آخر الأخبار

اليسار السوداني.. تاريخ مشحون بالنضال والمآسي (2من2)

الخرطوم ـ عربي21 ـ خالد سعد الجمعة، 03 يوليو 2020 02:00 م بتوقيت غرينتش

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه. 

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السفييتي مع الثورة البولشيفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها...

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

"عربي21" تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية.. 

يواصل الكاتب والإعلامي السوداني خالد سعد الجزء الثاني والأخير من عرضه لتاريخ اليسار في السودان مع عدد من السياسيين والخبراء السودانيين.

اليسار والعسكر

تورط اليسار السوداني في العمل الانقلابي وإنشاء الخلايا الحزبية داخل الجيش السوداني منذ وقت مبكر، ما أدى في النهاية إلى قيام ضباط عسكريين يتبعون إلى تنظيمات يسارية مختلفة بقيادة الراحل جعفر نميري بانقلاب عسكري ببرنامج اشتراكي مطيحا بالتجربة الديمقراطية التي انتظمت في البلاد بعد الثورة التي أطاحت بالنظام العسكري الأول للجنرال إبراهيم عبود.

بدأ نظام النميري إشتراكيا مدعوما من كافة قوى اليسار السوداني، وظهر ذلك بالبيانات الموثقة في كتب ونشرات الأحزاب اليسارية التي كانت تنشط في ذلك الوقت بما فيها الحزب الشيوعي وتنظيمات القوميين العرب.

لكن رموز ووثائق الحزب الشيوعي تنفي أي توجه رسمي للحزب للانقلابات العسكرية التي مرت بتاريخ السودان، لكن ذات الوثائق والمصادر المختلفة تؤكد بأن الحزب الشيوعي الذي ناهض أول حكومة عسكرية بعد الاستقلال (حكومة الفريق إبراهيم عبود 1958 ـ 1964) شارك في الانتخابات البلدية التي نظمها النظام العسكري، وعاد وأقر في وثيقة حزبية لاحقا بخطأ الخطوة، وأنها استندت على قرار سياسي يمكن الحزب من النضال ضد الحكم العسكري من داخل مؤسسته التشريعية، ويدلل على ذلك بالاعتقالات والبطش الذي تعرض لها من نظام الجنرال عبود أثناء مشاركته في العملية الانتخابية، فضلا عن الدور الكبير الذي ساهم فيه الحزب لإسقاط أول ثورة شعبية ضد نظام الحكم العسكري عام 1964م.

 

التفكير الانقلابي لدى اليسار السوداني خصوصا الحزب الشيوعي قديم في تفكيره ومرتبط بالفكر الاشتراكي الذي يدعم ما يطلق عليه بـ"ديكتاتورية البروليتاريا"،

 


بيد أن السياسي الإسلامي أبو بكر عبد الرازق يرى أن التفكير الانقلابي لدى اليسار السوداني خصوصا الحزب الشيوعي قديم في تفكيره ومرتبط بالفكر الاشتراكي الذي يدعم ما يطلق عليه بـ"ديكتاتورية البروليتاريا"، وذكر في مقابلة مع "عربي21" إن الحزب الشيوعي شارك ودعم الانقلاب الذي نفذه ضباط من الجيش بقيادة الرئيس الراحل جعفر نميري.

وبالفعل شكل النميري حكومته متضمنة أعضاء بارزين في الحزب الشيوعي وقتها ( 1969 ـ 1971م) في ظل معارضة من قبل أحزاب اليمين.

ويحمل حزب الأمة بزعامة الصادقة المهدي الذي انتخب رئيسا للوزراء بعد سقوط نظام النميري 1985م، اليسار السوداني، مسؤولية الحملة العسكرية التي قادها النميري في العام 1970م لضرب منطقة الجزيرة أبا في غرب وسط السودان إحدى المعاقل البارزة لحزب الأمة، وأسفرت الحملة العسكرية عن مقتل وجرح مئات أنصار الحزب الذين كانوا يعارضون نظام النميري.

بيد أن الباحث في شؤون الحزب الشيوعي فضل الله رحمة الله فضل الله يقول: إن خلاصة وثائق الحزب تؤكد أن انقلاب النميري وزملائه الضباط تم دون موافقة المكتب السياسي للحزب الشيوعي وبدون موافقة الضباط الشيوعيون.
  
ويضيف فضل الله الذي أعد كتابا قيد الصدور بعنوان (عرض موجز لتاريخ الحزب الشيوعي السوداني) أن التحرك العسكري في 1969م جزء من انقلاب الايديولوجى داخل الحزب ظل محتدما قبل الانقلاب، "بل كان هناك حزبان في تنظيم واحد ولم يحسما بعد أمر خلافهما وأصبح الصراع أكثر حدة بعد أن دخلت السلطة طرفا فيه سواء بقوتها أو ببريقها".

وتصاعدت حدة التوتر بين الحزب والنميري الذي دعا الشيوعيين إلى حل حزبهم والانخراط في التغيير الذي أحدثه العسكر، الأمر الذي رفضته غالبية من قيادات الحزب فيما بقي الآخرون مع النميري ما أحدث انقساما كبيرا وسط الحزب.

واحتدم الصراع حيث أعلن النميري عزمه تحطيم الحزب الشيوعي واتبع إعلانه بحل تنظيمات الطلاب والشباب والنساء التي يسيطر عليها الشيوعيون.

في المقابل نفذ ضباط شيوعيون انقلابا عسكريا مضادا يوم 19 تموز (يوليو) 1971 واعتقلوا النميري وأعلنوا السودان جمهورية ديمقراطية، بيد أن العملية فشلت رغم سيطرتها على السلطة لثلاثة أيام، وبعد تدخل مصري وليبي مضاد ساهم في إحباط الانقلاب وعودة النميري الذي شن هجوما على الحزب هز أركانه، واعتقل قادة الحزب وأعدم منهم عبد الخالق محجوب وجوزيف قرنق والشفيع أحمد الشيخ والضباط الشيوعيين الذين نفذوا الانقلاب، مع الإشارة إلى أن الحزب يقول إن الخطوة قام بها ضباط شيوعيون من تلقاء أنفسهم دون مشاورة هيئات الحزب الرسمية. 

في تلك السنوات سالت الكثير من الدماء على خلفية صراع النميري مع الحزب الشيوعي، وأثناء فترة الانقلاب العسكري الذي نفذه الضباط الشيوعيون حدثت مجزرة كبيرة لقوات عسكرية كانت تتمركز داخل بيت الضيافة التابع للقصر الرئاسي في الخرطوم، وهي قوات تتبع للحرس الوطني، قتل على إثرها عديد من الضباط والجنود، وحتى الآن يتبرأ الحزب الشيوعي من هذه المجزرة ويسود اعتقاد بأن قوة ثالثة غير التي نفذت الانقلاب هي من قامت بالمجزرة حسب تحليل البروفسور عبد الله علي إبراهيم الذي أجرى تحقيقا حول الحادثة.

لم يكن الشيوعيون السودانيون وحدهم من انخرط في التفكير الانقلابي واستخدام الجيش في العملية السياسية، فقد كان للقوميين العرب دور بارز في الانقلاب العسكري للنميري وزملائه الضباط، كما قام ضباط يتبعون لحزب البعث بعملية عسكرية في العام 1992م للإطاحة بنظام الرئيس البشير، بيد أن العملية فشلت وجرى إعدام الضباط الذين اتهموا بالتورط في الانقلاب العسكري.

وتقول وثائق حزب البعث إن انخراطهم في الجيش تم مبكرا منذ الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام النميري في انتفاضة شعبية عام 1985م، عبر ما سمي بـ" بالجناح العسكري لتجمع الشعب السوداني" الذي كان يضم ضباطا بعثيين والضباط الوطنيين المؤمنين بعودة الديمقراطية، وأن هذا التنظيم هدف بالأساس لحماية الديمقراطية من مغامرات الأحزاب والضباط الانقلابيين. 

 

إقرأ أيضا: اليسار السوداني.. تاريخ مشحون بالنضال والمآسي (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا