آخر الأخبار

التفكير الديني خارج الصندوق إبداع وتجديد أم تمرد وتبديد؟

بسام ناصر الإثنين، 06 يوليو 2020 01:57 م بتوقيت غرينتش

"التفكير خارج الصندوق" عبارة متداولة بشكل لافت في السجالات الدينية، وهي تحمل معاني ودلالات مختلفة، بين من يستدعيها لتسويغ التعاطي مع القضايا الدينية بعقلية نقدية، تسعى لابتكار طرق جديدة تخدم الدين وتذب عن عقائده وشرائعه، وبين من يستخدمها للتمرد على الأنساق الدينية الأصولية بمجموعها، بما يدفع باتجاه إحداث قطيعة تامة مع قطعيات الدين وثوابت الشريعة. 

ووفقا لمراقبين فإن جيل الشباب هو الأكثر تداولا لتلك العبارة في مناقشاتهم الدينية، ما يثير التساؤل حول مدى تأثير ذلك النمط من التفكير (خارج الصندوق) على طبيعة التدين السائد، خاصة في أوساط الشباب، وما مدى تعبيره عن توجه شبابي ينزع للتحرر من أنساق التدين السائدة، لإنتاج نسق ديني جديد يغاير القائم، ويتمرد على مألوفاته؟

في مقاربتها للموضوع لاحظت الباحثة السورية المتخصصة في الفقه الإسلامي، عابدة المؤيد أن "تعبير التفكير خارج الصندوق انتشر بالفعل، وهو يتضمن فكرة واسعة المدلول، فتحديد المراد بها يكون بحسب اتجاه صاحبها، فمن أراد بها خيرا فهي محمودة، كمن يكون هدفه إعادة النظر في بعض الأمور وفقا لفقه المآلات، ووفقا للواقع الجديد الذي نعيشه، وللتغييرات الجذرية التي حدثت في عصرنا، فهذا النوع بات ضرورة، وليس ترفا ولا خروجا على قيمنا وديننا". 

 



وتابعت المؤيد حديثها لـ"عربي21": "وثم من يريد من ورائها شرا، فنرى ذلك الصنف يتعرض للثوابت، ويريد تغيير كل شيء، ويسعى لنسف الحقائق، وفي الوقت نفسه ثمة من يكررها بلا فهم، فيخطئ حينا ويصيب حينا آخر".
  
وعن مدى تأثير مخرجات ذلك النمط من التفكير (خارج الصندوق) على طبيعة التدين السائد، أشادت العابد بذلك النمط باعتباره يخلص الدين مما علق به، كتلك الأفكار والرؤى التي تسببت بغبن المرأة، ويخرجنا من البدع، والانشغال بالصغائر على حساب الكبائر، فثمة حاجة ملحة لهذا النوع من التفكير خاصة في أمور المعاملات، لإصلاح أوضاعنا الاجتماعية". 

وأضافت: "لكن أكثر الناس لا يتقبلون هذه الفكرة بتاتاـ وكل فكرة جديدة عليهم تحدث لهم صدمة ولو كانت صحيحة ومدعمة بحقائق وأدلة شرعية فيرفضونها، مما أدّى لفوضى، وشرخ كبير بين المثقفين والعامة، وكل يتهم الآخر، فهذا يقول "أنتم تأتون بدين جديد، أو تميعون الدين"، والفريق الثاني يدافع بقوله "ما تصرون عليه وتفعلونه لا دليل عليه". 

وردا على سؤال حول أسباب تخوف علماء الدين ودعاته من تداول هذه العبارة واستخدامها، قالت المؤيد "لأن علماء الدين أنفسهم منمطون، فما درسوه وتعلموه يمنعهم من التفكير بهذه الطريقة، فقد تربوا على تقديس الأقدمين، وتعلموا أن الخروج عليهم قد يخرج من الملة، فنراهم سدا منيعا يمنع التفكير، ويحتجون بأن التغيير فتنة للعامة وفتح لباب الفساد"، على حد قولها. 

من جهته أوضح الأكاديمي والمستشار التربوي الأردني، الدكتور زياد كامل اللالا أن "التفكير خارج الصندوق (Thinking outside the box) مهارة وأسلوب حياة، وإن شئت سمها استراتيجية للتعامل مع مواقف الحياة المختلفة وضغوطها ومشاكلها، وهي أيضا تعامل إبداعي على اعتبار أن الإبداع هو التعامل مع المواقف المألوفة بطريقة غير تقليدية وغير جامدة". 

وأضاف: "فالإبداع هو إنتاج شيء جديد نادر ومختلف ومفيد فكرا أو قولا أو عملا، وواحدة من هذه الاستراتيجيات التي تدعم الإبداع، وتثري التعامل مع المواقف والمشاكل بطريقة فيها حياة جديدة بعيدة عن التقليد والتلقين تتمثل بالتفكير خارج الصندوق". 

 



وتابع شرحه لـ"عربي21": "فالتفكير خارج الصندوق يتفق مع المرونة والتجديد والطلاقة والأصالة والفضول، والخيال والمغامرة التي كلها تتفق مع الإبداع الذي هو أساسه ومنطلقه يكون من التفكير خارج الصندوق، وفي المقابل يكون التقليد ووضع قيود فكرية أو مادية أو حتى لغوية يقيد بها الإنسان نفسه، وهي غير موجودة أصلا على أرض الواقع، ولم يطالبه بها أحد (فالشخص قيد نفسه بنفسه) بدون أي قيود على أرض الواقع". 

ما ينتج عنه بحسب اللالا "مقتل التجديد والإبداع، لأننا باختصار فكرنا وتعاملنا بقيود قيدنا أنفسنا بها، بينما التفكير خارج الصندوق مجاله واسع رحيب يتسع وينتشر بالمرونة وتعدد الآراء والتنوع الموجود أصلا في الحياة التي نعيش فيها، ولهذا دائما ما نقول لتنمية مهارات الإبداع وتعزيز الجودة الشخصية للآخرين وللمؤسسات وللجميع، لا بد من تبني مقولة تختصر مفهوم التفكير خارج الصندوق وهي "لا تدعني أمشي عندما أريد أن أطير". 

وأكدّ اللالا أنه "بالمرونة والتنوع وتبادل الآراء وسعة الأفق، والفهم الواسع ينمو ويتعزز التفكير خارج الصندوق" ذاكرا أن ستيف جوبز وشركته (Apple) عندما أدخل طريقة الشراء والدفع والتعامل من خلال التطبيقات الالكترونية فإنه قدم نموذجا من التفكير خارج الصندوق، وكانت سببا لتحقيق التعامل والأفضل والأحسن بشكل مذهل للغاية". 

وأورد مثالا آخر للتفكير خارج الصندوق "بما كانت عليه حال ماليزيا في سبعينيات القرن الماضي، التي كانت مليئة بالأمراض كالتيفوئيد والملاريا بسبب تجميع المياه وعدم وجود سبيل لجريانها بشكل مستمر دون انقطاع حتى جاء من يعيد تصميمها، ويصنع نهضتها لتصبح من الدول السياحية الأولى في العالم وتكون من نمور آسيا". 

وأردف "وفي المقابل فإن التقليد والتبعية يؤديان إلى التكلس والتحجر، لأن طبيعة الحياة التجديد، وبالتالي من لم يجدد ويغير فإن مصيره النسيان وفي التاريخ دروس وعبر، فعند التفكير خارج الصندوق نرى التحسين المستمر للحياة المتجددة، والأفكار المثمرة التي تنعكس بدورها على جودة الحياة والمواقف التي نعيشها". 

وفي السياق ذاته ركز الأكاديمي والباحث الأردني في الفكر والسياسة، الدكتور صبري سميرة على أن "التفكير خارج الصندوق يعني التفكير بطريقة جديدة، وأسلوب جديد، خارج عن المألوف والمعروف، لكن من الضروري تحديد الصندوق المقصود فهو صندوق التفكير وآلياته، ولا يعني التمرد على الثوابت الدينية وأصول الشريعة". 

وأضاف: "التفكير خارج الصندوق تفكير عقلاني ومنطقي، وليس تفكيرا اعتباطيا أو فوضويا، ومن الضروري التأكيد على أن الدعوة إلى التفكير خارج الصندوق لا تعني إدارة الظهر لكل قديم، وعلينا أن نطمئن علماء الدين ودعاته إلى أن المعنى الإيجابي للتفكير خارج الصندوق لا يُراد به إخضاع العقائد الغيبية، والمسلمات الشرعية للتفكير خارج الصندوق". 

 



ولفت سميرة في حواره مع "عربي21" إلى أن أساس خلق الإنسان وتكليفه بُني على العلم والتعليم، وتكريم الإنسان إنما كان بتعلمه ما علمه الله، ومع أن الملائكة الكرام مفطرون على طاعة الله بشكل تام ومطلق، لكنهم حينما أخبرهم الله أنه سيخلق بشرا، سألوه وحاوروه، وهو ما يمكن أن يكون ضربا من ضروب التفكير خارج الصندوق، فكانت كلمة الفصل للعلم الذي به ظهر فضل آدم عليه السلام". 

ونبه إلى أن الحث المتكرر في القرآن الكريم على أهمية التعقل والتفكير والتدبر وإعمال العقل بشكل مطلق إنما يفتح المجال للتفكير الإبداعي خارج الصندوق، والبحث الدائم عن أفكار مبتكرة وجديدة، ولا يعني ذلك بحال خروج المؤمنين وهم يمارسون التفكير خارج الصندوق عن ثوابت دينهم، وأصولهم العقائدية الثابتة". 

بدوره بيَّن الباحث الأزهري المتخصص في علوم الشريعة، الدكتور محمد الصياد أنه "قد يُراد بالتفكير خارج الصندوق في الحقل المعرفي الديني أمرا سلبيا، وقد يُراد به أمرا إيجابيا، أما السلبي فأن يُراد به الخلوص من كل قديم، ومخاصمة التراث، بل والاشتباك معه كله كقطعة واحدة أحيانا، وهذا في الحقيقة تفكير خارج الصندوق لكن بمعناه السلبي، الذي يهرب من تراث أمة إلى تراث أمة أخرى". 

 



وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ومشكلة هذا المنزع والتوجه أنه لا يفرق بين ظني وقطعي، وثابت ومتغير، لأنه لا ينظر إلى التراث إلا بعين الريبة والحذر، أما الجانب الإيجابي فيكون عندما تُطلق العبارة ويُراد بها إعادة الإحياء، وإعمال العقل والاجتهاد، أي إحياء العملية الإصلاحية من داخل التراث، والتفرقة بين الظني والقطعي، والذاتي والعرضي، وإعمال القواعد الكلية، والتفرقة بين القواعد الإجماعية والخلافية". 

وختم كلامه بالإشارة إلى أن من صفات الذين يدعون إلى استخدام تلك العبارة بشكل إيجابي ومنتج "أنهم يجتهدون في أمور الدين كما اجتهد الأوائل، أي الأخذ بمناهجهم دون التوقف عند فروعيات اجتهاداتهم وجزئياتها، فقد نأخذ بعضها وندع أكثرها بسبب تغير العرف، أو مناطات الأحكام، ليكون اجتهادهم ملائما عصرهم، وخادما لأهل زمانهم". 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا