آخر الأخبار

اليسار الأردني.. قراءة في البدايات والمسار والمآلات؟ (2من2)

بسام ناصر الثلاثاء، 14 يوليو 2020 01:11 م بتوقيت غرينتش

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه. 

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السفييتي مع الثورة البولشيفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها...

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

"عربي21" تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية.. 

يواصل الكاتب والإعلامي بسام ناصر من أسرة تحرير "عربي21"، في الجزء الثاني والأخير من تقريره عن اليسار الأردني، استعراض مآلات الأحزاب اليسارية الأردنية بمعية ثلة من الخبراء والسياسيين.

تجربة اليسار من 1946 ـ 1957

يتوقف الباحث والمحلل السياسي الأردني، الدكتور عصام السعدي عند تجربة القوى اليسارية الأردنية في الفترة ما بين 1946 إلى 1957، ليصفها بفترة "نهضة اليسار" حيث استطاعت قوى اليسار الأردنية تحقيق حضور لافت في الحياة السياسية الأردنية، وتمثل "اليسار (الإصلاحي) بأحزاب الحركة الوطنية الأردنية في تلك الفترة، كالحزب الوطني بزعامة سليمان النابلسي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي الأردني، وحركة الضباط الأحرار الأردنيين". 

وأضاف لـ"عربي21": "وتمكنت تلك القوى مجتمعة من الوصول إلى البرلمان كقوى منتصرة لها الأغلبية البرلمانية، وتشكيل (الحكومة الوطنية) برئاسة سليمان النابلسي ومشاركة قوى اليسار الأردني الفائزة في البرلمان، نتيجة أول انتخابات برلمانية نزيهة منذ تشكيل الدولة الأردنية عام 1921".

 



لكن "فترة نهوض اليسار الأردني تلك" بحسب السعدي انتهت بالانقلاب الملكي على الحكومة الوطنية الأردنية في نيسان عام 1957، وعودة الديكتاتورية والقمع والسجون وحظر الأحزاب السياسية اليسارية والإصلاحية، وزج عشرات آلاف الأردنيين في السجون والمعتقلات، وفرض الأحكام العرفية على الشعب الأردني وقواه الحية حتى عام 1989، حيث هبة نيسان المجيدة التي أجبرت النظام على الانحناء للمطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي".

وتابع: "فكانت استجابة النظام محاولة منه لإعادة إنتاج نفسه بصورة جديدة، فتم إجراء ثاني انتخابات نزيهة عام 1989 ليتم الانقلاب لاحقا على الحالة الوطنية، وتعود الديكتاتورية كسلاح للنظام، ويتم تزوير الانتخابات النيابية منذ عام 1993 وحتى يومنا هذا، فضلا عن قمع النظام للحريات العامة والديمقراطية، وما تبعه من تجريف للحياة السياسية الوطنية والديمقراطية كما عليه الحال اليوم.

خريطة الأحزاب اليسارية بعد قانون الأحزاب 1992

بعد صدور قانون الأحزاب رقم 32 لسنة 1992، عادت الأحزاب للعمل بشكل علني، وكانت خريطة الأحزاب اليسارية تشتمل على ستة أحزاب بحسب بانوراما الأحزاب السياسية الأردنية الصادرة عن مركز القدس للدراسات السياسية في العاصمة الأردنية عمان. 

 



أول تلك الأحزاب هو الحزب الشيوعي الأردني، وقد حصل على الترخيص في 17/1/1993، إلا أن تأسيسه يعود إلى الأربعينييات، وأمينه العام الدكتور منير حمارنة، وقد أخفق الحزب في إيصال أي من مرشحيه في انتخابات 1993، وتعرض الحزب في مطلع السبعينيات لانقسام علني بخروج ما أُطلق عليه "الكادر اللينيني" منه، كما تأثر الحزب باستقلال الشيوعيين الفلسطينيين في الضفة الغربية عام 1981، وفي مطلع الثمانينيات وبعد انتخاب د. يعقوب زيادين أمينا عاما للحزب شهد انقساما ثانيا قاده السيد عيسى مدانات، وقد أدّت الخلافات التي عصفت بالحزب بسبب تعدد المواقف حيال حرب الخليج الثانية إلى إنقسامات وانشقاقات خرج على إثرها نائب الحزب عيسى مدانات على رأس تشكيل سياسي أُطلق عليه "الحزب الديمقراطي الاشتراكي". 

الحزب التقدمي هو ثاني الأحزاب في خريطة الأحزاب اليسارية، وقد تأسس في شباط 1993، الذي حمل سابقا اسم "حزب الحرية"، وكان ظهوره نتيجة انشقاق بعض العناصر القيادية من الحزب الشيوعي، وقد انتهج الحزب خطا يساريا ليبراليا لتمييز نفسه عن اليسار الأصولي، وضم بين صفوفه نقابيين وناشطات من الحركة النسائية. 

ثالث تلك الأحزاب هو الحزب الديمقراطي الوحدوي الأردني: يعتبر الحزب نفسه حزبا ديمقراطيا ويساريا وتجديديا، وأصبح اسم الحزب منذ عام 1998 حزب اليسار الديمقراطي برئاسة المهندس موسى المعايطة، نشأ في عام 1994 نتيجة لاندماج ثلاثة أحزاب سياسية وجناح منشق عن حزب يساري، وأعلن عن نفسه عام 1995، وضم الحزب كلا من:

أ ـ الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وتزعمه عيسى مدانات وكان قد انشق عن الحزب الشيوعي الأردني، ومثله نائب واحد في البرلمان.

ب ـ الحزب العربي الديمقراطي الأردني، وتزعمه مازن الساكت، وتأسس نتيجة لحوار سياسيين من اتجاهات مختلفة، تميز الحزب بأنه مزج ما بين الفكر القومي والوطني الأردني والأفكار الاشتراكية والليبرالية المعتدلة. 

ج ـ الحزب التقدمي الديمقراطي الأردني، وهو وليد انشقاق عن حزب الشعب (حشد)، ويرتبط بعلاقة وثيقة بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ومقرب من جناح ياسر عبد ربه الذي انشق عن ذات الجبهة عام 1991، وتم الإعلان عن تأسيس الحزب في بداية عام 1993.

أما رابع تلك الأحزاب فهو حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني: تأسس عام 1990 ويرتبط بعلاقة وثيقة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد تأسس بعد إقرار قانون الأحزاب السياسية والذي يمنع الارتباط بالخارج، تزعمه حينذاك عزمي الخواجا ثم الدكتور سعيد ذياب، تمثل الحزب في البرلمان في الفترة ما بين 89-93 من خلال نائب واحد، ولم يحالفه الحظ في انتخابات 1993.

حزب الشعب الديمقراطي الأردني (حشد) خامس تلك الأحزاب: تأسس عام 1989 نتيجة لتوجه قيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بتحويل منظمتها في الأردن (مجد) إلى حزب سياسي أردني له استقلالية، حصل على الترخيص عام 1993، لم يتمثل في البرلمان بعد انشقاق نائبه بسام حدادين عام 1994. 

سادس تلك الأحزاب هو حزب الشغيلة الأردني، وهو حزب منشق عن الحزب الشيوعي الأردني، تزعمه د. يعقوب زيادين، وعقد مؤتمره العام في أوائل حزيران (يونيو) 2002، ولا يوجد له تمثيل في البرلمان. 

انشقاقات الأحزاب اليسارية

تشير ظاهرة توالد الأحزاب اليسارية على الساحة الأردنية وانشقاقاتها إلى أن "قوى اليسار التي تعتبر من أكثر القوى تنظيما بعد الإخوان المسلمين وحزبهم جبهة العمل الإسلامي إلا أن العلاقات بين أطرافها على الرغم من التوافق المبدئي والأيديولوجي لم تخل من الصراع والتنافس غير الموضوعي وغير البرامجي والتي غالبا ما كانت تتمحور حول قيادة وتصدر الحركة الجماهيرية المنظمة ومؤسساتها" بحسب الكاتب يوسف الحوراني.

 

ويذكر الحوراني في دراسته المعنونة بـ "قراءة فـي ملامح أزمة الأحزاب السياسية الأردنية" أن "مثل هذا التنافس / الصراع (العصبوي التنظيمي) غالبا ما كان يفضي إلى نتائج ضارة بمصلحة هذه القوى وبالمصلحة الوطنية عموما، وقد منحت هذه الصراعات في أكثر من مرة الفرصة للسلطات بالتدخل والانقضاض على العديد من المؤسسات الجماهيرية والنقابية إما بالإغلاق أو الاستيلاء عليها، ولاحقا أتاحت مثل هذه الحالات المجال أمام القوى اليمينية والسلفية لأن تتصدر المؤسسات الجماهيرية والنقابية". 

ورأى الحوراني أن "قوى اليسار فشلت في تحقيق الحد الأدنى من التوافق والتحالف رغم أن ما يجمعها أكثر بكثير مما يباعدها وأن بعض التباينات الشكلية لم يكن ليقف دون تقاربها وإقامة علاقات متطورة ليس انطلاقا من مصلحة قوى اليسار فحسب، وإنما لضرورات وطنية وأساسا في توحيد وتجميع القوى الوطنية في إطار من العمل الجبهوي الموحد القائم على أسس برامجية توافقية تمثل قضايا الاتفاق، وهو ما عبر عنه فشل أكثر من تجربة على امتداد العقدين الأخيرين لتأسيس تيارات أو جبهات قائمة على تحالفات أو تجميع لبعض القوى والأفراد الذين هجروا أحزابهم وتنظيماته.

اليسار في الأردن وتحولاته الغريبة

من جهته قدم الكاتب والباحث الأردني، هشام البستاني توصيفا لليسار في الأردن بأنه "ابن لمدرستين انشقت عنهما مدرسة ثالثة: فالمدرسة الأولى هي الحزب الشيوعي الأردني الذي تشكل خطابه في مراحل التأسيس الأولى على المبادئ العامة المناهضة للاستعمار، وظل تحت عباءة السياسة السوفيتية، ورغم تعرض مناضليه إلى المطاردة والاضطهاد والتضييق والاعتقال والتعذيب لعقود، إلا إنه ومع مرحلة "الانفتاح الديمقراطي" التي تلت الانتفاضة الشعبية في نيسان عام 1989، تحول إلى ما يُشبه الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية (ليبرالية التوجه، ولكن بحجم متناه في الصغر".

وتابع حديثه لـ"عربي21" بالقول: "لم يشفع هذا الحجم الصغير له في البقاء متماسكا، فانشق عنه حزب الشغيلة الشيوعي الأردني (الذي عاد واندمج فيه بعد أن رفع قانون الأحزاب الجديد في الأردن عدد العضوية المطلوبة لتأسيس الأحزاب إلى خمسمائة، أي أن وحدة الشيوعيين تحققت استجابة لقانون الأحزاب، أي لمتطلبات السلطة، لا لمراجعات فكرية وتفاهمات أيديولوجية)، ونجح عدة مرات في تنفير العضوية الشابة إلى خارج صفوفه (استقالت مجموعات شبابية (16) من الحزب جماعيا مرتين على الأقل احتجاجا على مواقف الحزب السياسية المتخاذلة، وعلى احتكار المواقع القيادية، هذا إضافة إلى الاستقالات الفردية العديدة".

 

 


أما المدرسة الثانية فتتكون، بحسب البستاني من "الجبهتين الشعبية والديمقراطية، بعد أن "تفلسطنتا" إثر فقدانهما بُعدهما الأممّي الذي ميزهما عن غيرهما من حركات اليسار، وفقدانهما "ثوريتهما" بعد أن اعترفتا بقرارات (الشرعية الدولية) فيما يتصل بفلسطين، ومن ثمّ "تأردنتا" في حزبين هما حزب الوحدة الشعبية الأردني (الجبهة الشعبية)، وحزب الشعب الديمقراطي الأردني (الجبهة الديمقراطية)، ليستجيبا لشروط (الانفتاح الديمقراطي) عام 89 والمتمثلة بالاعتراف بشرعية النظام الحاكم في الأردن، والتقيد بأن تكون الحدود السياسية الانتدابية للأردن هي المجال الوحيد والنهائي للنشاط السياسي". 

وبيّن البستاني أن "المدرسة الثالثة انبثقت عن المدرستين السابقتين على شكل انشقاقات وطروحات نقدية تتعلق بعجز الأحزاب الكلاسيكية، التقليدية الشرعية عن تحقيق برامجها في مرحلة (الانفتاح الديمقراطي) وتحولها إلى هيئات ديكورية محتواة بالكامل من قبل السلطة. وقد طرحت مجموعات هذه المدرسة نفسها (ظاهريّا) كمعارضة بديلة، أكثر راديكالية وديناميكية وحركية، واستقطبت العديد من الشباب الذين تركوا الأحزاب، وأتاحت لهم حرية أكبر من العلم، لكن تبين أن أغلب هذه التنظيمات هي تنظيمات (الشخص الواحد)، أو (المجموعة الصغيرة)، معدة لإبراز شخص أو مجموعة غالبا ما يكونان مرتبطين بجناح من أجنحة السلطة، أو شخصية من شخصياتها المؤثرة، وبالتالي يُوظِّف هذا الشخص، أو تلك المجموعة حراك مجموعته لصالح صعوده السياسي أو زيادة نفوذه في دوائر صنع القرار". 

ولفت البستاني إلى أن "يسار المدرسة الثالثة بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في سورية، أخذ شكلا فاشيا بالكامل، وصار بأغلبه مؤيدا لسلطة بشار الأسد، ومؤيدا لإبادة المعارضة، ودفع بعمالة كل الانتفاضات العربية بأثر رجعي، بعد أن كان أيد قبلها الانتفاضتين التونسية والمصرية، وتحول في يوم وليلة إلى العداء التناحري مع الإسلاميين بعد أن كان – في جزء منه – من أشد حلفائهم قربا". 

وأضاف: "وانضم هذا (اليسار) إلى المشروع الإقليمي الإيراني بالكامل، وأيّد تدخل حزب الله في سورية بعد أن كان رموزه يقودون هجوما على إيران و(المشروع الصفوي) أثناء احتلال العراق وصعود الطائفية فيه، وتحول يسار المدرسة الثالثة إلى مؤيد للكيانات القطرية الوظيفية، وصار مدافعا شرسا عنها وعن مجموعاتها الحاكمة القمعية بعد أن كانا رمزين للتبعية والتجزئة، وصار أيضا مؤيدا للعسكر في مصر، وانقلب على مقولاته السابقة المتعلقة بالجيوش والأجهزة الأمنية العربية لتتحول في خطابه من كونها مخصصة لحماية (إسرائيل) وقمع الشعب، إلى كونها العنصر الوحيد ذو البنية المدنية في (الدولة)، والضامن الوحيد لتماسكها، والأمل الوحيد لشعويها".

وخلص البستاني في نهاية كلامه إلى تقديم توصيف لما استقر عليه حال اليسار في الأردن بأنه "تيارات تتوزع بين طيف يبدأ بالليبرالية، وينتهي بالفاشية الصرفة، وتتراوح في درجة تبعيتها للمجموعة الحاكمة بين التوسّل والتسوّل، والارتباط المباشر بأجهزة المخابرات، ولعل هذه هي النقطة المناسبة لنبدأ التفكير في ماهيّة اليسار ومحدداته" وفق قوله. 

 

إقرأ أيضا: اليسار الأردني.. قراءة في البدايات والمسار والمآلات؟ (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا