آخر الأخبار

صورة الحسين بن علي بين هويتين سرديتين (3 من 3)

أحمد القاسمي الجمعة، 14 أغسطس 2020 11:09 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "صورة الحسين بن علي في المتخيل الإسلامي: دراسة مقارنية بين الفكر السني والفكر الشيعي"
الكاتب: جيهان عامر
الناشر: الأطلسية للنشر، تونس؛ ومنشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة ـ تونس 2015
عدد الصفحات: 350 صفحة.

هذا هو الجزء الثالث والأخير من القراءة الخاصة بـ "عربي21" التي يقوم بها الأستاذ الجامعي التونسي الدكتور أحمد القاسمي، لكتاب "صورة الحسين بن علي في المتخيل الإسلامي"، للكاتبة والباحثة التونسية، جيهان عامر.. ويركز فيه على الخلاصات التي انتهى إليها الكتاب في تشكيل صورة الحسين، وما يثور حول هذه الصورة من أسئلة لا تزال معلقة وأجوبة مؤجلة.

1 ـ صورة الحسين في ضوء اللاشعور السياسي

لن نجد أفضل مما ذكر أبو حيان التوحيدي لنفهم تصور الباحثة لاختلاف صورة الحسين في المتخيلين الشيعي والسّني. فقد ورد في أثره الإمتاع والمؤانسة، "أما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: رحمك الله يا أبا عمارة، لقد قاتلتنا على أمرٍ صار إلينا". فهذه الرواية تختزل الصدامات الكثيرة بين العائلتين في التنازع على السلطة. وتنقله من مستوى العائلة إلى الطائفة. 

والحق أن مشهد المقبرة ينضح قسوة، فتشفي أبي سفيان في حمزة لا يقل فظاعة عن بقر بطنه من قبل هند زوجته وأكلها من كبده. ووراء الترحم على المنافس والإكرام بالتكنية (أبا عمارة) تظهر شماتة المنتصر وحقده الدفين أيضا، وهو يحتفي بانتصاره على قبر المهزوم. 

ومهما يكن حظ هذه الرواية من الصحة، فإنها تعكس ما بات راسخا من أنّ مدار الصراع بين الأمويين وآل البيت؛ السلطةُ. وأن جميع الرؤى والتصورات لا تعدو أن تكون تبريرا لهذا الصراع وإخراجا له مخرجا حسنا يقصي منه الدنيوي، ويعقده على الدفاع عن قيم الإسلام أو دولة المسلمين. 

 


ولا تخرج الباحثة عن هذا التصور؛ فتجعل للخلاف بين الحسين ويزيد جذورا سياسية وتعتبره أهم محاور بحثها، وترى أن كل ما يحف بهذا الصدام العنيف يدور في فلك السياسة والتنازع على الحكم، ويسعفها "نقد العقل السياسي" لمحمد عابد الجابري بالآلة المنهجية، فمنه تتلقف مفهوم اللاشعور السياسي لرجيس دوبريه حتى تقف على "ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري، داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر". وتفهم الماضي في ضوء تنازع بين الذاكرة والتاريخ، فتسلّم مستندة إلى الفيلسوف الفرنسي بور ريكور بأن الذاكرة الإسلامية تدرك ما حفّ بصورة الحسين، وما روي عن صدامه بيزيد من الخوارق أو الروايات وكأنه قد وقع فعلا وإن لم يحصل، وترده إلى عمل اللاشعوري السياسي الذي يتجاوز الرجلين وينغرس في الماضي البعيد جدا.

2 ـ انفصال الجسدين الدامي ـ المدمي

لم يكن الصدام بين الحسين ويزيد حدثا عارضا في الحياة القريشية، فله نماذج وسوابق كثيرة تتجاوز الاقتتال العنيف بين الأبوين علي ـ معاوية إلى مثيلات له دارت بين أبي سفيان ومحمد، وقبله بين حرب وعبد المطلب، وقبله بين أمية وهاشم ولا تنتهي إلا عند عبد شمس وهاشم ابني قصي ففي البحار" للمجلسي: "ولد هاشم وعبد شمس توأمان (هكذا) في بطن، فقيل إنه أخرج أحدهما وإصبعه ملتصقة بجبهة الآخر. فلمّا أزيلت من موضعها أدميت فقيل يكون بينهما دم" وتورد مصادر شيعية وسنية أخرى القصة على نحو مشابه شأن الطبري وابن الجوزي والمقريزي، وقد تجعل الالتصاق من ناحية الجبهتين وتُعمل السيف للفصل بين التوأمين. 

وسيظل التفاعل بين الفرعين محكوما بالاتصال الذي يفضي إلى الانفصال الدامي دائما، بعضه متحقق في التاريخ ناشئ عن التنافس بين هاشم وعبد شمس على وراثة امتياز سقاية الحجيج ورفادتهم عن أبيهما عبد مناف، وعن تحول هذا التنافس بين بني هاشم وبني أمية المنحدرين من نسل عبد شمس. وبعضه الآخر أقرب إلى الإيهام والتخييل. 

فمما ذكر لبيب بيضون في موسوعة كربلاء: "يحكى أنه لما اختلف أمية مع عمه هاشم وادعى أنه أفضل من هاشم، احتكما. فحكم الكاهن الخزاعي بأفضلية هاشم، وكان جزاء أمية النفي من مكة عشر سنين، فاختار الشام وسار إليها. وظلت هذه الروح العدائية في ابنه حرب ثم صخر وهو أبو سفيان في الجاهلية، ثم في معاوية ويزيد ومروان بن الحكم بعد الإسلام. ولا نستغرب لذلك أن يكون أبو سفيان رئيس جيوش الكفر التي قامت تحارب النبي الإمام، وتحاول وأد رسالة الدين والإسلام، في حين قام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهله يؤمنون بتعاليم السماء ويبذلون لها النفوس والدماء". وفي الشام سيحقق الفرع العبشمسي الانتقام الكبير من ذرية هاشم فيقتل عليّ بشكل ما، نتيجة لصدامه مع معاوية ويقتل يزيد الحسين وأهله. 


وليس في دفع بني أمية قريشا لتقاطع بني هاشم لثنيهم عن دعم الرسول لثلاث سنوات بحالها، وليست في الصحيفة التي تنص بنودها على ألا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يبيعوهم أو يشتروا منهم ولا يزوجوهم أو يتزوجوا منهم، وليست في قيادة أبي سفيان للقريشيين يوم أحد ويوم الخندق وفي أكل هند من كبد حمزة، إلا تأكيدا لنبوءة الجسدين الملتصقين اللذين ينفصلان بحد السيف لتسيل الدماء غزيرة.

لا تكاد الروايتان السنية والشيعية تختلفان حول هذا الانفصال الدامي المدمي، فتنحوان بكتابة التاريخ منحى أسطوريا. وتردّ الباحثة التشابه في أصل القص وفي تشكيل الصور في المتخيّل إلى وحدة المصدر، فكلاهما يأخذ روايته عن الطبري. والطبري نفسه أخذ روايته عن أثر أبي محنّف الشيعي الهوى "مقتل الحسين عليه السلام". وإجمالا فقد كان المتخيّل الإسلامي يعجز عن الفهم والتفسير فيلجأ إلى الأسطورة، فيجسّد رمزيا الصراع الدامي الذي امتد لأكثر من قرنين بين الفرعين وتفرق بسببه المسلمون إلى سنة وشيعة.

3 ـ صورة الحسين بين المتخيلين الشيعي والسني.. وبعد

لا شك أن المبحث على قدر كبير من الأهمية، فالثقافة الإسلامية تظل في حاجة إلى فهم العوامل التي يقوم عليها المذهبان السني والشيعي، خاصة أن الهوة اليوم لا تفتأ تتعمق بينهما فتهدد وحدة الدول الإسلامية أو تضر بمصالحها بشدة في عصر تتكتل فيه القوى الإقليمية، بعد أن تبيّن لها عجزها عن مواجهة التحديات فرادى. فمن شأن فهم الظواهر اللاواعية المولدة للتوتر والصدام أن يفتح الآفاق للتعايش بين المذهبين. 

صحيح أنّ رد الاختلاف إلى العامل السياسي وإلى التناحر على الحكم على قدر كبير من الوجاهة. ولكننا نعتقد أنه يمثل الطبقة السطحية من المعضلة والقسم السابح من جبل الجليد، فقد كان للباحثة أن تغوص أعمق في الدراسة وأن تطرح الأسئلة الأكثر إلحاحا، فالصدام العاتي بين السنة والشيعة يعود إلى أسباب أكبر بكثير من التشيع لعلي وآل البيت أو لمذهب السنة والجماعة. وطرح هذا الموضوع يمثل فرصة نادرة للمقارنة بين آليات عمل العقلين السني والشيعي، وفهم سبب الهوة التي ظلت تتسع بينهما.
 
ـ مما دأبت عليه الباحثة في مختلف الفصول عرض مواقف القدماء ثم الانتقال إلى مواقف المعاصرين بطريقة وصفية هادئة، فتضم الأفكار عبر التجاور وتتعامل مع الصور والروايات كما لو أن عناصرها تتشكل مزامنة، أو كما لو أن الزمن سرمدي لا يفعل في الأشياء من حوله، فكان اختيارها المنهجي هذا يشق الأثر رأسيا، فيشمل كل الفصول وكل الأبواب، ومن تبعاته أنها لم تقف على وجوه التطور في هذا المتخيّل ولم تحاول أن تردّه إلى أسبابه الحضارية أو تنزله في سياقاتها المعرفية والتاريخية، ولم تقارن بين العقلين، السني والشيعي، المنتجين له من جهة رؤى العالم وأساليب الحكم ونمط الحياة، والحال أنها كانت على وعي بأن هذه الصور الذهنية تنضوي ضمن مجموعات قد تنضوي بدورها في مجموعات أكبر، وأنها تمثل عنصرا من نظام أكبر لا يفتأ يتغيّر أولا من عصر إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى.
 
ـ قليلا ما التفتت الباحثة إلى العنصر الديني في تشكيل هذا المتخيّل. فمكانة الحسين لدى السنة ناشئة عن عوامل كثيرة يشكل الديني منها قطب الرحى. ففضلا عن انتسابه إلى الرسول والحديث الذي يلمح إلى دخوله إلى الجنة، تسرب تعظيمه من الاحتفال بعاشوراء الذي يمثل عندهم سنة مستحبة موروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: "فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه وقال: "لو عشت إلى العام المقبل، لأصومن تاسوعاء وعاشوراء". ولكن موعد عاشوراء صادف لاحقا اليوم الذي قُتل فيه الحسين في معركة كربلاء، بعد حصار دام ثلاثة أيام، مُنع خلالها هو وأهل بيته من الماء من قبل جيش يزيد. ولما كانت الشيعة، يحيون ذكرى مقتله، كان السنة يحتفون بنجاة موسى من الغرق. ثم تماهى الحدثان في المتخيل السني واختلط الاحتفال بإحياء لذكرى الحسين.

ـ يعيد هشام جعيط قراءة فترة من تاريخ الصدام الدامي بين الأسرتين الهاشمية والعبشمسية هي فترة حكم عثمان، فأسند لهذا الصدام عنوان الجدل بين الديني والسياسي وجعل عليّا ممثلا للاتجاه الديني المتراجع وجعل عثمان عنوانا للسياسي، فآثر خاصته من أمثال طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف الذي اختاره خليفة دون علي، ونقض حكم الرسول بنفي ابن عمه مروان بن الحكم لشكه في إسلامه وإساءته له، ووهبه جانبا مهما من ريع أفريقية، ثم تواصل تراجع الديني أمام السياسي في العقل الإسلامي في الدولة الأموية. وما مقتل علي في عهد معاوية ثم مقتل الحسين في عهد يزيد سوى امتداد لهذا القانون. 

 



ولكن هذه القراءة لا تفسّر إلا مرحلة من التاريخ الإسلامي ولا تكشف إلا فترة من هذا العقل. فستتدخل عوامل عديدة في بناء هذا العقل، وقد انفصل إلى مكونين متضادين، وفي تشكيل هذا المتخيّل، وقد أضحى يعمل وفق نظامين فيميل الشيعي إلى الخارق وإلى الباطن وإلى فكرة استمرار الوحي والإمامة والتقديس، فيما ينزع السني إلى النقل وإلى الظاهر. ويعمل باستمرار على قمع النزعات الباطنية التي جسدها التصوف، ولكن قارئ الكتاب يخرج على شغب لأنه لا يجد صدى لهذه الأسئلة.

ـ ارتقت الروايات بالحسين إلى مصاف الرسل وجعلته كائنا مقدسا يصل بين السماء والأرض، ويميل بعضها إلى عرض الخوارق، فيوم قتل أمطرت السماء دما وظهرت حمرة في السماء وغير ذلك كثير. فيبدو جليا تأثير المعتقدات الباطنية في تشكيل هذه الصورة. أما السنة فيعتقدون أن دين الله ظاهر لا باطن به، وأن الاجتهاد واجب على جميع المسلمين، فلا يختص به إمام ينكشف له ما لا ينكشف لعامة المسلمين، وهذه من العوامل التي جعلت العقل السني لا يخرج الحسين عن بشريته. 

ومن هنا نعتقد أنّ أخذ الظاهر والباطن بعين الاعتبار كان يمكن أن يجعلنا نفهم صورة الحسين بن علي في المتخيل الإسلامي أكثر، وفي الآن نفسه يجعلنا أقرب من خلفيات تشكل المذهبين العميقة، وكان بوسعه أن يجعل الباحثة تطرح الأسئلة التي ظلت معلقة بجرأة أكبر وتبحث عن الأجوبة التي تظل مؤجلة، خاصةّ أنها تبنت تصور جيلبار الذي يعتقد أن المتخّيل "ينظّم كل آليات الفكر البشري"، وأنه "مجمل التمثلات الرمزية المبنية على تأويل ما للعالم". 

 

اقرأ أيضا: صورة الحسين بن علي بين هويتين سرديتين (1من3)

 

إقرأ أيضا: صورة الحسين بن علي بين هويتين سرديتين (2من3)



أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا