آخر الأخبار

العنصرية بوجهها العربي.. الجزائر نموذجا (1من2)

الجزائر ـ عربي21 ـ حسان زهار الجمعة، 17 يوليو 2020 01:49 م بتوقيت غرينتش

بينما طفق العالم يكتشف في نصف كرته الأرضية الشمالية، كيف اختنق المواطن الأمريكي جورج فلويد، تحت أقدام شرطي أبيض، في لحظة كانت فيها العنصرية تمنعه من التنفس، كان العالم العربي يعود إلى نفسه في لحظة صفاء، ليفاخر العالم الغربي بأنه من أمة، امتلكت دينا عظيما، شرع الحرية والمساواة بين البشر قبل حوالي 15 قرنا، حين كان فيها سيدنا بلال الحبشي كرم الله وجهه، لا يستطيع بدوره أن يتنفس تحت سياط التعذيب، قبل أن يخرج منتصرا بفضل كلمة التوحيد.. أحد أحد.

غير أن تلك النوستالجيا الغارقة في الروحانيات الإسلامية المتوارية، سرعان ما تتكسر على أرض الواقع، وقد تصاعدت في ربوع الوطن العربي مجددا أصوات الجاهلية الأولى، تتنادى بالقومية والقبلية والعرقية والجهوية والمناطقية والمذهبية، حتى صارت العنصرية بيننا "عنصريات"، تتقذافها الكيانات الفئوية بينها على أرض الواقع وفي مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها "ملح الطعام" الذي لا تحلو معركة دونه.

ورغم أن الله سبحانه وتعالى يُجدد الآيات لخلقه، أن لا فرق بين عربي وأعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى، وقد تجسدت اليوم تلك الآيات بوضوح في طبيعة وطريقة انتشار فيروس كوفيد 19، الذي لم يفرق بين جنس أصفر أو أبيض أو أسود، ولا بين بوذي ومسيحي ومسلم أو ملحد، إلا أن نوازع الإنسان "الشريرة" التي رافقته منذ عصوره القديمة، ظلت تقنعه بوجود فوارق وعناصر موروثة  بطبائع الناس، أو نتيجة الانتماء إلى جماعة أو عرق تجعله "إنسانا أعلى"، يحق له أن ينظر لغيره من الناس بنظرة استعلاء وازدراء.

فهل يمكن معالجة هذا الإشكال القديم وقد فشلت في اجتثاثه الشرائع والقوانين وفلسفة الأخلاق وتطور الحضارة والتكنولوجيا؟ ومن أين نبدأ حتى لا تتكرر استغاثة "لا أستطيع التنفس" اللعينة مجددا، ليس تحت أرجل الآخر المختلف، وإنما أيضا تحت وطأة نظرة احتقار الإنسان لأخيه الإنسان الذي كرمه الله وحرم أن يهان بكلمة أو نظرة علاوة على قتله أو التنكيل به لأنه لا يحمل الجينات نفسها أو لديه وجهة نظر مختلفة للحياة؟.

العرب والعنصرية

إن محاولة تجاوز ظاهرة العنصرية الغربية التي عبرت عن نفسها منذ مارتن لوركينغ إلى غاية جورج فلويد، هو اختزال كبير للعملية لأنها مرتبطة بجرائم الاستعمار القديم منذ عمليات الإبادة التي شرعت فيها الصليبية في الأندلس ضد المسلمين، وفي العالم الجديد ضد الهنود الحمر، إلى غاية خروج آخر جندي من الاحتلال من أراضينا.. غير أن ما يهمنا الآن هو تحسس هذا الفيروس الخطير في عالمنا العربي، والذي على الرغم من قدمه واستناده في علته على فلسفة الاعتزاز بالقبيلة، والافتخار بالأنساب والأحساب، ما تسبب في نشوب حروب عبثية كانت فيها حروب داحس والغبراء قمة هذا الانهيار، إلا أن قيم المروءة والكرم حينها خففت الوطء، حتى جاء الإسلام الذي أعلى من القيم النبيلة، وحارب بشراسة العصبية القبلية، وعنصرية الجنس أو العرق أواللون، وأقام حضارة رائدة ركيزتها الأخوة في الدين، وجعل المفاضلة بين الناس لا تكون إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

غير أن الإسلام العظيم الذي رفع بلال بن رباح الحبشي الأسود البشرة، وحط من قيمة "أبو لهب" وهو على ما هو من سادة قريش، عندما تراجع تأثيره في القلوب، عاودت النعرات العرقية والطائفية والطبقية الظهور من جديد وبقوة في أوطاننا العربية، حتى كدنا نتفوق فيه من حيث اختزان العنصرية بأشكالها، على المجتمعات الغربية نفسها، حيث انفجرت العنصريات ضد الجنسيات والقوميات والأديان والمذاهب والألوان بشكل مخيف، إلى درجة أنها كانت من بين أبرز أسباب الحروب والصراعات في دول كالعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان .

هذه العنصرية المقيتة، التي تمتد في أوطاننا من موريتانيا، حيث استمرار العبودية وظاهرة (الرق) على أساس اللون، إلى باقي بلدان المغرب الكبير، حيث تشتعل حرب عرقية ضروس بين العرب والأمازيغ حول أصول المنطقة، وإلى غاية دول الخليج، حيث الترتيب الهيكلي للعائلات والقبائل، والنظرة الدونية للخليجيين من اصول إفريقية وظاهرة ما يسمى بـ (البدون)، تساهم أيضا في معارك من نوع آخر على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى درجة تكاد معها تتراجع قضايا الأمة المصيرية بشكل حاد مثل القضية الفلسطينية عن دائرة الاهتمام، أين تجاوزت العنصرية الصهيونية كل الحدود.

الجزائر نموذجا

ولعل الجزائر التي نأخذها هنا كعينة لهذا الواقع العربي المؤسف، هي عنوان كبير لدراسة ظاهرة التمييز العنصري والنزاعات العرقية والدينية والمذهبية والجهوية والمناطقية والعروشية (القبلية)، التي ازداد نطاق تأثيرها بشكل غير مسبوق، بسبب انتشار صفحات "الفيسبوك" و"تويتر"، وقد أدت في كثير من الأحيان إلى مواجهات دامية، بين عروش أو مجموعات شباب أو أنصار فرق كروية وأحيانا إلى مواجهات مع قوى الأمن، تحت شعارات وهتافات عنصرية.

كما وجدت في الجزائر عنصرية ضد السود، سواء من الأفارقة الذين يهاجرون إلى الجزائر طمعا في الوصول إلى أوروبا، أو حتى من الجزائريين أنفسهم من قاطنة الصحراء، ولعل من أبرز معالم هذه العنصرية التي تتواجد بين الشباب أكثر، توصيفهم لمن له بشرة سمراء بـ "الكحلوش"أو "النيقرو"، تحقيرا وإهانة له. وإلى جانبها العنصرية المناطقية أو "الجهوية" التي تنتشر في عمليات التوظيف خاصة.

غير أن أخطر أنواع العنصرية المتفشية حاليا، هي بين العنصر العربي وجزء من العنصر الأمازيغي، المتأثر بالأطروحات الفرنسية في "المسألة البربرية"، من حيث إيجاد هوية معاكسة أو معادية للهوية العربية، وليست كما كانت طوال القرون الماضية منذ دخول الإسلام، أين كانت الأمازيغية هوية منسجمة وضمن الهوية العربية الإسلامية الجامعة، حتى أن هذا المعطى في الصراع، الذي أخذ بعض معالم حراك المغرب الذي أخذ بدوره طابعا "أمازيغيا"، كان السبب المباشر وراء انقسام الحراك الجزائري، الذي انطلق في 22 شباط (فبراير) من العام الماضي ضد حكم بوتفليقة، بعد إصرار جهات على رفع ما يسمى بـ "الراية الأمازيغية" للتمايز عن بقية الجزائريين الذين يرفعون الراية الجزائرية المعروفة.

 

أخطر أنواع العنصرية المتفشية حاليا، هي بين العنصر العربي وجزء من العنصر الأمازيغي، المتأثر بالأطروحات الفرنسية في "المسألة البربرية"، من حيث إيجاد هوية معاكسة أو معادية للهوية العربية، وليست كما كانت طوال القرون الماضية منذ دخول الإسلام، أين كانت الأمازيغية هوية منسجمة وضمن الهوية العربية الإسلامية الجامعة،

 



وتشكل هذه العنصرية المتنامية بين المتطرفين من العرب والمتطرفين من الأمازيغ، خطرا كبيرا على وحدة وسلامة الجزائر، حيث بدأت تظهر جماعات "انفصالية"، خاصة في منقطة القبائل، وأخرى شوفينية غاية في الخطورة، تدعو الى إقصاء الآخر، وإعادة العرب إلى شبه الجزيرة العربية من حيث جاؤوا كما يزعمون، وتقابلها دعوات لإخراج القبائل إلى مناطق شرق أوروبا كبلغاريا، حيث يعتقد أنهم هم أيضا قد جيء بهم من هناك.. وهكذا معارك لا تنتهي.

هذا الوضع دفع بالسلطات الجزائرية إلى دق ناقوس الخطر، وإلى اعتماد قانون مكافحة العنصرية والكراهية، شددت فيه العقوبات على أصحاب هذه الدعوات العنصرية الكريهة، مع إنشاء مرصد وطني للوقاية من التمييز وخطاب الكراهية، كما سارعت إلى استحداث مرصد وطني آخر لمكافحة التطرف المذهبي، في محاولة لوقف سيل هذه الظواهر الغريبة عن المجتمع الجزائري، الذي عاش طوال القرون الماضية في انسجام وتناغم كبيرين بين جميع مكوناته، قبل أن تغزوه أخيرا هذه الفيروسات المهلكة، والتي هي جلها صناعة استعمارية، عمل على زرعها في البلاد قبل أن تبدأ اليوم في إظهار رأسها.

ويمكن أن تصل عقوبة خطاب الكراهية والتمييز العنصري بحسب القانون الجديد إلى 10 سنوات سجنا، إضافة لغرامات مالية، كما بإمكان الجمعيات الناشطة في إطار حقوق الإنسان تحريك الشكاوي ضد هذا النوع من الجرائم، والتأسي كطرف مدني لدى الجهات القضائية، مع إمكانية تتبع مرتكبي هذه الجرائم خارج الجزائر، عبر تفعيل اتفاقيات التعاون القضائي الدولي.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا