آخر الأخبار

اليسار السوري بين النزوع التغييري وعطالة الأيديولوجيا (2من2)

كريم أبو حلاوة الثلاثاء، 21 يوليو 2020 12:50 م بتوقيت غرينتش

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه. 

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السوفييتي مع الثورة البلشفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها...

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

"عربي21" تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية..

يواصل الباحث السوري الدكتور كريم أبو حلاوة، في الجزء الثاني والأخير من ورقته التي أعدها خصيصا لـ "عربي21"، عرض مسار اليسار السوري ومآلاته.

(3)

أما موضوعياً، فإن مستوى تطور البنية الاجتماعية قد غلب عليه طابع العلاقات الزراعية وأنماط الملكية الفردية للحيازات الزراعية إلى جانب ضعف الإنتاج الصناعي وغلبة طابع الخدمات على الإنتاج السوري، ما يعني أن الأنصار العضويين لأفكار وتنظيمات اليسار، وهم العمال، لا يشكلون سوى نسبة قليلة من أفراد المجتمع. مع إن تاريخ الحركات الفلاحية في سورية يبيّن أن الفلاحين في غالبيتهم العظمى ينتسبون إلى الفئات والشرائح الكادحة في المجتمع السوري.

وعلى صعيد السيكولوجيا الجمعية والطابع الغيبي للذهنية السائدة، يمكن فهم دوافع مقاومة الأفكار اليسارية والثورية ذات الطابع التغييري، ذلك أن الذهنية الإيمانية والقدرية تعتبران التفاوت في الغنى والفقر أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعديل، فالدنيا نصيب، ويمكن من خلال التبرعات والصدقات والزكاة التي يقدمها الأغنياء للفقراء أن تقلص الفوارق وتحسن الأوضاع، لكنها بالتأكيد لا تستطيع إلغاء الفوارق الطبقية ولا العوامل الموضوعية لتوزيع الثروة وامتلاك وسائل الإنتاج، باعتبارها هي العوامل المفسّرة لوجود الفقر المدقع والغنى الفاحش في مجتمع واحد.

ومقابل الحضور الهامشي لليسار السوري بالمعنى السياسي، لا بدّ من ملاحظة ألقه وتفوقه فنياً وثقافياً وتميزه فكرياً. وليس أدل على ذلك من مؤلفات وكتابات بو علي ياسين، وياسين الحافظ، وإلياس مرقص، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وممدوح عدوان، ومعها كتابات صادق العظم وطيب تيزيني وياسين الحاج صالح قبل أن يتخذوا مواقف ملتبسة ومن ثم منحازة في فهم وتفسير “الحراك” والأحداث التي جرت في سوريا بعد عام 2011. فإنتاج هؤلاء في مجالات الفلسفة والفكر والأدب المسرحي والروائي المتنوع وبسويّة فنية عالية شاهدٌ آخر على الهامشية السياسية لليسار السوري مقابل تفوّقه الإبداعي.

 

مقابل الحضور الهامشي لليسار السوري بالمعنى السياسي، لا بدّ من ملاحظة ألقه وتفوقه فنياً وثقافياً وتميزه فكرياً.

 



ولعلّ ما يفسر ذلك جزئياً أن معظم المثقفين السوريين من ذوي الميول اليسارية هم في غالبيتهم ممن تركوا الأحزاب الشيوعية واليسارية أو لم ينتسبوا إليها أساساً، لكنهم في توجهاتهم الفكرية والفلسفية ورؤاهم الثقافية أقرب إلى اليسار من خلال استلهامهم لقيم العدالة ومقاومة الظلم ونظرتهم المساندة للتغيير الاجتماعي والسياسي والقيمي. فمواقف اليسار العربي عموماً من التراث مثلاً، مكّنت بعض من أبرز قرّاء التراث من إعادة التفكير فيه، وبناء صورته الفعلية أو المتخيلة استناداً إلى ميل راديكالي تجاوزي مستلهم من بعض اللحظات الإسلامية، ومن ثورة القرامطة والزنج، ومن كتابات المتصوفة كالحلاج وابن الفارض والخيّام والسهروردي وابن عربي، وبعض أفكار المعتزلة وعلماء الكلام، وصولاً لكتابات ابن رشد العقلانية ونقده العميق لأفكار الأشاعرة والتيار النقلي السلفي تاريخياً. مثلما عبّر مفكرو عصر النهضة العربية مثل سلامة موسى وفرح أنطون ومحمد عبده ومن ثمّ طه حسين ونصر حامد أبو زيد والجابري وعبد الإله بلقزيز ومهدي عامل وحسين مروة وجورج طرابيشي وغيرهم، والذين وظفوا وبدرجات متباينة مناهج النقد الحديث لإعادة قراءة التراث العربي من وجهة نظر حداثية. أي أن هذا التباعد عن المواقف الإيديولوجية لأحزاب اليسار العربي تاريخياً وراهناً قد أعطى هؤلاء المفكرين هوامش أوسع للتفكير والتعبير خارج القوالب الإيديولوجية المسبقة، وأعطى لمساهماتهم بعداً تجاوزياً يقع في صميم فلسفة التغيير.

لكن التفاوت في أداء اليسار بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي والثقافي، يحيل على خلل وقصور أبعد من الالتزام الحزبي التنظيمي والتقيد بالمبادئ والشعارات، ليصب في خانة قصور تيارات اليسار عن متابعة التطورات الفلسفية والفكرية التي طرأت على الماركسية، سواء على يدي غرامشي ومدرسة فرانكفورت النقدية، عند كلّ من أدرنو وهابرماس وأريك فروم، أو التجديدات اللاحقة على انهيار المنظومة الاشتراكية والتي تحدثت عما وراء الشيوعية والرأسمالية، وانحازت إلى مقولات الديمقراطية الاجتماعية ودولة الضمان الاجتماعي والرفاه، وصولاً إلى أطروحات الطريق الثالث التي دعت إلى إعادة النظر بأدوار الدولة والمجتمع المدني والأسرة، ونقد البعد الإيديولوجي المسيطر على فهم اليمين واليسار لهذه الأدوار كما تجلّت في كتابات “أنتوني غيدنز” في تنظيره للطريق الثالث والذي يدعو فيه لإعادة تجديد الديمقراطية الاجتماعية بوصفها النموذج الواقعي والممكن لتحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الأعمق.

ما يسمى باللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين عام 2003 والتي عرفت ايضاً باسم حزب الإرادة الشعبية.

(4)

وليست التحولات التي أصابت الاقتصاد العالمي وانكشاف دعاوى الليبرالية المتوحشة وازدياد الاستقطاب والتفاوت بين الأغنياء والفقراء محلياً وعالمياً سوى ظروف موضوعية يفترض بها أن تجدد دماء الحركات اليسارية عالمياً وتمنح للتيار النقدي اليساري الكثير من الوجاهة والمشروعية في مواجهة أشكال الخلل وتزايد الاستغلال والعبوديات المعاصرة والتي أخذت تلقى العديد من أشكال الاحتجاج والمقاومة في المراكز الغربية نفسها.

وليس أدل على ذلك سوى المظاهرات والاحتجاجات الضخمة والتي توسعت وطالت كافة المناطق والمدن والولايات الامريكية ضد سياسات التمييز العنصري والثقافة العنصرية والتي امتدت لتشمل باريس ولندن وبرلين وسيدني واثينا وسواها وإذا كان مقتل جورج فلويد الشرارة التي فجرتها وهذا طبيعي ومفهوم ففي عالم اليوم، الذي ينطوي على مقدار كبير من التناقضات والظواهر المتعارضة والمتعايشة في مكان واحد وبلد واحد وأسرة واحدة وحتى في شخص واحد، بات من المستحيل اخفاؤها أو تجاهلها.

 

ليست التحولات التي أصابت الاقتصاد العالمي وانكشاف دعاوى الليبرالية المتوحشة وازدياد الاستقطاب والتفاوت بين الأغنياء والفقراء محلياً وعالمياً سوى ظروف موضوعية يفترض بها أن تجدد دماء الحركات اليسارية عالمياً

 



فمن جهة انفتاح وتعايش وعولمة وتنافس وثورة معلومات لكل من يرغب  في معرفة كل ما يجري على المستويين الجمعي والفردي، ومن جهة أخرى أخرى غطرسة قوة وسياسات تمييزية وصراعات حضارية ومظاهر القوة ومحاولات لفرض الهيمنة بوصفها ممارسة ثقافية مدعومة مالياً وسياسياً من المراكز المتحكمة في عالم اليوم على الهوامش والأطراف والبلدان الأخرى. وكأن لسان حال الإنسان المعاصر يقول تزداد مظاهر حريتي واشكالها بنفس الوقت التي تتكرس ملامح عبوديتي المعاصرة وأتحول إلى ذرة في محيط هذا الكون الواسع ، يزداد وعيي وتعليمي ورفاهي، وبنفس الوقت تتكاثر همومي ومسؤولياتي وأعبائي... تحت الضغط. والكل يبحث عن توازن مفقود يصعب الوصول اليه وكأننا نعيد كتابة المقولة الصوفية الشهيرة " يا لشقاء العارف ويا لمتعته معاً .

(5)

فهل تطرح البشرية على نفسها مهام لا تستطيع حلها، أم ان طرح المشكلة ووعيها هو جزء من عملية الحل كما كان يحلو لماركس أن يقول؟ 

ما يلفت النظر انه من حيث المبدأ تتوافر العديد من المحددات والشروط الموضوعية التي يفترض بها ان تشكل عوامل مساعدة على انتشار الفكر اليساري . وما تعمق الاستغلال والتفاوت الطبقي داخل وبين البلدان وتباين المصالح والحروب ، والخلل الكبير في توزيع الثروة والدخل والسياسات المنحازة إلى الطرف الأقوى، سوى مكونات تشكل بيئة خصبة تتلاقى مع اطروحات الفكر اليساري في العدالة الاجتماعية والتحرر الإنساني. لكن هذه الظروف او الشروط الموضوعية لا تكفي لوحدها للوصول إلى التغيير فعملية التغيير تتطلب وعياً نظرياً معمقاً وفكراً ينتمي عضوياً بتعبير غرامشي إلى الفئات والطبقات والشرائح الاجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، و يتطلب إرادة وعمل منظم وإلا فإن ما يعتبره اليساريون عموماً قضايا عادلة معرض للهزيمة وكما حدث كثيراً في التاريخ. ما يعني ان البشرية قد تطرح على نفسها العديد من المهام التي لا تستطيع القيام بها. هنا ولأن ـ أو في هذا المستوى من التطور الحضاري والوعي السياسي، فتتحول إلى أشكال من اليوتوبيا والتطلعات غير القابلة للصرف. 

(6)

خلاصات

اللافت هو تحول الماركسية من نظرية ورؤيا لتفسير العالم وتغييره إلى دوغما، وبعد أن تسلحت بأخر منجزات العلم في تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية، ومن الأفكار الفلسفية الكبرى في زمانها ووظفت قوانين الجدل في مراحلها التأسيسية، أصبحت تدريجياً أيديولوجيا تدعي أنها الوحيدة العلمية والصحيحة معرفياً، الأمر الذي يفسر جمودها الفكري وجنوحها نحو الاستبداد وضعف آليات الدمقرطة داخل احزابها والبلدان التي حكمتها. مع استثناءات قليلة، ويا للمفارقة، جاءت من البلدان الرأسمالية التي انتقدتها. أي أن التطورات والتجديدات التي قام بها الفكر اليساري عموماً قد جاءت من البلدان الغربية بألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ممثلة بمدرسة فرانكفورت، وبلدان اسكندنافيا التي طورت نماذج دولة الرفاه والضمان الاجتماعي ثم من مقولات الديمقراطية الاجتماعية التي تجاوزت مقولات اليمين واليسار  التقليديين في طروحات الطريق الثالث  وإعادة بناء الديمقراطية الاجتماعية .
 
بقي اليسار السوري عبر تاريخه المديد هامشياً على المستوى السياسي رغم استفادته من الأدبيات العالمية لليسار، ومن توظيف بعض المفكرين العرب لرموز التراث المضيئة، وربط الفكر اليساري بمقولات الفكر والتيار العقلاني في الفلسفة العربية الإسلامية وخصوصاً في مرحلة نضجها كما قدمتها كتابات ابن رشد والنهضويين العرب الأوائل امثال عبد الرحمن الكوكبي ومحمد عبده وأديب أسحق وطه حسين، ثم محاولات إعادة كتابة التراث وتأويله كما فعل الجابري وطيب تيزيني وكريم مروة ومهدي كامل وعبد الاله بالقزيز وسواهم، لكن هذا الإرث الغني والعمق الحضاري الكبير لم يصمد أمام اجتياح الإسلام السياسي الدعوي والجهادي للمجتمعات العربية لدرجة تحول فيها العديد من اليساريين والماركسيين إلى التنظيمات الإسلامية.
 
سوى أن الخلاصة الأهم هي تراجع مساهمة اليسار السوري في إنتاج فكر نقدي عقلاني وغير متعصب وعلمي إزاء العديد من الظواهر والأحداث التي شهدتها سوريا، ألا يستحق الحدث السوري بكل تعقيداته وافرازات الحرب الطويلة والأثمان الباهظة التي دفعناها جميعاً إنتاج معرفة نقدية معمقة وفوق أيديولوجية بظواهر السياسة والاجتماع والثقافة التي ولدتها إكراهات الحرب؟ وهل امتلك اليسار    بصيغته الماركسية والقومية القدرة على نقد تجربته وإعادة تقييم لمواقفه وممارساته خصوصاً وأنه أقدر من غيره من الناحية المعرفية للقيام بمراجعات كهذه، سواء تعلق الأمر بالمواقف من الأصوليات كلها أو بظواهر الإرهاب وقضايا اللجوء والنزوح في المجتمع السوري، أو بنقد التعصب، أو بالموقف من قضايا المرأة، أو فيما يتعلق بالنصوص والسرديات الكبرى، وخصوصية مجتمعاتنا وهويتها وصولاً إلى المساهمة في رسم ملامح مستقبل سورية؟ 

أعتقد أن الفكر النقدي ولأنه شكاك ومدقق ومستقل أيضاً ويمتلك نزعة لتجاوز الأيديولوجيات مطالب  بمباشرة هذه المهمة الثقافية والسياسية وما لم يفعل ذلك سيتخلى عن واحدة من أبرز وظائفه ومهماته ويتركها لجهات وتيارات فكرية أخرى لم تتبلور ملامحها بدرجة كافية بعد.

 

إقرأ أيضا: اليسار السوري بين النزوع التغييري وعطالة الأيديولوجيا (1من2)

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا