كتاب عربي 21

انتخبوا الحاج رجب رمز الكنكة!

سليم عزوز
1300x600
1300x600

لا أعرف سر السعادة التي تملكت الحاج رجب، المرشح لعضوية مجلس الشيوخ المصري، وهو يستمع إلى أن رمزه الانتخابي هو الكنكة. فقد شاهد رواد منصات التواصل الاجتماعي الحاج رجب ولفيفا من المشجعين معه، وهم يحتفلون بهذه اللحظة التاريخية من عمرهم وعمر مرشحهم الحاج رجب الذي كان أكثرهم سعادة بطبيعة الحال، وعبّر عن ذلك بوصلة رقص تجاوزت أداء الرجال إلى من دونهم. وللدقة فقد كانت خليطا بين هذا وذاك، بل كانت حركاته مزيجا بين الهزل والجد، لنكتشف بما فعلَ نماذجَ المرشحين لعضوية مجلس "الأعيان" أو "الحكماء"، بحسب تعبير الرئيس السادات!

فالرئيس الراحل هو من أخذ بنظام الغرفة التشريعية الثانية، بإنشائه مجلس الشورى. وكان غرفة باهتة الأداء من أول يوم، ولم تدب فيه الحياة إلا في الفترة التي تولى رئاسته فيها وزير الإعلام المعزول صفوت الشريف، وصاحب عبارة "أنا آخر وزير إعلام في مصر"، لكن جمال مبارك استغل سفر والده للعلاج في ألمانيا، وأعلن عن اختيار الهيئة البرلمانية للحزب الوطني صفوت الشريف رئيسا للمجلس، ليفسح المجال لرجاله السيطرة على هذه الوزارة المهمة.

 

 

وصلة رقص تجاوزت أداء الرجال إلى من دونهم. وللدقة فقد كانت خليطا بين هذا وذاك، بل كانت حركاته مزيجا بين الهزل والجد، لنكتشف بما فعلَ نماذجَ المرشحين

ويقول الراوي إن مبارك عندما علم بما جرى علق بعبارات سلبية ضد نجله، ورفض صفوت الشريف في بادئ الأمر الانصياع لهذا القرار، ولم يحضر اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب، لكن مبارك اتصل به وطيّب خاطره وطلب منه أن يقبل. فليس من المنطق أن يتم العدول عن القرار بعد إعلانه، فهذا يؤكد أن هناك فوضى داخل النظام نتجت عن سفر الرئيس للعلاج، وتكشف أنه لم يعد ممسكا بزمام الأمور!

وقد حرص صفوت الشريف على أن يرتفع بمكانة مجلس الشورى، ليصبح رقماً في المعادلة السياسية، بما يؤكد أنه لا يزال يحتفظ بنفوذه، في ظل الزحف لجمال مبارك ورجاله للإمساك بزمام السلطة. وقبله كان مجلس الشورى "خيال مآتة"، فليس له سلطة في التشريع إلا بأن تعرض عليه القوانين المكملة للدستور، مجرد العرض لاستيفاء الشكل، كما أنه لا يملك سلطة الاستجواب، بما عزز من فكرة أن السادات أقره لهدف وحيد وهو إيجاد صيغة لمسألة الملكية للصحافة القومية، وله فيه مآرب أخرى!

ممثل المالك للصحافة:

لقد أمم عبد الناصر الصحافة في سنة 1960، بعنوان برّاق هو قانون تنظيم الصحافة، والذي رتب الانتقال من ملكية الأفراد للمؤسسات الصحفية لملكية الدولة. وكان المعلن أن المالك هو الشعب، وهي ملكية صورية يختفي خلفها المالك الحقيقي وهو الرئيس بشخصه وصفته، فكان "الاتحاد القومي" الذي يرأسه الرئيس وهو التنظيم السياسي الوحيد والحزب الأوحد، ثم انتقلت الملكية إلى الاتحاد الاشتراكي، بعد تغيير اسم اللافتة!

وكان السادات قد قرر أن يولي وجهه شطر البيت الأبيض، وكانت صيغة الحزب الواحد تليق بمرحلة المرجعية السوفييتية، فاندفع يقلد الغرب، فكانت التعددية الحزبية، التي انتهى على إثرها المالك الصوري للمؤسسات الصحفية القومية. فصيغة الحزب الواحد قد سقطت، فكان مجلس الشورى لينوب عن المالك، وهو برلمان منتخب من حيث الشكل، وإن كان ثلث الأعضاء يعينهم رئيس الجمهورية، والثلثان هم مرشحو الحزب الحاكم. فلم تكن المعارضة ترى مبررا للمنافسة على مجلس عديم القيمة السياسية والفاعلية التشريعية، فضلا عن أن الدوائر واسعة، وتحتاج لمرشح أخطبوط عابر للدوائر، ولديه مندوبون في كل اللجان!

وكان المرشحون من حزب الأغلبية يترشحون على قاعدة "إذا فاتك الميري تمرغ في ترابه"، وقد فاتتهم لسبب أو لآخر عضوية مجلس الشعب (الغرفة الأولى)، فنصف العمى أفضل من العمى الكلي!

منافسة الإخوان:

وظل عدم اهتمام الناس بهذا المجلس إلى ما بعد الثورة أيضا، والذي أمكن للإخوان أن يحصلوا فيه مع تحالفهم الانتخابي؛ على الأغلبية بسهولة، وبدون منافسة حقيقية إلا من حزب النور في بعض الدوائر، فضلا عن منافسة ضعيفة لتحالف أحزاب الكتلة حيث الراعي الرسمي نجيب ساويرس، فضلا عن منافسة ضعيفة كذلك من حزب الوفد.

وهناك سبب مهم وراء عدم الاهتمام بالترشح لهذا المجلس بعد الثورة، فضلا عن الشعور بأنه فاقد للقيمة، وهو أن المجلس العسكري جامل الإخوان بفتح باب الترشيح للمجلسين في وقت واحد، رغم التباعد في الفترة الزمنية بين الانتخابات لهذا وذاك، ولم تكن القوى الأخرى تملك أعدادا من المرشحين يمكن لها أن تنافس بها منافسة جادة، على العكس مما لو تم فتح باب الترشيح للشورى في وقت آخر، وقبل موعد الانتخابات بستين يوما كما جرى العرف، فمن لم يحالفه الحظ في الشعب كان سيترشح في الشورى!

وكان الإخوان يدركون أنه لا منافسة حقيقية على انتخابات هذا المجلس، فوضعوا القوائم بدون اكتراث. وفي يوم الانتخابات اتصل أحد المحامين بوكيل نقابته الأستاذ محمد طوسون، والذي كانت الأخبار تتردد بأنه رئيس المجلس القادم، ففوجئ به في مسقط رأسه في محافظة المنيا مع أنه كان على رأس قائمة السيدة زينب في القاهرة. وكان الرجل يتحدث وفي بطنه بطيخة صيفي، كناية عن شدة الاطمئنان. ثم إنها ليست دائرته الانتخابية وقد لا يعرفه الناخبون، لكنهم يعرفون جماعة الإخوان المسلمين وهي حاضرة بدعايتها ومندوبيها!

وعدم التعامل بشكل جاد مع الانتخابات كاد يقلب الدفة في دائرة أخرى بالقاهرة، عندما فوجئوا بأن مرشحة أحزاب الكتلة "فاطمة ناعوت"، قد تأهلت للجولة الثانية منافسة للمرشح الإخواني، مع أنها بدت مرشحة سرية لا يعرف كثير من أبناء الدائرة بها، ولم تنظم دعاية لها إلا ببعض اللافتات، ولم تخض الانتخابات بالجدية اللازمة، وفي جولة الإعادة انتبه الإخوان للأمر واحتشدوا وأسقطوها!

في الجانب الخاص بالمسؤولية عن الصحف القومية، كانت الإدارة الحقيقية في عهد مبارك بيد رؤساء هذه المؤسسات، ولا سلطان في الواقع لمجلس الشورى عليهم، ومعظمهم كانوا على اتصال مباشر مع الرئاسة، ودور مجلس الشورى هو في التوقيع على قرار التعيين الصادر من الرئيس، فهو الذي يصطفي ويختار.

 

 

 

في التعديلات التي أدخلها السيسي على الدستور تم النص على العودة لنظام الغرفتين باسم مجلس الشيوخ، وذلك لتحريض رموز المجتمع التقليدي على حشد الناس للتصويت على الاستفتاء على التعديلات التي استهدفت المد في عمر السيسي بالح

مرة واحدة اعترض نائب معيّن وينتمي لأحزاب المعارضة؛ على التجديد لسمير رجب، رئيس مؤسسة دار التحرير ورئيس تحرير جريدة الجمهورية، وفي اجتماع هيئة مكتب المجلس تصور أحد النواب الجدد أن الأمر قابل للنقاش، فأخبرهم رئيس المجلس بأن الأسماء تأتي من الرئاسة وأن دورهم فقط هو تمريرها سواء من خلال هيئة المكتب أو في الجلسة العامة. ولا يمنع هذا أن يكون صفوت الشريف حاضرا مع الرئيس في أمر الاختيار بالمشورة والترشيح، كغيره من المقربين وليس بحكم منصبه، لكنه في النهاية اختيار الرئيس الذي يعتمده مجلس الشورى من باب استيفاء الشكل!

وإن استغل مبارك نظام الثلث المعين، في توسيع دائرة المستفيدين من حكمه، وترضية بعض الأحزاب، فلا ننسى أنه اشترى اليسار المصري من بابه بمجرد تعيين الأمين العام لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي رفعت السعيد عضواً لدورات عدة، بعد هزيمة اليسار داخليا بسقوط الاتحاد السوفييتي!

ولعل مبدأ "الترضية" و"الاستمالة" هو السبب في الإبقاء على هذا المجلس في الدستور الذي وضع في عهد الرئيس محمد مرسي، بعد النص على وجود الهيئات الإعلامية، ومنها الهيئة التي تشرف على الصحافة والإعلام الرسمي وتقوم بدور المالك أو تحل محله. لكن دستور الانقلاب نص على غرفة واحدة، وفي التعديلات التي أدخلها السيسي على الدستور تم النص على العودة لنظام الغرفتين باسم مجلس الشيوخ، وذلك لتحريض رموز المجتمع التقليدي على حشد الناس للتصويت على الاستفتاء على التعديلات التي استهدفت المد في عمر السيسي بالحكم.

الرمز كليوباترا والحكم بالخيانة:

ولا توجد ضرورة لهذا المجلس إلا هذه، لأنه يمثل إهدارا للمال العام وقد تم رصد ملياري جنيه تكلفة لهذه الانتخابات، حيث لا انتخابات في الواقع. ففي معظم الدوائر لا توجد بها إلا قائمة واحدة تنافس نفسها، وهي القائمة التي وضعتها الأجهزة الأمنية كما وضعت في بعض الدوائر القوائم المنافسة لها، ومن شخصيات دون المستوى جاءت إضافة لحالة المسخرة السياسية، فليست هناك أسماء معروفة، أو شخصيات مرموقة، أو أوزان ثقيلة، فكان من الطبيعي أن نشاهد هذا الأداء الهابط وكأنه مسرح إسماعيل ياسين!

 

 

لا توجد ضرورة لهذا المجلس إلا هذه، لأنه يمثل إهدارا للمال العام وقد تم رصد ملياري جنيه تكلفة لهذه الانتخابات، حيث لا انتخابات في الواقع. ففي معظم الدوائر لا توجد بها إلا قائمة واحدة تنافس نفسه


وشاهدنا مرشحاً لا يميز في دعايته الانتخابية بين "كيلوباترا" و"نفرتيتي"، فالأولى هي رمز قائمته، بينما وضع هو صورة الثانية. وشاهدنا مرشحا تحتوي دعايته الانتخابية على قلة كلماتها على عدد من الأخطاء الإملائية أكثر من عدد الكلمات، ولم يكن أكثرها بشاعة إنه كتب "ثمرة الموز" بـ"السين" لتكون "سمرة الموز"!

بل إن اختيار رمز "كليوباترا" لقائمة السلطة "القائمة الوطنية من أجل مصر" يكشف عن حالة من الضياع الفكري لدى السلطة الحاكمة، فالمذكورة لا تصلح مرجعية يحتفى بها، إلا من حيث كونها مارست الخيانة، وتآمرت ضد شقيقها، وقدمت نفسها قربانا لمن ساعدها في مهمتها وهو القيصر الروماني، فقد جاءته ملفوفة في سجادة، فكان الثمن تمكينها من حكم مصر!

ثم إنها ليست مصرية، ولكنها تنتمي إلى الأسرة المقدونية، فهي من اليونان والتي حكمت الإمبراطورية البيزنطية، فهل يملك القوم الوعي الكامل بذلك؟ ومن هنا يأتي التفريط عند ترسيم الحدود لصالح اليونان، ثم يأتي هجومهم على فتح القسطنطينية باعتبارها كانت تقع تحت سيطرة البيزنطيين، ولو من باب العداء لتركيا، ومن هنا جاء اختيار الرمز الانتخابي لحزبهم هذه الشخصية! أم أن الأمر هو لتمثال السلوك وشرعنة "الخيانة" كوسيلة لتولي الحكم؟ فقد حكمت "كليوباترا" مصر بالخيانة أيضا.

الرجل الكنكة:


وبعيدا عن هذا، فإن الهدف من "الغرفة الثانية" منذ النشأة والتكوين أن تكون مجلسا للأعيان، أو الحكماء كما أرادها السادات، ولهذا كانت الشروط المطلوبة من حيث السن تختلف عن تلك المطلوبة في عضو مجلس الشعب. والتعديل الحالي هبط بشرط السن إلى 35 عاما، لكنه اشترط أن يكون حاصلا على مؤهل جامعي لتأكيد الهدف.

 

فهل ما نشاهده الآن يؤكد على تحقيق هذا الشرط إلا من حيث الشكل، ليطرب أحدهم لمجرد اختيار الرمز الانتخابي له وهو "الكنكة"، والتي كانت من الرموز التي تستخدمها الأجهزة الأمنية للسخرية من بعض المرشحين، أو إهانتهم؟ وقد أسرفت في الحديث عن مدلول هذا الرمز في سلسلة مقالاتي عن الشيخ يوسف البدري، الذي أعطوه رمز "الكنكة" فتحايل مازحا على الأمر في دعايته: "أعطوني صوتكم مضبوط وليس على الريحة"، للإفلات من الوصف المهين له وهو: "الرجل الكنكة"!

بيد أن من رمزه "الكنكة" يبتهج لذلك، ولا بأس فالدولة البيزنطية هي من تحكم المحروسة.

صباح الخير يا أهل مقدونيا!

twitter.com/selimazouz1

 

التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الإثنين، 10-08-2020 04:19 م
... "كشف ضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام لموقع سويس إنفو أن "انتخابات مجلس الشورى، في يونيو 2010، تكتسِـب أهمِـية خاصة، لكونها تأتي في مقدِّمة عدّة استِـحقاقات انتخابية، وتليها انتخابات مجلس الشعب في أكتوبر 2010 ثم المحليات في أبريل 2011، وتختتم بالانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2011، وكجُـزء من إعادة صياغة النظام السياسي بمصر" ... منقول بنصه، ولذلك فليس بمستغرب أن يهرول آلاف من المصريين الانتهازيين حينئذ في تلك السنة 2010، ويتدافعون ويتصارعون وينفقون الغالي والنفيس، ويريقوا ماء وجوههم لنيل مقعد في أحد المجلسين الذي ظنوا أنه سيكون فاتحة السعد لهم لانضمامهم لعصابة جمال مبارك واحمد عز واتباعهم، حيث بدا لهم حينها في عام 2010 أن الأمور قد استتبت لهم، وأنهم وضعوا أيديهم على خزائن مصر وداسوا بأقدامهم على رقاب العباد من المصريين، ولا لزوم لنعيد هنا مآل هؤلاء ومجالسهم في 2011، والتي لحقت بهيئات كان يظن بأنها "لايغلبها غلاب" كالمؤتمر القومي والاتحاد الاشتراكي العربي وحزبي مصر ثم الحزب الوطني الديمقراطي، التي كانت كيانات سادت ثم بادت في بضع سنين، فهل يتعظ أمثال هؤلاء في عامنا هذا 2020؟ نعلم بالطبع أن هؤلاء يسيرون على خطى من سبقوهم، ومآلهم سيكون أسوأ وأنكى، وأن السنوات العجاف التي تواجهنا، ستفجر قريباً ثورة شعبية حقيقية تتضاءل بجانبها أحداث ثورة 2011، وستكتسح هذه الكيانات الهشة والشخصيات الانتهازية الملتفة حول تلك العصابة الإجرامية التي احتلت عرش مصر في غفلة من أهلها، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".