آخر الأخبار

المسألة "الأمازيغية" في الجزائر.. لغة أم شماعة؟ (1من2)

الجزائر ـ عربي21 ـ حسان زهار السبت، 13 يونيو 2020 03:05 م بتوقيت غرينتش

عاد الجدل الفكري الاجتماعي الهوياتي المرتبط بالجدل الألسني واللغوي، ليفرض منطقه مجددا في مجمل دول المغرب العربي عموما، وفي الجزائر تحديدا، مع إقرار مسودة الدستور المقترحة للنقاش في الجزائر، دسترة ما يسمى باللغة "الأمازيغية" كلغة وطنية ورسمية إلى جانب اللغة العربية، وهو ما أثار ضجة كبرى ورفضا واسعين، على اعتبار أن هذه "الأمازيغية" علاوة على أن منظومة الحكم البوتفليقي غير الشرعية هي التي بادرت بدسترها في دستور 2002 ضمن صفقات سياسية للمحافظة على كرسي الحكم، واعتبارها لغة وطنية، ثم دسترتها في دستور 2016 واعتبارها لغة رسمية، ما زالت لم ترق إلى مصاف اللغة، والبحث بين اللهجات البربرية المتداولة محليا، لم يحقق لحد الآن هدفه في إيجاد لغة معيارية، يمكن الاتفاق عليها بين المكونات البربرية نفسها، علاوة على الجدل المركب حول الأحرف التي يجب أن تكتب بها هذه "اللغة المفترضة".

وتكمن أهمية القضية من كونها خرجت في الكثير من الأحيان، من إطارها الثقافي الألسني، إلى سياقات سيئة تحركها العصبيات العنصرية، واستفراد غلاة التفرقة بدفة الحوارات الساخنة، حتى طغى صوت التطرف الذي يدفع للإقصاء مرة، وإلى التنكر للانتماء الحضاري الطبيعي للأمة العربية الإسلامية.

كما تكمن أهمية القضية وخطورتها أيضا، في المناورات والمؤامرات التي تحاك للمنطقة بغرض تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ، التي التهبت في بلدان المشرق العربي، ويبدو أنها تتأهب للانتقال إلى مغربه، على ظهر هذه القضية بالذات، والتي اشتغل عليها الاستعمار الفرنسي الذي حكم المنطقة عقودا طويلة، لتكون أولا قميص عثمان لإعادة سيطرة الفرنسية من جديد عبر ضرب العربية بالأمازيغية، على الرغم من التاريخ الطويل المشترك بينهما، وتكون ثانيا بديلا مغريا عن الصراع المذهبي السني ـ الشيعي، ليكون صراعا عرقيا عربيا أمازيغيا، يحمل في ثناياه ما هو أخطر من النزعة الانفصالية (الكردية).

وهنا من المهم أن تعاد للقضية صبغتها الفنية وأن يترك المجال للباحثين وعلماء اللسانيات لكي يفصلوا في جدل كهذا، لكن بعيدا عن مخابر الاستعمار وأدواته (الأكاديمية)، فالعالم اليوم يعج بآلاف اللغات الشفهية ولا يمكن هنا اعتبار اللهجات البربرية في شمال إفريقيا إلا ضمن هذا المنتوج البشري المتنوع، وهي كلها لها اعتبارها واحترامها الكبيرين، لكن أن تكون "لغة أمازيغية"، بمواصفات لغة تمتلك الحروف والقواعد، فهذا يحتاج إلى بحث طويل، وإلى أن يجلس الفرقاء على طاولة العلم، للفصل في القضية . 

إشكاليات ما فوق "ألسنية"


المثير أن هذه "الحروب الألسنية" خاصة في الجزائر والمغرب، لم تكن في أي مرحلة منذ الفتح الإسلامي عبر قرون طويلة موجودة على الإطلاق، فقد اختارت كل الدول التي عاشت في المنطقة، وجلها تزعمها بربر، اللغة العربية لغة رسمية وحيدة، ولم يكن هنالك أي طرح حول "اللغة الثانية" أو "اللغة الأصلية" كما يتحدث البعض اليوم، وقد انطبق ذلك على دول "الحماديين" و"الزيريين" و"الموحدين" و"الحفصيين" و"الفاطميين" وعلى دولة "الأغالبة".. 

واستمر هذا الوضع الطبيعي ضمن أحادية اللغة المستمدة من قدسية القرآن الكريم، إلى غاية الثورات الشعبية ضد الاستعمار ودولة الأمير عبد القادر، وبعدها كل الحركة الوطنية من قبل حتى حدثت بفعل "التحريك الاستعماري" ما يسمى بالأزمة البربرية سنة 1949 داخل حزب الشعب، وظهور ما يسمى بحزب الشعب القبائلي، قبل أن يحسم بيان أول تشرين ثاني (نوفمبر) 1954 الذي كتبه قادة الثورة الجزائرية العظيمة هوية الجزائر العربية المسلمة، دون الإشارة لا إلى ثنائية عرقية ولا إلى ثنائية لغوية.

غير أن فرنسا التي فشلت في تحقيق أهدافها طوال 132 سنة من الاستعمار، اختارت بعد الاستقلال طريقة أخرى أكثر خبثا، فأنشأت الأكاديمية البربرية في باريس عام 1966، بهدف خلق ما يسمى بالأمازيغية وفق رؤية ثقافية حضارية فرنسية، وبمعزل كلية عن بيئتها الطبيعية التي انصهرت فيها لقرون اللهجات البربرية المحلية مع العربية التي تشكل جزء من بنيتها اللغوية، قبل أن تصنع لها فيما بعد راية خاصة، ومنظومة فكرية كاملة متمايزة، لكن ورغم كل الجهود والاستثمارات التي وضعت في هذا الإطار، ظلت الأسئلة الأكثر إحراجا تؤرق صانعي هذا التوجه، فاللغة المعيارية التي يراد خلقها عبر دمج مجموع اللهجات البربرية فيها، ما زالت بعيدة المنال، للاختلافات الكبيرة بين تلك اللهجات، وتباعد التنشئة الثقافية والدينية للناطقين بها، ونزوع البعض منهم لاختيار الحروف العربية، بينما تصر جهات أخرى على الحرف اللاتيني وأخرى على حروف "التيفيناغ".

 

يقر الدكتور أحمد بن نعمان وهو أيضا (قبائلي أمازيغي) أن ما يسمى (باللغة الامازيغية) لم توجد موحدة أصلا في الماضي (المكتوب أو غير المكتوب) ولن توجد موحدة في المستقبل على الإطلاق،

 



ثم كيف يمكن استيلاد لغة لا تمتلك نصوصا ولا تراثا ثقافيا وفكريا وعلميا مكتوبا بهذه اللغة، في الوقت الذي تندثر فيه لغات عريقة كاللاتينية والإغريقية القديمة رغم ما تمتلكه من ميراث وما استنبتته من حضارات، ويكفي هنا الإشارة إلى أن الجائزة التي أعلن عنها مؤخرا في الجزائر باسم جائزة رئيس الجمهورية للأدب الأمازيغي، اضطر القائمون عليها أن يعلنوا قبول النصوص المكتوبة باللغة الفرنسية، لقلة وشح نصوص اللغة التي أُنشئت من أجلها.

والشاهد أن غياب أدب أمازيغي مكتوب، يطرح اشكالية أعقد عن كيفية تعلم التلاميذ للعلوم والرياضيات وما إلى ذلك بها؟ إحياء العبرية الذي تم مؤخرا، لم يكن عبر جعلها لغة فولكلورية، إنما فجرت بها القنبلة النووية، وهذا ما لا توفر للأمازيغية بالنظر ألى أن جل المدافعين عنها سياسيا، لا يقبلون عليها في واقعهم العملي والعلمي، بل إنك ترى كتاباتهم جلها بالفرنسية كتعبير عن رفض العربية أكثر منها دفاعا عن الأمازيغية، وهو ما يلاحظ بوضوح في الجزائر والمغرب، التي رسمت بدورها الأمازيغية قبل سنوات، لكنها تجد اليوم نفسها في طريق مسدود إلا عبر طرح الفرنسية كبديل في التعليم عن العربية والأمازيغية أيضا، بوصفها لغة محايدة.

استحالة إيجاد اللغة المعيارية

يقر الدكتور أحمد بن نعمان وهو أيضا (قبائلي أمازيغي) أن ما يسمى (باللغة الامازيغية) لم توجد موحدة أصلا في الماضي (المكتوب أو غير المكتوب) ولن توجد موحدة في المستقبل على الإطلاق، وأن ماهو موجود حاليا كلغات في المنطقة المغاربية هي عشرات اللهجات المتشابهة ذات الأصل الواحد غير المحدد أو الموحد (مثل اللاتينية) لافتقاده لأثر مكتوب  ..

ويضيف الدكتور أحمد بن نعمان في حديث خاص لـ "عربي21"، أن هذه الشفاهيات كلها (المسماة أمازيغية) هي لغات أو لهجات (وهذا موضوع إصطلاحي ليس مجال تفصيله الآن) تعد بالعشرات  منها  على سبيل المثال (تاشلحيت، تاسوسيت، تاريفيت، تامازيغت، تامزابيت، تاشاويت، تاشنويت تاقبايليت، تاماشقت (وهي الوحيدة ذات الحروف في الهجار عندنا...).. ولهذا فمن الناحية العلمية والنظرية يمكن لكل واحدة منها أن تصبح لغة مستقلة بذاتها مثل اللغات الأوروبية المذكورة ولكنها لا يمكن أن تجتمع في لغة معيارية واحدة على الإطلاق لأسباب علمية وسياسية واجتماعية..

ويرى الدكتور بن نعمان أن التجربة المغربية منذ 10 سنوات تشهد على هذا الفشل في الميدان بعد الدسترة والترسيم وقد تخلي عنها الآن أو يكاد، وأن الجزائر ستعرف نفس المصير مثل المغرب تماما وسيتخلى عنها بعد تأدية مهمتها المحددة لها لصالح اللغة الفرنسية وحدها!!

 



إن هذه اللغة الافتراضية (المسماة أمازيغية) بحسب الدكتور أحمد بن نعمان إما أن تبقى شفاهية مثلما كانت منذ الأزل ولا ضير في ذلك أبدا، أو تستقل كل واحدة منها بدولتها (المستقلة) على رقعة الناطقين بها وترسيمها على غرار الصومالية والكردية والبرتغالية والباسكية والكاتالانية وغيرها، ولكنها لا توحد أبدا ولا يتفق الناطقون بها حتى على شكل الحروف التي تكتب بها هذه اللغة المستحدثة بكل افتعال  لصالح طرف ثالث، وبالتالي فإن عوامل الفناء المتخلق معها (في الرحم الفرنسي) هو الذي سيقرر مصيرها ويوقفها عند عتبة معينة من تطورها لصالح من اصطنعها لحاجة في نفس يعقوب الوطني الفرنسي!!

ويستشهد الدكتور بن نعمان بما قاله أحد زعماء هذا الطرح (البربري) وهو فرحات مهني الذي ينفى وجود هذه الخرافة (الأمازيغية) التي أنكرها في كتابه كلغة موحدة ومنفصلة.... ولم يعترف إلا بإحدى لهجتها المتداولة في منطقة القبائل بالجزائر وله مبرراته العلمية إذا قسناها بالفرنسية وأخواتها في الإعراب اللاتينيي!؟

اللغات الحية والميتة

ويفسر الدكتور بن نعمان موقفه أن كل اللغات الحية اليوم ذات الحروف والقواعد والتراث المكتوب لا تتجاوز 150 لغة من بين 6700 لغة في كل أقطار العالم المعاصر، تتقاسمها مجموع الدول ذات العضوية في الأمم المتحدة اليوم وعددها 194 مع الملاحظة أن 96٪ من هذه الدول يتداول رسميا وعلميا ومدرسيا 10 لغات فقط من كل تلك اللغات المكتوبة في العالم أجمع (منها العربية المرتبة الرابعة عالميا) والفرنسية ( التاسعة عالميا).

وهنا يعتبر الدكتور بن نعمان أن اللغات مثل الأشجار التي تعتمد في وجودها وبقائها على عوامل وشروط (كيفية) وليست مجهودات عضلية كما يظن بعض الأميين أو حتى بعض المتعلمين الجهلة  المتعصبين. والدليل على ذلك حسبه (أنك يمكن أن تبني ناطحة سحاب في أسابيع معدودات لكنك لا يمكن أن تبني شجرة مثمرة في سنوات؛ دون توفر شروط معينة، كالتربة والغرس والسقي والتهوية والزبر وعلاج الطفيليات...).

ويضيف الدكتور أحمد بن نعمان أن اللغات مثل الكائنات الحية تماما. فهي تولد وتتغذى وتربى وتمرض وتعالج وتشفى وتعمر وتموت وقد تولد من جديد (كالعبرية) وتقاوم الشيخوخة والزوال (كالعربية) وتتطور وتضعف وتقوى وتتكاثر كذلك حسب قوانين وشروط معينة. ثم أنه من الناحية العلمية والتاريخية فإن كل اللغات العالمية الحالية كانت في الأصل لهجات محلية ولغات شفهية طورتها الشعوب والدول بالإرادة السياسية والقوة العسكرية والعلمية والصناعية والاقتصادية والدينية... فاللغات الحالية في أوروبا الغربية كانت لغات محلية ولهجات متفرعة عن اللاتينية وقد أصبحت الآن لغات عالمية مستقلة ذات تراث مكتوب (وهي الرومانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والكاتالانية...) وهي كلها متفرعة من اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية الأولى لأوروبا المسيحية لعشرة قرون والآن ماتت ولن تعود إلى الحياة العملية أبدا.

فرنسا ترفض تعدد اللغات

ويعطي الدكتور أحمد بن نعمان المثال الفرنسي في كيفية التعامل مع اللغات المحلية الشفوية أو المكتوبة، وتحديدا مع 10 لغات محلية بما فيها الغولوا (أمازيغيتها) التي لا يتجاوز المتحدثون بها في الأرياف 10٪من الشعب الفرنسي وهي في طريق الإنقراض الحتمي مع انتشار التعليم وارتفاع المستوى الثقافي للأجيال القادمة التي ستحيلها على المتحف مثل اللاتينية الآن في الفاتيكان لأن اللغة بنت الحاجة لاستعمالها مع من تحتاجهم أنت وليس مع من يحتاجونك أن كنت صفرا على اليسار العلمي والحضاري!! 

ويؤكد بن نعمان أنه لا بديل عن هذا الحل الطبيعي إلا التفتيت والبلقنة لكل الدول المعنية على اعتبار(أن لا وحدة وطنية بدون وحدة لغوية رسمية) مثلما قال الرئيس الفرنسي في كرسيكا تصريحه التاريخي بكرسيكا سنة 2007، حيث قال للأهالي هناك بأنه يمكن مناقشة كل شيء معكم محليا إلا شيئا واحدا مقدسا وهو أن تبقى اللغة الفرنسية هي اللغة الوحيدة للجمهورية الفرنسية وخليته الحالي كرر نفس الموقف منذ شهور فقط !!

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا