحدثت تحولا كبيرا في المشهد السياسي. فانتقلت تركيا في العشرية الثانية من هذا القرن إلى النظام الرئاسي الذي ضمن الحكم لأوردوغان حتى الآن وأتاح له تطبيق برامجه، بدل النظام البرلماني الذي حرم البلاد من الاستقرار السياسي. وحدّ من الهيمنة العسكرية على النظام السياسي. ولكن تزامن ذلك مع تراجع المعارضة وتدني الحريات فيما ظلت مشكلة الأقليات قائمة رغم المجهودات المبذولة لحلّها.

ولئن رصد الباحث تراجعا في مؤشر حرية الصحافة 2005 ـ 2011 من 25 إلى 31.25 إلى 59.25 وتقهقرا في الترتيب العالمي من 98 إلى 101 إلى 138 إلى 142 وتراجعا مستمر في الحريات، فإنه بدا أقرب إلى تفسير الحكومة التي تعزي ذلك إلى أن العقوبات التي يتعرض لها الإعلاميون على علاقة بجرائم ذات الطبيعة الجنائية. ولكنها توصل بمهنة الصحافة للإفلات من العقاب أو لكسب التعاطف.

3 ـ الخصائص الديمغرافية: مجتمع دينامي متحرّك 

تمتلك تركيا عديد المؤشرات الواعدة على المستوى الديمغرافي. فالاسرة التركية عامة مستقرة في ظل قانون منع تعدد الزوجات ونسبة الطلاق منخفضة. ويتجه التركيب العمري للسكان إلى الانحدار باستمرار. فقد انخفض معدل الولادات من 4.2 طفل للمرأة في الثمانينات إلى 2.1  2009. وهذا ما يمثل أرضية ملائمة للتطور. 

أما على مستوى التمدرس فقد قفزت نسبة التمدرس من 10 في المائة 1923 إلى نحو 92.5% في 2010 وتضاعف عدد المؤلفات 4 مرات بين 2000 و2009. وتضاعفت الورقات البحثية في العلوم التطبيقية والهندسة الزراعية خاصة وارتفع عدد الأساتذة في الجامعات التي تحسّن ترتيبها على المستوى الدولي بعد تنامي البحث العلمي وارتفعت نسبة النساء الجامعيات. 

وهذه كلها من المعطيات التي تدعم وعي المجتمع وعقلانيته ومشاركته الفاعلة في البناء والتنمية. ولكن لا يعدم الدارس أرقاما أخرى لا تزال تمثل مصدر إزعاج للسلطات. فالتركيبة العرقية لتركيا معقدة. ولئن أمكن للبلاد أن تحافظ على وحدتها فإن التحديات تظل دائما قائمة فتفرض على الحكومات التعاطي الحكيم مع المسألة. ومن ضمن هذه الإجراءات سمح لها تعديل الدستور تمكين الأقليات من استخدام لغاتها القومية. ورغم أرقام نسبة الخصوبة مثالية، فإنها لم تفتأ تنحدر في بعض المناطق، بنسق سريع، بحيث انخفضت إلى 1.8 وتتوقع السلطات أن تصل إلى 1.5 في 2038 وهذا المعطى أضحى يهدد مستقبل تركيا حسب أوردوغان. 

 

تمتلك تركيا عديد المؤشرات الواعدة على المستوى الديمغرافي. فالاسرة التركية عامة مستقرة في ظل قانون منع تعدد الزوجات ونسبة الطلاق منخفضة. ويتجه التركيب العمري للسكان إلى الانحدار باستمرار. فقد انخفض معدل الولادات من 4.2 طفل للمرأة في الثمانينات إلى 2.1 2009. وهذا ما يمثل أرضية ملائمة للتطور.

 



ومقابل الاستقرار الأسري يعاني المجتمع التركي من عدم الاستقرار الاجتماعي. فيمثل النزوح  من الريف إلى المدينة معضلة جعلت أحياء الصفيح  تنشأ على هامش المدن ونسبة سكان المدن تقفز من 43% (1985) إلى 70% (2012). ويُقسم المجتمع التركي عامة إلى الطبقة العليا التي تضم القوى العسكرية والقوى الاقتصادية والتجارية وملاك الأراضي وشيوخ القبائل والطبقة الوسطى التي تضم كبار المزارعين وكبار الموظفين والطبقة السفلى التي تقع دون خط الفقر. 

والمعضلة هنا أن نسبة السكان تحت خط الفقر مرتفعة وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، والتفاوت بين المحافظات بيّن. فنسبة البطالة مثلا تتراوح بين من 9.9% و11% ـ ترتفع إلى 15% و17% في المناطق الشرقية الجنوبية التي تعاني من تردي أوضاعها الاقتصادية ومعدلات نموها المنخفضة ومن تدني نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، وهي مناطق ذات التركيبة العرقية والدينية المعقدة. 

ومما يزيد من الإزعاج أنّ هذه الورقة تعتمد من قبل الفاعلين الدوليين للضغط على الدولة التركية كاعتماد فرنسا لورقة الأرمن لتبرير رفض انضمامها للاتحاد الأوروبي. 

4 ـ الفضاء الحيوي الاقتصادي:
 
كثيرا ما اتجهت الدولة التركية الحديثة في نشاطها الاقتصادي والتجاري نحو أوروبا. ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي والموقف الأوروبي من انضمام تركيا لاتحاده وانحيازه لليونان في ما بين الدولتين من النزاع وجّه البوصلة التركية من جديد نحو الشرق الذي دفع كمال أتاتورك إلى الانفصال عنه والقطع معه. ومن مظاهره توسيع إطار منظمة التعاون الاقتصادي (ECO) في المحيط الآسيوي بعد الحرب الباردة والانضمام إلى مجموعة الدول النامية والتقارب مع القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا وإفريقيا.

لقد اتبعت تركيا حتى السبعينات سياسة اقتصادية حمائية لصالح الشركات الوطنية فكانت تفرض القيود على الواردات. ولكن الصادرات كانت تتراجع بفعل البيروقراطية وانتشار الفساد وصعوبة تأمين المواد الأولية وقلة فاعلية القطاع العام. وهذا ما أفضى إلى صعوبات اقتصادية عنوانها عجز في الميزان التجاري وتضخم في المديونية وانخفاض في العملة الصعبة. ثم اعتمدت حكومة رئيس الوزراء سليمان ديمتريل 1980 إصلاحات بعيدة المدى. فشجعت التصدير وتخلصت من النموذج الاقتصادي السابق واتجهت نحو سياسة ليبرالية صريحة. فخفضت من قيمة الليرة وتخلصت من دعم الدولة للقطاعات وحررت الأسعار، مما ساعد على انحسار الأزمة الاقتصادية وتحسبن ميزان الدفوعات. 

 

كثيرا ما اتجهت الدولة التركية الحديثة في نشاطها الاقتصادي والتجاري نحو أوروبا. ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي والموقف الأوروبي من انضمام تركيا لاتحاده وانحيازه لليونان في ما بين الدولتين من النزاع وجّه البوصلة التركية من جديد نحو الشرق

 



ومنذ مطلع هذا القرن حدّت السلطات من تدخل الدولة المباشر ومنحت القطاع الخاص دورا أكبر. فدعمت قدرته التنافسية مسجلة تحسنا في الحالة الاقتصادية، محققة لزيادة في فرص العمل ولتحسن في التنمية الإقليمية ولارتفاع في الجودة والفعالية في الخدمات الاجتماعية.

ويؤشر معدل النمو الاقتصادي على الحالة الاقتصادية للدول. فعلى أساسه تتم المقارنة بينها. وجميعها يؤكد، وفق الباحث، التحول النوعي في الاقتصاد التركي. فإسهام الزراعة ارتفع في العشرية الأولى من هذا القرن من 8.3% إلى 10.1% من الناتج المحلي الإجمالي رغم اتجاه الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة وقطاع الخدمات. 

وأضحت الصناعة تشكل 25.6% من الناتج الإجمالي و24.7% من الطاقة التشغيلية و95% من الصادرات وارتفعت حصة القطاع الخاص إلى 80% وارتفع عدد المصانع من 3000 مصنع سنة 2000 إلى نحو 30000 سنة 2010. وقفز معدل النمو في الإنتاج الصناعي، حسب معهد الإحصاء التركي، من 5,8 عام 2006 إلى 14,9 سنة 2011. 

وبعد أن كانت من أقل المستفيدين من الاستثمارات الأجنبية حتى عام 2000 لصعوبات يجدها المستثمرون ولارتفاع نسب التضخم أصبحت تركيا المستقرة سياسيا وذات الحكم المدني والخدمات الجيدة تستقطب المستثمرين فبلغت عائداته، سنة 2007 على سبيل المثال 22 مليار دولار. ووصلت قيمة التصدير إلى 11.7 مليار دولار سنة 2011 بنسبة نمو بلغت 22.81% مقارنة بالشهر نفسه من السنة 2010 وهي أعلى نسبة نمو في تاريخ الدولة التركية. 

ولكن ارتفعت الواردات بالموازاة مع ذلك نظرا لحاجة الصناعات التحويلية إلى المواد المستوردة والحاجة المتزايدة إلى النفط وارتفاع أسعاره في السوق الدولية. فظل الميزان التجاري يعاني من العجز وهي مشكلته المزمنة. وانخفض معدل التضخم سنة 2010 ليصل إلى 6.4% مع أن النسبة عامة في تركيا مرتفعة كثيرا منذ الثمانينات لارتفاع العجز التجاري والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والنفقات العسكرية الباهضة.

وعامة تشير الأرقام المختلفة إلى تحسن في مستوى المعيشة. فمعدل دخل الفرد سنويا بلغ أكثر من 10000 دولار سنويا عام 2010. وتضاعف ثلاث مرات منذ 2002. والموازنة العامة حققت فائضا ماليا يقدر بحوالي 700 مليون دولار سنة 2011 مقابل عجز بـ 3 مليار دولار سنة 2010. وهي المرة الأولى التي تحقق فيها فائضا منذ 28 سنة واعتبرت السلطة الحاكمة ذلك مؤشرا على قوة الاقتصاد التركي. وتراجع صافي الدين من 28.8 سنة 2010 إلى 27.9 سنة 2011. 

وبمقارنة تركيا مع محيطها (2011 ـ 2013) واعتمادا على الجداول الإحصائية ينتهي الباحث إلى رصد زيادة في مؤشر التنمية البشرية في تركيا مقابل تراجعها في الدول المجاورة كمصر وإيران وفي تحسن الرفاه الاجتماعي مقارنة بمحيطها الإقليمي.

إن ارتفاع معدلات النمو في تركيا منذ مطلع القرن وارتفاع الناتج الإجمالي المحلي بأكثر من الضعف وزيادة حصة الفرد من الناتج الإجمالي وزيادة قيمة الصادرات كانت بالنسبة إلى الباحث مؤشرات تؤكد أن تركيا تتمتع بدرجة معقولة من الحرية الاقتصادية على المستوى العالمي. وقد ساعدها في ذلك عملها على الالتزام بالمعايير الأوروبية لتحرير التجارة. وتمثل هذا المعطيات قاعدة بيانات سيستند إليها لتحديد مكانة تركيا الإقليمية في أفق 2020. 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا