آخر الأخبار

من بيروت إلى بكين: عودة الحوار عن الشرق والمشرقية والحياد الإيجابي

قاسم قصير الأربعاء، 15 يوليو 2020 04:17 م بتوقيت غرينتش

في العام 2017 أصدرت سلسلة عالم المعرفة التي يشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب في الكويت؛ كتابا هاما من جزئين يحملان الرقمين 454 و455 بعنوان: "ثلاث مدن مشرقية: سواحل البحر الأبيض المتوسط بين التألق والهوية"، لمؤرخ البلاطات والأسر الحاكمة فيليب مانسيل. وترجم الكتاب الباحث المصري الدكتور مصطفى محمد عبد الله قاسم. ويتحدث هذا الكتاب القيّم عن منطقة المشرق وتاريخ تطور ثلاث مدن مشرقية هامة، وهي الإسكندرية وبيروت وسميرنا (المعروفة اليوم باسم أزمير التركية).

ويعتبر المؤلف: أن المشرق يضم الأراضي الواقعة على الشواطيء الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وهي تحديدا الدول الحديثة: اليونان وتركيا وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر، التي كانت من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين جزءا من الإمبراطورية العثمانية. وفي عصر الحروب الدينية، كان هذا المشرق وتحديدا موانئه، بوتقة للتجاور بين مختلف الأديان والأقوام، وانتصبت فيه المساجد والكنائس والمعابد جنبا إلى جنب، وتجاورت فيه اللغات والثقافات والمواريث القومية، وكان نموذجا للتعايش بين الأديان والأقوام، رغم الصراعات والحروب التي حصلت في مدنه المختلفة.

أهمية استعادة الكتاب اليوم (ومؤلفه أوروبي متخصص بتأريخ الملوك والبلاطات والعصور الملكية) تأتي نظرا للسجالات القائمة حول الشرق والمشرقية والدعوة إلى الحياد.. هذه النقاشات الدائرة في بيروت، والممتدة إلى أكثر من عاصمة عربية وإسلامية، وصولا للمشروع الذي تطرحه الصين حول استعادة طريق الحرير، والذي تجدد مؤخرا في مرحلة ما بعد انتشار فيروس كورونا في العالم، والذي أدى لبروز الصراع المباشر بين الصين وأمريكا حول قيادة العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا.

وقد أعدّ المفكر اللبناني العربي الأستاذ سعد محيو كتابا هاما (وهو قيد المراجعة والنشر) بعنوان: "القيم المشرقية"، ومن خلاله يقدّم أطروحة جديدة لاستعادة دور الشرق والمشرق والثقافات المشرقية في ظل أزمة الغرب والرأسمالية، والتي برزت بوضوح بعد انتشار فيروس كورونا. وهذا المشروع استكمال لما طرحه سابقا محيو ومنتدى التكامل الإقليمي؛ من دعوة إلى حوار عربي- تركي- إيراني- كردي والتعاون الإقليمي لمواجهة الأزمات والحروب.

ومؤخرا برزت في بيروت (وقبلها في بغداد) الدعوات مجددا للتعاون مع الشرق لمواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية. وعنوان الشرق يتضمن كل المنظومة الآسيوية الممتدة من بيروت حتى بكين، ويمكن أن تضم ايران وتركيا وروسيا وباكستان وإندونيسيا وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية والهند واليابان وماليزيا، وغيرها من الدول الشرقية. لكن للأسف تم تصوير هذه الدعوة وكأنها تهدف لتغيير وجه لبنان، أو قطع العلاقات بينه وبين الغرب والدول العربية. كما أن هذه المحاولة جرى إجهاضها في العراق بعد أن قام رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي بعقد صفقة اقتصادية ضخمة مع الصين بمئات المليارات من الدولار، ولكن جرى بعد ذلك تحريك التظاهرات ضد حكومته مما أدى إلى إسقاطها، ثم توقفت هذه الصفقة الضخمة.

 

إشكالية الصراع بين الشرق والغرب ليست جديدة، ولا سيما في القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية


والمعروف أن إشكالية الصراع بين الشرق والغرب ليست جديدة، ولا سيما في القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية، حيث نشأت كتلتان سياسيتان كبيرتان؛ الأولى باسم الكتلة الغربية بقيادة أمريكا وباسم الحلف الأطلسي، والثانية برئاسة الاتحاد السوفييتي وتضم الكتلة الشرقية الشيوعية وباسم حلف وارسو، وحصلت الحرب الباردة بينهما طيلة القرن العشرين وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي.

وفي المقابل، برزت دعوات في العالم لتشكيل منظومة حيادية باسم دول عدم الانحياز، وقاد هذه المحاولة الرؤساء الثلاثة: عبد الناصر وتيتو وغاندي، وعقد المؤتمر التأسيسي في باندونغ، وكانت الصين تدعم هذه المنظومة.

كما أن شعار "لا شرقية ولا غربية" تبناه الإمام الخميني خلال ثورته على الشاه في إيران، وهو منبثق من القرآن الكريم الذي ورد في آياته الكريمة في سورة النور: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (35).

لكن هل طرح دعوة الذهاب إلى الشرق تأتي في سياق مواجهة الغرب؟ وهل استعادة الثقافة الشرقية أو المشرقية هي من أجل الرفض الكامل للثقافة الغربية أو التعاون المطلق مع الغرب؟ وماذا تعني دعوة الحياد الإيجابي أو عدم الانحياز اليوم؟ هل هي بين محوري الشرق والغرب، أو بين المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة؟ أو عن الصراع مع العدو الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية؟

 

كل هذه الدعوات تحتاج إلى تدقيق وإعادة تعريف للمصطلحات، لتحديد ما هو المطلوب في ظل التداخل الكبير في الثقافات والمصالح والعلاقات بين الدول. فلم يعد بالإمكان تقسيم العالم بين شرق وغرب


كل هذه الدعوات تحتاج إلى تدقيق وإعادة تعريف للمصطلحات، لتحديد ما هو المطلوب في ظل التداخل الكبير في الثقافات والمصالح والعلاقات بين الدول. فلم يعد بالإمكان تقسيم العالم بين شرق وغرب، وحتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخلت عمليا عن شعارها الهام: لا شرقية ولا غربية، وأصبحت لها علاقات قوية مع روسيا والصين والهند، إضافة لعلاقاتها الإقليمية مع دول الجوار، كتركيا وباكستان ودول الخليج والعراق.

نحن اليوم في عالم متداخل ومتفاعل، وإذا كانت هناك ضرورة للاستفادة من القيم والثقافات المشرقية أو الشرقية، سواء كانت ديانات توحيدية أو منظومات أخلاقية وثقافية أطلقها بعض المفكرين وأصحاب الرؤى الأخلاقية، كما هو الحال في الصين واليابان والهند، فان الانقطاع عن ثقافة الغرب وتطوره وتكنولوجياته وعلومه؛ أصبح من المستحيل، مع العلم أن معظم هذه العلوم قد انتقلت أيضا إلى دول الشرق التي شهدت تطورا علميا هاما، كما هو الحال في كوريا الجنوبية والهند والصين، إضافة للتطور الاقتصادي والمدني الحاصل في هذه الدول، وفي ماليزيا واندونيسيا وهونغ كونغ وسنغافورة وغيرها.

قبل الحرب الأهلية في لبنان في العام كانت بيروت تسمى "سويسرا الشرق"، وكان لبنان يفتخر بأنه جسر التواصل بين الشرق والغرب، واليوم بدل تخييرنا بين الشرق والغرب أو تبني مشروع الحياد غير الواضح، لماذا لا نعود لنلعب الدور الفاعل في الحوار والتفاعل بين كل هذه الثقافات، ونتحول إلى مركز لمواجهة الصراعات والحروب بدل أن نكون جزءا من هذه الصراعات؟

هذا هو التحدي الكبير وهو الطريق الأساس لمواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية، ومن خلال التعاون الإقليمي نستعيد دورنا المشرقي الهام دون أن نتخلى عن حقنا في مواجهة الاحتلال الصهيوني واستعادة أراضينا المحتلة، وإعادة بناء دولنا على أسس صحيحة من الديمقراطية والتنمية وحماية حقوق الانسان.

وقد يكون كتاب "ثلاث مدن مشرقية" الصادر عن عالم المعرفة، والكتاب الذي سيصدره الأستاذ سعد محيو حول القيم المشرقية، وكتاب الأستاذ أنيس نقاش باسم "كونفيدرالية المشرق"، وغيرها من الكتب عن الشرق وثقافته ومدنه وأديانه وجغرافيته.. كلها مفيدة لفتح نقاش حقيقي حول الشرق والغرب اليوم في هذا العالم المتحول، والذي لا يستطيع أحد أن يحدد اتجاهه في المرحلة القادمة، في ظل استمرار انتشار فيروس كورونا وتأثيراته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية والسياسية.

twitter.com/KassirKassem

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا