آخر الأخبار

اليسار التونسي.. من بلشفة الطبقة إلى بلشفة الأحزاب (1من2)

تونس ـ عربي21 ـ الحسين بن عمر الثلاثاء، 09 يونيو 2020 12:40 م بتوقيت غرينتش

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه. 

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السفييتي مع الثورة البولشيفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها...

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

"عربي21" تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية.. 

اليوم يقدم الصحفي والإعلامي التونسي الحسين بن عمر عرضا مفصلا خاصا بـ "عربي21" عن تاريخ نشأة اليسار في تونس وتجربته مع التنظم ننشرها في جزأين:

تجربة بنيت على التشظي والانقسام

رغم زخم التجربة النضالية التي راكمها اليسار التونسي، والتي تربو عن قرن كامل مليء بالأحداث والديناميكية السياسية المُتجدّدة، فإنّ غلبة ما أسماها مولدي قسّومي، في ورقته البحثيّة "خارطة اليسار التونسي"، بـ"الطّفوليّة السياسيّة على المستوى السياسي التنظيمي" لهذه المدرسة الفكريّة والسّياسيّة، أوقعتها في حالة من التشرذم والصراعات الإيديولوجية منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي تحوّلت في كثير من الحالات إلى "صراعات زعامتيّة".

صراعات حالت دون تحقّق فكرة توحيد اليسار، التي ظلّت دائمة الارتباط بما أسماه بيرم ناجي، في نصّ بعنوان "من أجل حزب اشتراكي مُوحّد وجديد في تونس: مشروع للنقاش حول وحدة اليسار"، بمفهوم "الهيمنة الفكرية والسياسية والتنظيمية" لتوجُّه ما على التيارات الأخرى، على قاعدة "النضال ضدّ الانتهازية" و"بلشفة الأحزاب"، وهو ما جعل اليسار الاشتراكي في تونس يهوي في أتون الصراع حول ملامح المجتمع الشيوعي ما بعد الاشتراكيّة، عوض البحث عن قواسم فعل مشتركة داخل بيئة مجتمعيّة وثقافيّة معادية للأطروحة الماركسية اللينينيّة التي يطرحها اليسار الماركسي، والتي عجز بعدُ عن تبيئتها في الفضاء العربي الإسلامي، ممّا جعل منه تنظيمات وأحزاب نخبوية محدودة الانتشار، على نضاليّتها وسموّ الشعارات المنتصرة للمُفقّرين وضعاف الحال، التي ترفعها، بحسب ما أبانته الانتخابات الديمقراطية اللاحقة لـ 14 كانون ثاني (يناير) 2011، الانتخابات البرلمانية والرئاسية لسنة 2019 على وجه الخصوص. بل إنّه لم يعد يمثّل فعليا الفئات والطّبقات والشرائح التي تمثل العنصر الأساسي في برنامجه النّضالي.
  
وبقدر ما عكست حالة التشرذم هذه، في وجه من الوجوه، حراكا فكريا داخليا، ساهم بروز التيار الإسلامي داخل الجامعة وخارجها منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي في إذكاء شعلته، أنتج أدبيات و"كرّاسات"  فكريّة، كان لها الفضل الكبير في إثراء الساحتين السياسية والطّلابيّة طيلة العقود الخمسة الأخيرة، فإنّها كانت وليدة عاملين رئيسيين: العامل الأوّل خارجي ويتعلق بجملة التحولات التي عرفها اليسار الماوي والتروتسكي منذ ستينيات القرن الماضي، فضلا عن انكسار المعسكر الشرقي بعد سقوط جدار برلين سنة 1989. أمّا العامل الثاني فمرجعه طبيعة علاقة اليسار بالسلطة الحاكمة، إذ بقدر ما كان اليسار الشبابي سبّاقا في معارضة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وزعزعة حكمه طيلة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فإن نفس هذا اليسار هو من كان "المهرول للانخراط في منظومة السابع من تشرين ثاني / نوفمبر"، وفق تعبير مولدي قسومي، ثمّ كان اليسار هو البوّابة التي عادت من خلالها المنظومة القديمة، ممثلة في حركة نداء تونس التي ترأسها الرّاحل الباجي قائد السبسي، لواجهة السلطة في انتخابات 2014. 

هذا التشرذم "الشرطي" الذي لازم مراحل توسّع اليسار التونسي وانتشاره منذ ستينيات القرن الماضي، دافع مهمّ للبحث في خارطة التنظيمات اليسارية في تونس، منذ تاريخ نشأتها نهاية عشرينيات القرن الماضي وصولا إلى واقعها الحالي الذي لا يقّل تشرذما عن سابقيه. كما يبحث التقرير في ملابسات نشأة الحزب الشيوعي التونسي وإقرار مبدأ تونسته الكلية في الأشهر الأولى للاستقلال، بعد أن تمّ تونسة الاسم في آذار (مارس) 1943.

إطار مفهومي لليسار

يرى مولدي قسّومي، في دراسة بعنوان: "خارطة اليسار التونسي"، أنّه جرت العادة على أن يطلق تعبير اليسار على اليسار الماركسي بتنوّعاته المختلفة. لذلك ينبغي أن نميّز في تونس بين اليسار الذي يمثل مساحة شاسعة جامعة لعدد كبير من الأحزاب والتيارات السياسية وبين التيار الماركسي الذي يمثل إحدى مكونات اليسار.
 
ويعرّف المنجي الخضراوي اليساريين بأنّهم:" تقدميون يؤمنون أنّ حركة المجتمع وحركة التاريخ تسير وفقا لقوانين الطبيعة ووفقا لقواعد التطوّر، ولا يؤمنون بوجود قوى غير مادية وغير طبيعية تقف وراء تلك الحركة". 

ويضيف الخضراوي بالقول: إنّ اليساريين منتشرون سياسيا في جلّ الفضاءات الحزبية والجمعياتية وفي النقابات وخارج الأطر، "منهم حتى من يقول إنه ليبرالي ولكنه يدافع عن قيم اليساريين وهو أكثر يسارية من أولئك الذين يتزعّمون أحزابا وهم مجرّد بقايا الإقطاع المقبور".

في ذات الإطار، يرى الخضراوي أنّ اليسار، وبقطع النظر عن أصل الكلمة وظهوره التاريخي في أوروبا في سياقات العقد الاجتماعي وانحيازه للعمال ضدّ مالكي وسائل الإنتاج، فهو باختصار الانحياز الأيديولوجي والسياسي والقيمي للفكر الشيوعي والاشتراكي عبر التاريخ. 

 

إنّ اليساريين منتشرون سياسيا في جلّ الفضاءات الحزبية والجمعياتية وفي النقابات وخارج الأطر، "منهم حتى من يقول إنه ليبرالي ولكنه يدافع عن قيم اليساريين وهو أكثر يسارية من أولئك الذين يتزعّمون أحزابا وهم مجرّد بقايا الإقطاع المقبور

 



وتناسقا مع التدقيق الذي يطرحه مولدي قسّومي فيما يتعلّق بمفهوم اليسار، يعتبر الدكتور زهيّر اسماعيل، باحث في مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، أنّه "في الفكر الحديث وما ارتبط به من مفاهيم الدولة والأمّة والحداثة والليبراليّة والديمقراطية...تصنّف الأحزاب ذات المرجعيّة الدينيّة (الأحزاب الديمقراطيّة المسيحيّة) يمينا، وتصنّف الأحزاب القوميّة في أقصى اليمين". 

ويضيف إسماعيل: إنّ "الحركة القوميّة ورغم كونها نشأت في أمة مضطهدة، إلاّ أنّها لم تتحوّل إلى حركة تحرّر عربي، بل إنّها أصبحت عن طريق الانقلابات العسكرية أنظمة كليانية فاشية تضطهد كل نفس تحرري، ولم يغيّر من هذه الطبيعة اليمينية شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية". هذا التدقيق المفهومي يجعلنا نحصر دراستنا لمورفولوجيا اليسار في تونس على الحركات اليسارية ذات المرجعيّة الماركسيّة اللينينيّة، رغم أننا سنأتي على دور العناصر البعثية والناصريّة في نشأة "تجمّع الدّراسات والعمل الاشتراكي في تونس" (حركة آفاق) أواخر ستينيات القرن الماضي.

الجذور الأولى لليسار والموقف من المستعمرات

لئن أرجع المولدي قسّومي الجذور الأولى لليسار التونسي إلى بداية عشرينيات القرن الماضي، فترة صعود جيل من اليساريين، الذين تأثروا بانتصار الثورة الروسية والأممية الثالثة سنة 1917 والذين نجحوا في عقد مؤتمرهم الأوّل ونسبوه إلى الفرع الفرنسي للاُممية الشيوعيّة، فإنّ حبيب القزدغلي، يرى في كتابه: "تطوّر الحركة الشيوعيّة بتونس: 1919 ـ 1943" أنّ "النّواة الشيوعيّة التي ظهرت في أواخر 1920 هي امتداد للتيارات الاشتراكيّة التي نشطت في تونس قبل الحرب الأولى خاصّة في صلب الجامعة الاشتراكيّة التي وقع بعثها سنة 1908، ثمّ انضمّت لفرع الأمميّة العمّالية الفرنسي (S.F.I.O) سنة 1912". 

ويقول القزدغلي أنّ عضوين من الجامعة الاشتراكيّة بتونس، بوصفها الفرع التونسي للأممية الشيوعية، قد حضرا في أواخر شهر شباط (فبراير) 1920 مؤتمر الحزب الاشتراكي الفرنسي المنعقد بمدينة سترازبورغ الفرنسية.

 

الحركة القوميّة ورغم كونها نشأت في أمة مضطهدة، إلاّ أنّها لم تتحوّل إلى حركة تحرّر عربي، بل إنّها أصبحت عن طريق الانقلابات العسكرية أنظمة كليانية فاشية تضطهد كل نفس تحرري،

 



ويذكر القزدغلي أنّه "نظرا لأنّ موقف الأمميّة في مؤتمرها الأوّل (آذار / مارس 1919) من قضيّة المستعمرات لم يكن مبلورا بوضوح خاصّة وأنّه ربط "تحرّر المستعمرات بانتصار الثورة العمّاليّة في أوروباّ"، فإنّ النقاشات التي ستدور بين مناضلي الجامعة إثر تأسيس الأمميّة لن يكون محورها في الفترة (1919 ـ 1921) متعلّقا بموقف هذه الأخيرة من المستعمرات وطرق تحررها وأنّ النقاش سوف ينحصر حول البرلمانيّة ومسألة الانخراط العضوي في الأممية الثالثة أو التحالف معها، وكذلك تقييم ثورة تشرين أول (أكتوبر) وأبعادها" .

ويؤكّد توفيق المديني، في كتابه: "تاريخ المعارضة التونسيّة: من النّشأة إلى الثّورة ـ الأحزاب القوميّة واليساريّة والإسلاميّة"، أنّه "رغم أنّ الشيوعيين التونسيين الطامحين إلى بناء حزب بروليتاري يكون قادرا على قيادة الحركة الوطنية الديمقراطيّة التونسيّة، منخرطين كلّيا في النّضال الوطني، وشهد على ذلك مساندتهم للحزب الحر الدّستوري بداية العشرينيات، فإنّ تغيّر موقفهم من الحزب الحر القديم، أواخر العشرينيات، وجاهرتهم العداء لهم يعزى إلى الأمميّة الثالثة التي طرحت أنذاك شعار "طبقة ضدّ طبقة". 

ويذكر قسّومي أنّه فقط بحلول سنة 1938، تمّت القطيعة بين التنظيم الشيوعي التونسي والأممية الشيوعية. وليتمّ الإعلان عن تأسيس "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي" وانتحب علي جراد أوّل أمين عام له. في حين يقول توفيق المديني أنّ قرار "تونسة" الحزب، وجعله حزبا وطنيّا، منفصلا عن الحزب الشيوعي الفرنسي، قد تمّ في مؤتمر 21 ـ 22 أيار (مايو) 1939، لتتمّ تسمية الحزب بـ: "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي".

الحزب الشيوعي التونسي وتبعيّة قراره السياسي بين الحربين

يقول توفيق المديني: إنّه رغم قرار "تونسة" "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي" وانتخاب "علي جراد" أمينا عامّا له في مؤتمر 1939، فإنّ مواقفه بين الحربين ظلّت مرتبطة بالخط العام للحركة الشيوعيّة العالميّة. ذلك أنّه "مع صعود هتلر إلى قمّة هرم السّلطة السياسية في ألمانيا، واستلام الحركة النازية الحكم فيها بدءا من عام 1933، وانعقاد المؤتمر السابع للكومنترن (الأمميّة الشيوعيّة) عام 1935، وأمام انتهاج الاتحاد السوفياتي سياسة مهادنة للاستعمار الانجليزي والفرنسي، ورفع شعار"الفاشية هي الخطر الأكبر" أصبح الحزب الشيوعي التونسي يعتبر أنّ العدو الرّئيسي للشعب التونسي ليس الإمبريالية الفرنسيّة الليبراليّة بل الفاسيّة العالميّة. 

و"كان هذا الموقف يعني من الناحية السياسيّة العمليّة، مهادنة الحزب الشيوعي التونسي الاستعمار الفرنسي، والوقوف ضدّ استمرار الكفاح التحرري الذي يخوضه الشعب ضدّ سيطرته، وهذا ما جعل الحزب الشيوعي التونسي يرتكب خطأ كبيرا، حين اعتبر الحزب الدّستوري الجديد الذي كان على رأس الحركة الوطنيّة عميلا للفاشيّة، لأنّه لم يجمّد نضاله السياسي ضدّ فرنسا، كما كانت تريد ذلك الجبهة الشعبيّة الحاكمة في فرنسا، ومصلحة الاتحاد السوفييتي ".

 

رغم قرار "تونسة" "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي" وانتخاب "علي جراد" أمينا عامّا له في مؤتمر 1939، فإنّ مواقفه بين الحربين ظلّت مرتبطة بالخط العام للحركة الشيوعيّة العالميّة.

 



رغم محاولات "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي" الاستقلال بذاته، خاصّة بداية من سنة 1934، والتي تمثلت بالخصوص في بعث نقابات موحّدة واستغلال الإمكانيات المتوفرة في العمل النقابي وتنشيط منظمات، سوف تساهم في التّعريف بالأفكار الشّيوعية ونشرها، وهو ما أدّى إلى إبعاد عناصر شيوعيّة، صحبة عناصر قياديّة للحزب الدّستوري ـ الجديد إلى التراب العسكري بالجنوب التونسي، ورغم تضخّم الحركة في عدد أفرادها، فإنّه لم يلق الانتشار والشعبية المطلوبة، نظرا لأنّ الإقبال تمّ من طرف عناصر ذات انتماء ديني وحضاري متعدد، ممّا جعل الدّعاية الشيوعيّة لا تلق القبول إلا عند بعض العمّال الإيطاليين واليهود والفرنسيين، وهو ما ساهم في إبراز الحزب "كجسم غريب" في مجتمع تنتمي أغلبيته إلى تراث حضاري وثقافي واحد .

وقد كلّلت محاولات "الحزب الشيوعي بالقطر التونسي" الاستقلال بذاته بتغيير اسمه في مرحلة أولى في مارس 1943، ليصبح اسمه "الحزب الشيوعي التونسي"، وبإقرار مبدأ التونسة الكليّة للحزب في مرحلة ثانية، وذلك عبر تغيير القانون الأساسي للحزب خلال المؤتمر5 المنعقد سنة 1956، والذي نصّ على أن الانخراط في الحزب حقّ التونسيين دون سواهم من الجنسيات الأخرى.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا