آخر الأخبار

فوربس: هوكنغ كذب علينا بشأن اضمحلال الثقوب السوداء

لندن – عربي21 - باسل درويش الجمعة، 10 يوليو 2020 02:12 م بتوقيت غرينتش

نشر موقع "فوربس" مقالا للفيزيائي الفلكي إيثان سيغل قال فيه إن أهم فكرة أتى بها ستيفن هوكنغ خلال حياته العلمية هي أنه أحدث ثورة في الطريقة التي ننظر فيها للثقوب السوداء. فهي في المحصلة ليست سوداء تماما، وفي الواقع كان هوكنغ هو أول من فهم وتوقع الإشعاعات التي تصدر عنها، أو ما يسمى بـ"اشعاع هوكنغ"، وتوصل إلى تلك النتيجة عام 1974، والتي تعتبر أحد أعمق الروابط بين عالم الكم ونظرية الجاذبية والنظرية النسبية العامة لأينشتاين.

ومع ذلك قام هوكنغ في كتابه المتميز الصادر عام 1988  A Brief History Of Time برسم صورة توضيحية للإشعاع – على شكل جسيم ومضاد للجسيم يتم إنتاجهما بشكل عفوي أحدهما يسقط في الثقب والآخر يهرب منه – وهذا خطأ فاضح. وعلى مدى 32 عاما ضللت طلاب الفيزياء والأشخاص العاديين وحتى المحترفين بنفس الشكل. فالثقوب السوداء تضمحل فعلا. ولنتعلم اليوم كيف يتم ذلك.

ما حاول هوكنغ أن يجعلنا نتخيله هو صورة بسيطة. نبدأ بثقب أسود: وهي منطقة في الفضاء تركزت فيها كتلة كبيرة جدا في حجم صغير جدا، وداخلها لا يمكن حتى للضوء أن يهرب. وأي شيء يمر قريبا منها ستبتلعه، حيث يطلق على الحد بين مناطق إمكانية الهروب ومناطق عدم إمكانية الهروب أفق الحدث.  

والآن دعونا نضيف الفيزياء الكمية. الفضاء من ناحية مبدئية لا يمكن أن يكون فارغا تماما. ولكن هناك كيانات ملازمة  لنسيج الكون نفسه – الحقول الكمومية – والتي هي دائما كلية الوجود، وكما هو حال الكيانات الكمومية فإن هناك شكوكا تحيط بها: فالطاقة المرتبطة بكل حقل في أي موقع تتذبذب مع الوقت. هذه التذبذبات واقعية جدا وتحصل حتى في غياب أي جسيمات.

وفي سياق نظرية الحقل الكمومي، فإن الحالة القاعية لأي حقل كمومي تتوافق مع غياب الجسيمات. ولكن الحالة المثارة أو الحالات التي تصادف طاقة أعلى، فتتوافق مع جسيمات أو مضادات جسيمات. وأحد التصورات المستخدمة عادة هي التفكير بالفضاء الفارغ  على أنه فارغ فعلا، ولكن مسكون بأزواج الجسيمات ومضادات الجسيمات (بسبب قوانين الانحفاظ) والتي تظهر في الوجود بشكل مختصر، لتختفي ثانية في فراغ عدمي بعد فترة قصيرة.

 

اقرأ أيضا: صدمة هوكينغ.. هكذا طغت "المأساة الفريدة" على خطابه الاصطناعي

هنا تلعب صورة هوكنغ المشهورة – الصورة الخاطئة جدا – دورا مهما. فخلال الفضاء كاملا يقول إن هذه الجسيمات ومضادات الجسيمات تتبادل حالتي الوجود والعدم. وداخل الثقب الأسود يبقى النوعان وينعدمان ولا شيء يحصل وخارج الثقب الأسود يحصل الشيء نفسه ولكن في منطقة أفق الحدث يمكن لأحدهما أن يقع في الداخل وأن يهرب الآخر حاملا معه طاقة حقيقية. وزعم أن ذلك هو سبب خسارة الثقوب السوداء من كتلتها واضمحلالها وهذا هو مصدر إشعاع هوكنغ.

وكان ذلك هو أول تفسير أسمعه، كفيزيائي فلكي نظري، عن الطريقة التي يتم فيها اضمحلال الثقوب السوداء. ولكن إن كان ذلك صحيحا فإنه يعني:

إشعاع هوكنغ سيكون مكونا من مزيج 50/50 من جسيمات ومضادات جسيمات لأن ما يسقط وما يهرب عشوائي.


وسوف ينطلق إشعاع هوكنغ الذي يتسبب باضمحلال الثقوب السوداء من أفق الحدث نفسه.
وأن كل وحدة من الإشعاع يجب أن تحمل كما كبيرا من الطاقة: تكفي للهروب من الثقب الأسود دون أن يبلعها.


وبالطبع فإن هذه النقاط الثلاث ليست صحيحة. فإشعاع هوكنغ مؤلف بشكل كامل تقريبا من الفوتونات وليس خليطا من الجسيمات ومضادات الجسيمات. وتنبعث من منطقة كبيرة خارج أفق الحدث، وليس من السطح مباشرة. فوحدة الطاقة المنبعثة طاقتها صغيرة وعلى نطاق واسع.

وما هو غريب بالنسبة للتوضيح هو أنه ليس نفس التوضيح الذي استخدمه في الأبحاث العلمية التي كتبها حول الموضوع. وكان يعلم أن هذه المماثلة معيبة وستؤدي بالفيزيائيين إلى التفكير بشكل خاطئ فيها، ولكنه اختار أن يطرحها للعامة بهذا الشكل وكأن الناس غير قادرين على فهم الآليات الحقيقية الفاعلة. وذلك سيئ لأن الرواية العلمية للظاهرة ليست أكثر تعقيدا، ولكنها أكثر تنويرا.

فالفضاء الفارغ يحتوي على حقول كمومية في كل أنحائه وفي الحقيقة فإن تلك الحقول تمر بتقلبات في مقدار طاقتها. وهناك شيء من الصدق في مماثلة "إنتاج أزواج الجسيمات ومضادات الجسيمات" وهي كالتالي: في نظرية الحقل الكمومي يمكن خلق نموذج لطاقة الفضاء الفارغ بإضافة رسوم بيانية يتضمن إنتاج هذه الجسيمات. ولكن ذلك فقط طريقة للحساب. فالجسيمات ومضادات الجسيمات ليست حقيقية ولكن افتراضية. فلا يتم إنتاجها فعلا ولا تتفاعل مع جسيمات حقيقية، وليس بالإمكان الكشف عنها بأي وسيلة. 

وبالنسبة لأي مراقب في أي مكان من الكون تلك "الطاقة للفضاء الفارغ" والتي نسميها طاقة النقطة صفر، ستبدو نفسها بغض النظر عن المكان الذي توجد به. ولكن أحد قواعد النسبية هي أن المراقبين المختلفين سيشاهد كل منهم واقعا مختلفا: فالمراقبون في حركة نسبية أو في مناطق حيث انحناء الزمكان (الأبعاد الأربعة زمان-مكان) مختلف، بالذات سيختلف أحدهم مع الآخر.

ولذلك إن كنت بعيدا بشكل لا نهائي عن كل مصدر كتلة في الكون وانحناء الزمكان الخاص بك ضئيل للغاية سيكون لديك طاقة نقطة صفر معينة. وإن كان هناك شخص آخر على أفق الحدث لثقب أسود، سيكون لديه طاقة نقطة صفر معينة تقاس بنفس القيمة له كما تقاس لك على بعد لانهائي. ولكن إن حاولت أن ترسم طاقة النقطة صفر الخاصة به على طاقة النقطة صفر الخاص بك أو العكس فإن النتائج لن تتوافق. فمن منظور أحد للآخر تتغير طاقة النقطة صفر نسبيا إلى مدى انحناء الفضاءين.

وتلك هي النقطة الأساسية فيما يتعلق بإشعاع هوكنغ، وستيفن هوكنغ كان يعلم ذلك. ففي 1974، عندما اشتق إشعاع هوكنغ لأول مرة، كان هذا هو الحساب الذي أجراه: حساب الفرق بين طاقة النقطة صفر في الحقول الكمومية من الفضاء المنحني حول الثقب الأسود إلى فضاء مسطح على بعد لا متناهٍ.

ونتيجة ذلك الحساب هو ما يحدد خصائص الإشعاع المنبعث من الثقب الأسود: وليس من أفق الحدث بشكل حصري، ولكن من كل منحنى الفضاء حوله. ويخبرنا بحرارة الإشعاع والتي تعتمد على كتلة الثقب الأسود. كما أنها تعطينا طيف الإشعاع: حيث يمثل الجسم الأسود المثالي توزيع طاقة الفوتونات – إن كان هناك ما يكفي من الطاقة من خلال معادلة (الطاقة = الكتلة× مربع سرعة الضوء) – والجسيمات ومضادات الجسيمات أيضا.

كما تساعدنا على حساب تفصيل مهم لا يدرك في العادة: وهو المكان الذي تنطلق منه إشعاعات الثقوب السوداء. فبينما تظهر معظم الصور البيانية أن 100% من إشعاع هوكنغ ينبعث من أفق الحدث نفسه، فمن الأدق تصويره على أنه ينبعث من حجم يمتد عبر 10-20 أنصاف أقطار شفارتزشيلد (نصف قطر أفق الحدث)، حيث يقل الإشعاع تدريجيا كلما ابتعدت عنه.

وهذا يقودنا إلى استنتاج: كل الأجسام التي تحني الزمكان يجب أن تطلق إشعاع هوكنغ. وقد تكون ضئيلة جدا يغطي عليها الإشعاع الحراري بحسب ما نستطيع حسابه حتى لبقايا الأجرام الميتة منذ زمن والنجوم النيوترونية. ولكنها لا تزال موجودة: إيجابية وليست صفرا وقابلة للحساب وتعتمد فقط على كتلة الجسم والدوران والحجم.

المشكلة في توضيح هوكنغ لنظريته هي أنه يستخدم أداة حسابية – فكرة الجسيمات الافتراضية – ويتعامل معها وكأنها حقيقة ملموسة. وفي الواقع ما يحصل هو أن الفضاء المنحني حول الثقب الأسود يبث الإشعاع بشكل مستمر بسبب انحدار الانحناء حوله وأن الطاقة المنبعثة من الثقب الأسود نفسه تتسبب بأن يتقلص أفق الحدث الخاص به ببطء مع الوقت.

فالثقوب السوداء لا تضمحل بسبب تساقط الجسيمات الافتراضية التي تحمل شحنة سلبية، فتلك أيضا من نسج خيال هوكنغ لإنقاذ مماثلته الناقصة. ولكن اضمحلال الثقوب السوداء ناتج عن خسارة الكتلة على مدى الوقت لأن الطاقة المنبعثة عن طريق إشعاع هوكنغ تقلل انحناء الفضاء في تلك المنطقة. وعندما يمر ما يكفي من الوقت، ونتحدث عن وقت هائل بالنسبة للثقوب السوداء الواقعية ستتبخر تماما.

ويجب ألا يكون أي من هذا سببا في حرمان هوكنغ من الإنجازات العظيمة التي حققها في هذا المجال. فقد كان هو الذي تنبه للعلاقة العميقة بين الديناميكا الحرارية للثقب الأسود والإنتروبيا والحرارة. وهو من وضع القواعد العلمية لنظرية الحقل الكمومي والفضاء المنحني بالقرب من الثقب الأسود. وكان هو من  اكتشف خصائص طيف الطاقة الإشعاعية من الثقوب السوداء. ومن المناسب جدا أن تحمل الطريقة التي تضمحل بها الثقوب السوداء عن طريق إشعاع هوكنغ اسمه.

ولكن المماثلة المعيبة التي استخدمها في أشهر كتاب له ليست صحيحة. فإشعاع هوكنغ ليس انبعاثا للجسيمات ومضادات الجسيمات من أفق الحدث. لقد عرف ستيفن هوكنغ كيف تضمحل الثقوب السوداء ولكنه أخبر العالم رواية مختلفة، وحتى غير صحيحة، تماما. وقد حان الوقت لتصحيحها.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا