آخر الأخبار

نديم محمّد: شاعر الحبّ والمعاناة والكبرياء والألم

عربي21- أحمد البزور الجمعة، 10 يوليو 2020 05:38 ص بتوقيت غرينتش

لا نرى بأسًا في البدء بالحديث عن نديم محمّد، الشاعر السّوري، المثقل بالهمّ والحزن، على أنّ ما تنسبه المصادر أنّه من مصر، لا أساس له من الصّحة، وهذا نفسه، ما انتهى إليه أحمد قبّش، في كتابه تاريخ الشّعر الحديث (1).


لذا، من المهمّ التنبيه، إلى أنّ معظم المصادر تتفق على أنّه سوري، هذا واختلفت الرّوايات في تحديد سنة ولادته، ولكن تلك الرّوايات، تشير إلى تقارب كبير في تحديد سنة ولادته، لهذا نرجّح ولادته سنة 1909(2)، ودون شك، نستطيع أن نؤكّد، بأنه توفي عام 1994(3).


وتأسيسا على هذا، يعدّ نديم محمّد، من أهمّ روّاد الشّعر الرّومانسيّ والواقعيّ، وقد كان معتزا بنفسه، كثير الفخر بمآثره الشخصيّة، مشاكسًا، متمردًا على القيم والعادات، رافضًا، حزينًا، وهذا الأخير تؤكّده قصائده، تمامًا كما لو كانت أنّها عبارة عن سيرة ذاتيّة، واشتهر بديوانه الموسوم بـ "آلام"، بأجزائه الثلاثة، وإلى جانب هذا الديوان، دواوين أخرى، نذكر منها: رفاق يمضون، فراشات وعناكب، آفاق، ورد وخريف.


مصادر شعره


أمّا المصادر التي أغنت تجربة نديم الشّعريّة، فقد تشكلت من ثقافتين: ثقافة عربيّة فطريّة، وأخرى غربيّة مكتسبة، الأولى نتيجة طبيعية لارتباطه بالبيئة المكانيّة التي ولد فيها، والثانية نتيجة سفره إلى فرنسا وسويسرا، الأمر الذي جعله يتأثر في وسطه المحيط، ويطّلع على الثقافة الغربيّة(4).


الغرض الشعريّ


أظن أنّ القارئ يوافق، على أنّ الأدب شعرًا كان أو نثرًا، غالبا ما يعبّر عن توجّهات الأديب، فضلا عن كونه يعكس اهتماماته في كلّيتها وتفاصيلها، على غير ما يتوّهم بعض النّقدة والقرّاء، الذين يخرجون علينا بين فينة وأخرى، ويصدّعون رؤوسنا بالحداثة النّقديّة، بتعليقٍ هنا، وتعليق هناك، وكأننا لم نقرأ أو نسمع شيئا عن هذه الحداثة، أو أنّ فهم الحداثة يقتصر عليهم، وفوق هذا وذاك، لا يرون أنفسهم إلّا أوصياء على القرّاء، مما يدفع إلى الإغراق في الضّحك.


وملاك القول، في أنّ هؤلاء الحداثيين، لا يتحرّج بعضهم في وصف غيرهم بأنّهم سطحيون في التّعامل مع النّص الأدبيّ، كونهم ينطلقون من رؤية ترى أنّ النفس الإنسانيّة هي التي تصنع الأدب، وترى في الأدب تعبيرًا عن التّجربة الشّعورية بصور موحية، ولعلّي أتفق معهم.


عطفا على ما سبق، وحتى لا نقع في الفهم الخاطئ، نقول احترازًا؛ إنّ الأدب مرآة عاكسة، يعبّر عن حالة الذّات القابعة في النّص الشّعري، ووفقًا لذلك، إذا لم ندرك هذه الحقيقة في الدّرس النّقدي، سنقع على رؤوسنا من حيث لا ندري.


وعلى أيةِ حال، فإنّ وصف القرّاء بالسّطحيين، كان يقتضي من الباحثين قراءة سائر الدّراسات، ومسألة القارئ السّطحي قد تكون صحيحة بالفعل؛ إذا نحن راعينا طريقة تعامل الدّارس والقارئ مع النّص الأدبي، ومهما يكن من شيء، لا أجد ما يبرر القول أكثر من أنّهم غائبون ومغيّبون، ولا يفهمون من الحداثة التي ينادون بها سوى السّطح والقشور، ليس إلّا.


ومما يشهد بذلك كتاباتهم، التي كثيرًا ما تخلو من التّماسك والتّرابط، فضلا عن التهويم في تفسير النّص الأدبي والعوم في الهواء؛ إذ إنّ مهمّة النقد، الدّفع بالأدب إلى التّجديد والتّطور والرّقي، دون إغفال الحالة الذّاتية.


عمومًا، ليس معنى هذا، أنّ نَعدّ الأدب وثيقة تاريخيّة وسيرة ذاتيّة، وهذا طبعًا ما لم أقصده، وعلى الجملة، لستُ أرى أن أدخل مع هؤلاء النقاد في جدل عقيم؛ لأنّ المسألة محسومة، وليست بالقضية المهمّة والكبيرة، واختزالًا نقول: من العناء الضّائع أن نشغل أنفسنا في هذه المسألة. 


إنّ من الملامح البارزة في شعر محمّد نديم على تعدد أغراضه، التي تعكس حالة الشاعر الشّعرية الراهنة المختلفة تمامًا عن الحالة الحقيقية والواقعية، ارتباطه بالمرأة، وقد رسم لوحة كلية عن علاقته بها ومعاناته وآلامه.


العتبة والدلالة النصية: العنوان والغلاف


مما لا شكّ فيه، أنّ العنوان هو "أول لقاء مادي محسوس بين المرسل والمتلقي"(5)، ولا أتصوّر في أنّ القارئ، لا يوافقني، بأنّ عنوان الدّيوان، أوّل إشارة تدل على عمق المأساة، التي احتوت الشاعر نديم محمد.


وإذا ما تمعّنا في ملامح صورة الشّاعر الشّخصية، المطروحة على الغلاف الأمامي للديوان، فسنخرج بانطباع كبير، في أنّ الشّاعر يحمل في داخله مأساة عظيمة وهمًّا كبيرًا، وهذا بالضّبط ما يفسر عنوان الدّيوان، الذي جاء على صيغة جمع التّكسير، والآلام تتعلق بالشاعر نفسه وقلة من الذين على شاكلته، لهذا ناسب المقام اختيار وزن من أوزان جموع القلة، الأمر الذي أكسبه جوًّا جديدًا، مشبعًا بالألم، ومثقلًا بروح الكآبة الحزينة.


تبعًا لذلك، لا أراني بعد ذلك بعدت عن الصّواب، في أنّ عتبتي العنوان والصّورة معًا تتعاونان على إظهار دلالة مأساة الشّاعر، الأوّل يلخّص الدّلالة التعبيرية، والثانية تلخص الدّلالة الشّعورية، حيثُ البؤسُ، والشقاء، والعناء، والحزن، وهو الآن في سبيل هذه المعاناة يعمد إلى التّعبير الوافي عمّا يحسّ ويشعر به، وفيما يلي سنعرض باختصار نصوصًا شعرية تصوّر هذه المأساة.


دلالة النّشيد 


الواقع أنّ لفظ النشيد، يرتبط بالدّلالة النّفسيّة والعاطفيّة، ولا شكّ أنّ الدّلالة تختلف حسب الدّلالة الأسلوبيّة والسّياقية، وهذا اللفظ يفيد في الدّلالة الشّعرية في ظنّي على الحزن دائمًا، وإذا نحن تجاوزنا دلالة العنوان إلى صميم النّص الشعري، لمسنا النزعة الرومانسية الحادّة، والذّاتية الموغلة في التشاؤم، والكآبة، والحزن، كتعبير عن التّجربة الشّعورية، وما تزخر بها من عواطف ومشاعر.


والشيء بالشّيء يذكر، يجدر بي أن أشير، إلى أني لا أضيف شيئا جديدًا، إذا قلت بأنّ الشّعراء الرومانسيين اتّجهوا صوب المرأة، وقد ارتقى الحبّ عندهم إلى مصاف العبادة واللحظة المقدسة، وهذا تمامًا رأيي وتصوّري.


تمثلات الحب والمعاناة والكبرياء والألم


بإمكاننا أن نحدد رباعية الحبّ والمعاناة والكبرياء والألم في الجزء الثالث من ديوان آلام، ومن مجموعة هذه التّمثلات، تنشأ مأساة الشّاعر، وقبل الولوج إلى النّصوص الشّعرية، لا بدّ لنا من التنويه إلى أنّ الجزء الثالث امتداد وتتمة للأجزاء السّابقة، كما يتوزع على مئة وثماني عشرة صفحة، ويضم عشر قصائد، هذا ويتخذ الشّاعر من الأناشيد عنوانا للقصائد، بحيث يبدأ الجزء الثالث من النشيد السّادس والأربعين إلى النشيد التّاسع والسّبعين. 


ولعلّ الذي ورد في النّصوص الشّعرية، يؤكد هذه الحال، إذ يقول نديم محمّد في النّشيد السّادس والأربعين:


"أطفئي خمر لَذّتي وأنيري في ظلامِ الكؤوسِ حَرّ شقائــــي
عَصَفَ الجُوعُ بالهَوى فَتَمَطّى يُمزّق الموتَ عَن حُنى أشلائي"


يقدّم الشّاعر صورة، عمّا أصابه من ألم وحسرة ولوعة وشقاء، وقد تذكّر محبوبته، ويعجز عن مواجهتها، إذ إنّ الإحساس بالعجز اقترن مع إحساسه بالموت والفناء.


إنّ كبرياء الشّاعر منعه من المواجهة والمجاهرة بالحبّ، لهذا ظلّ يعيش بحسرة وقلق دائمين، وعلى هذا المنوال، يواصل نديم محمّد نسج قصيدته، المشحونة باللوعة، والعذاب، والضّياع، والحسرة، وأكبر الظنّ أنه راجع إلى نزعة الشاعر الرومانسية، حيث يقول:


"رجمتني بَغِيَّة بِعواء السحر جَرْحُ الهوانِ في كبريائي
وشكا لي قلبي فألقمتُه الصّفعَ جزاءً لِذِلّة الكرمــــــــاءِ"


من هذين البيتين، أستطيع القول بأنّ نديم محمّد، ينقل صورة لحالة الحبّ الكظيم، الذي بقي مكتومًا ومطويًا في صدره، دون أن تكون هناك إمكانية للوصول إليه، ومقدرة على المجاهرة به، وعلى هذا الأساس، يغدو النّص الشّعري منفذًا، يصرّف من خلاله شحناته النفسية المكبوتة.


وفي النشيد السّابع والأربعين، نلاحظ أجواء الحزن، تخيّم على القصيدة، وأكبر الظنّ أنه راجع إلى ذلك الحبّ وخذلان المعشوق للعاشق، وهذا ما دفع الشّاعر إلى الألم والتّحسر، في ما يمكن أن أسمّيها بالحسرة المريرة، إذ يقول:


"نَسي الحسنُ أنّه كان في مطرح لهوي بقيّة في الــــــــــــــدارِ
نسيَ الحسنُ أنّه كان من بعضِ رحيقي ومن شَميمِ عَرَارِي
أنّه كان ريشةً في جناحي وصَــــــدى زقـــــــــــوةٍ على منقاري
نَسيَتْنِي خدورُه فِي زواياها خُـــــــــــــــــدوشٌ نمّت على أظفاري
أنكريني فلن أُبالي على السفح تـــــــــــلاقَى تفتّحي وازدهاري"


على ضوء المنطوق الشعري السابق، لعلّنا نخلص، بأنّ الشاعر يُعمّق لدى المتلقي الإحساس بأنّ الحبّ باب موارب على التغيّر والتّبدل.


ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ ذات الشّاعر تتماهى في أحايين كثيرة مع المعاناة القهرية، إلى الحدّ الذي يجعل الشاعر لا يشعر بوجوده الخاص، وهذا ما يظهر بجلاء في النّصوص الشّعرية.


إضافة إلى ما سبق، تبدو النّزعة الرومانسية أوضح من أن يشار إليها في النصوص الشعرية، وقد أثبت محمد نديم في كثير من نصوصه أن الحبّ حاجة من حاجات النفس، وفي النشيد الثامن والأربعين، تتكرر كلمة الحبّ، خمس مرّات، وهذا مؤشر واضح على أنّ تجربة الحبّ، استبدت في وجدان الشّاعر، حيث يقول:


"أعرفُ الحبَّ، تيه فكري وحسي وضياعي وغدوتــــــــــــــــــــي ورواحـي
أعرفُ الحبّ، ســــــرّ ضعفي، وإحناء جبيني ذلا وخفض سلاحــــــــي
"أعرفُ الحبّ، نهشة السّم، في جرحي ودفق اللّظى بمائي وراحي
أعرفُ الحبّ، مُطفئ اللهو، في ملعبِ أُنسي، معذّبــــــــــــي سفّاحي"


إنّ المرأة/المحبوبة تستحضر في وعي الذات القابعة في النّصوص الشعرية على صورة الطّمأنينة، والرّاحة، والسّكينة، وهذا من شأنه أن يخلق عالمًا نفسيًا افتراضيًّا، مختلفًا تمامًا عن واقع الضنك، والعذاب، والشّقاء، إذ يقول:


"نسيتُ صبوتي، عذابي وضعفي، نسيتُ ذلتي، ويأسي وفقري"


ترتبط معاناة نديم محمد بالفراق، في كلمات تقطر دمعًا، وذكريات تنتحب حزنًا، لذلك لم يسدل الشاعر ستار النّسيان على ذكريات الحبّ، والصّبا، والشّباب، حيث يقول:


"يا أغانِـــــــيّ ذكّريـــــــــــــــه تلوّي شفتيه على حطامِ جـــــــــراري
ذكّريه تجريحَ خدّيــــــه من شوكـي وإحراقِ صَدره في شَراري
أنا أهواكِ لا جناحي لـــــــــــــواه الشّيب في ملعبٍ ولا مِضمارِ
عيّريني خريف عمري فلن تمحي ربيع الجمالِ عن آذاري"


وبحثًا عن الخلاص، تصل معاناة الذات الشاعرة النّفسية من الواقع والحياة إلى حدّ الرغبة في الموت، وهذا ما يشير له النّشيد التّاسع والسبعون، المحاط بهالة الموت، إذ يقول:


"اتركوني أموتُ في سجنِ أفكاري وشعري وغرفتي وسريري
اتركوني أموت للموتِ، لا أشهدُ جندًا سلاحــــــــــه من غرورِ"(6)


على هذا النحو، يصبح الموت بديلا عن الواقع، فالموت بكلّ ما فيه من قسوة، وخوف، وألم، وحسرة، وفقدان، من منظور النّص الشّعري، يكون رحمة من هذه الحياة.

النتيجة


إنّ النتيجة التي يمكن الوصول إليها، وعلى وجه الإجمال، كان موضوع الحبّ ممزوجًا بالمعاناة والكبرياء والألم، الطابع الغالب في شعر نديم محمّد، إضافة إلى ذلك، كانت المرأة كأقوى الخيوط متانة، تتحرّك نحو مفهوم كلّي وشمولي لهذا الشعر، وبموجب ذلك، نادرون جدًا أولئك الشعراء الذين يكتبون عن أوجاعهم، وآلامهم، ومعاناتهم النّفسية، خصوصًا إذا ما علمنا أنّ مضمون معظم النصوص الشعرية تتخذ الحبّ والمرأة مدارًا للتّعبير عن التجربة الشّعورية.


باحث وناقد، من الأردن، حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد الحديث.

المصادر والمراجع:

 

(1) انظر، تاريخ الشعر الحديث: أحمد قبّش، دار الجيل، بيروت، ص 743.
(2) انظر، صورة المرأة في شعر نديم محمد، مجلة جامعة تشرين، مجلد 29، عدد2، 2007، ص 23.
(3) انظر، مجلة الفيصل، (عدد 207 ـ شباط، وآذار)، سنة 18، 1994، ص 140.
(4) انظر، مصادر الحصيلة اللغوية لدى الشاعر نديم محمد: وليد العرفي، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية، عدد 58.
(5) سيمياء العنوان: بسام قطوس، ط1 ـ2001، وزارة الثقافة، عمّان، ص 36.
(6) آلام، الجزء الثالث: نديم محمد، ط1 ـ 1985، دار الحقائق للطباعة والنشر، بيروت.

أخبار ذات صلة

نوستالجيا الأناشيد الإسلامية.. 6/20/2020 11:22:48 AM بتوقيت غرينتش
أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

كيف ابتكر محمود درويش هزيمته؟ 8/9/2020 5:44:31 AM بتوقيت غرينتش
عيد ميلاد سعيد صالح 8/6/2020 5:17:10 AM بتوقيت غرينتش
وجهان مختلفان لـ"جابر بن حيان" 8/3/2020 7:40:09 AM بتوقيت غرينتش