آخر الأخبار

من أجل المسلمين.. هكذا ولدت "الإسلاموفوبيا" في فرنسا

أحمد الدَبَشْ السبت، 15 أغسطس 2020 12:16 م بتوقيت غرينتش

"هناك مشكلة الإسلام في فرنسا"، هذه الجملة القنبلة، التي أطلقها أحد أبرز المفكرين الفرنسيين المعاصرين، آلان فينكلكروت A. Finkielkr، أثارت الصحافي الفرنسي الشهير، إيدوي بلينيل، فحسم موقفه واتخذ قراره بتحويل مقاله على موقع "ميديابارت"، حول "هجرة العرب والمسلمين"، إلى كتاب صدر في فرنسا، عن دار نشر "لاديكوفيرت" (ط 1، 2014 ـ ط 2، 2015). تحت عنوان "من أجل المسلمين". وسرعان ما أصبح الكتاب متوافراً باللغة العربية، فقد صدر عن سلسلة كتاب الدوحة، ترجمة: عبد اللطيف القرشي، ( قطر، 2016).
 
يقع الكتاب في 150 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف من كلمة في حق الكتاب؛ بقلم إلياس صنبر، ومقدمة المترجم، وإحدى عشر عنوانًا.


يقول المؤلف: "هناك مشكلة الإسلام في فرنسا"، من كثرة ما سمعت هذه اللازمة ـ بدون أدنى اعتراض ـ التي تُدخِل فرنسا في حرب ضدّ عقيدة معيَّنة، وتجعلها تتأقلم مع الأحكام المسبقة وتتعوّد على اللامبالاة، باختصار: تستأنس بالأسوأ. من كثرة ذلك قرّرت الشروع في هذا الكتاب. (ص 40).

 

شارة الإسلاموفوبيا غطّت على شارة معاداة السامية


بحسب المؤلف، "أصبح مصطلح (الإسلاموفوبيا) يُستعمَل من طرف جماعات سياسية لاستقطاب كتلة انتخابية أكثر اتِّساعاً، والمطالبة بحقّ التعبير عن كراهية الدين الإسلامي والمسلمين. والمقلق أكثر، أن إحدى الفصائل المتطرِّفة قد انتقلت من مستوى الخطابات إلى مستوى الممارسات؛ فبحسبها يعدّ التصريح بالإسلاموفوبيا جزءاً من حرّيّة الرأي والتعبير، وعلى هذا الأساس، فإن مظاهرات الكراهية التي قد تُستلهم منها، سواء ضدّ العقيدة الإسلامية أو ضدّ معتقديها، لا يمكن أن تقع تحت طائلة القانون الجنائي. وبمسايرة هذا المنطق الخطير فإن تعنيف سيّدة محجَّبة ليس سوى عملاً نضالياً ضدّ ممارسة تُعَدّ نوعاً من الاضطهاد المُمارَس بحقّ النساء". (ص 43 ـ 44). فقد "غطّت شارة الإسلاموفوبيا على شارة معاداة السامية". (ص 45).

فقد جاء الكتاب كصفارة إنذار أرادها بلينيل "أن تصدح عالياً، من خلال الدفاع عن المسلمين في إطار التنوُّع، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى: دفاعاً عن كل اللواتي وكل الذين يريد الخطاب المهيمن أن يصهرهم ويحصرهم في عقيدة واحدة، تُحصَرُ بدورها في أصولية ظلامية. تماماً كما بالأمس، أعيد أناس آخرون إلى ماهيّة واحدة وتعرّضوا للسخرية والافتراء من خلال عقيدة أيديولوجية من الجهل والارتياب والتشكيك مهّدت الطريق للاضطهاد" (ص 50 ـ 51). يرى المؤلف أن الدفاع عن المسلمين، هو، "أيضاً دفاع عن الأقلّيات وعن المضطهدين، أو ـ باختصار ـ دفاع عن فرنسا" (ص 51).

يضع المؤلف مسؤولية قضية "الإسلاموفوبيا" على عاتق وسائل الإعلام، ما دامت تنشر "تمثُّلات تُعَدّ بديهيات، تساهم في وصم جماعة بشرية، برجالها ونسائها وأطفالها، بالعار تحت ذريعة هويّتهم الدينية والروحية والطائفية" (ص 53).

يذهب بلينيل إلى أن "اليمين المتطرِّف المعاصر، كعائلة سياسية، فرض نفسه وتأسّسَ على إنكار مبدأ المساواة."(ص 66 ـ 67). وهذا ما أنتجته الساركوزية، "من خلال وصْم دين بعينه، هو الإسلام والثقافة الإسلامية المرتبطة به، مما فتح المجال أمام اضطهاد فئة من أبناء بلدنا" (ص 69). فالساركوزية، تبنت مواقف عنصرية، ونَظرت للامساواة، "ومن خلال ذلك جرّ فرنسا إلى انحطاط مروّع أمام العالم" (ص 75).

أيضاً لا يختلف موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي عن موقف الأحزاب اليمينية، من نظرة العداء للمسلمين، فالاختلاف الحزبي بينهما "يمين يجنح نحو التطرُّف إلى يسار ينزع نحو اليمين(...) [فـ] الإسلام هنا هو أداة الوصل لصنع عدوّ شامل" (ص 77).

 

صناعة لعدو داخلي

إذن ما يجري في فرنسا هو توظيف لصناعة "عدو داخلي" (ص 80)، هذه العبارة المرعبة، التى كررها مانويل فالس أكثر من مرة، تعني من وجهة نظر المؤلف، "الاستعداد للحرب، حرب لفرنسا ضدّ فرنسا أخرى، بما تستدعيه الحرب من التنازل عن قواعد وممارسات سلمية لحياة ديمقراطية، حرب ضدّ ديانة) الإسلام (وضدّ حارات (الضواحي الشعبية)، أي ضدّ معتقد ومناطق، كلاهما يُنسب إلى جزء من أبناء بلدنا، وهم من بين الأقلّ حظوة، ومن بين الأقلّ حماية" (ص 80).
 
يقول المؤلف: "هنا تتدخّل الخصومات الدينية اللامتناهية الموجَّهة صوب أبناء بلدنا المسلمين: نريدهم مسلمين شفّافين، منعزلين ومُتخفّين، منصهرين حسب الخطاب المتداول؛ أي غير موجودين في حقيقة الأمر" (ص 88). وبحسب بلينيل، أنها "بداية لدعوة ضمنية أكثر بشاعة، ألا وهي أن لا يبقى للمسلمين وجود بتاتاً، أي أن يخِلّصونا من أنفسهم، أو نتخلّص نحن منهم" (ص 89). يرى المؤلف أن "التلويح بالقضية الدينية هو إلهاء عن القضايا الديمقراطية والاجتماعية." (ص 94).

 

الخطأ الاستراتيجي لغزو العراق، الذي وفّر ـ من خلال التفكيك القاتل لهذا البلد ولمؤسّساته ـ أرضية إضافية لأيديولوجيات كُلّيانية، حامل رايتها اليوم هي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)

 



يدافع المؤلف عن وجهة نظره بالقول: "إن الدفاع عن الحقّ في الاعتراف بإسلام أوروبي، هو، بالعكس، وفاء لأعظم ما في الإرث الأوروبي الذي تشكَّل من تنوّع في اللغات والأديان والأصول، وحرّيّة الأفراد وتسامح المجتمعات" (ص 115).

يرفض بلينيل "الإكراه النيوكولونيالي بالذوبان الذي يسعى إلى إجبار قسم من أبناء وطننا (ذوي الثقافة الإسلامية والأصول العربية والبشرة الداكنة..الخ) على الانمحاء من أجل الذوبان، أن يتبرّؤوا من ذواتهم جملةً، وباختصار: إن هذا الإكراه النيوكولونيالي لا يقبلهم إلا إذا اختفوا" (ص 120 ـ 121). ويستطرد: "أَزْيَد من نصف قرن مضت، وما زال أفق المصالحة مع ذواتنا ومع شعبنا وتعدّديته بعيداً" (ص 122). 

يعلن المؤلف الحقيقة البسيطة: "الإسلام ينتمي إلى فرنسا، كما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل بخصوص بلدها ألمانيا، في مواجهة متظاهرين عنصريين يدعون إلى أوروبا بلا مسلمين، مبتورة من قطعة منها، متخلّصة من جزء من إنسانيتها" (ص 134).
 
يري المؤلف أن "الخطأ الاستراتيجي لغزو العراق، الذي وفّر ـ من خلال التفكيك القاتل لهذا البلد ولمؤسّساته ـ أرضية إضافية لأيديولوجيات كُلّيانية، حامل رايتها اليوم هي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)" (ص 136).
 
يقول المؤلف دون مواربة عند حديثه عن الحوادث الإرهابية في فرنسا، إن الإرهابيين "هم نتاج مجتمعنا ووطننا وجمهوريتنا؛ ولدوا في فرنسا، لم يأتوا من الخارج، بل من هنا. هؤلاء المجرمون هم من شعبنا" (ص 138).

يختم بلينيل كتابه بالقول: "إن كتاب (من أجل المسلمين) كان من الممكن أن يتّخذ عنواناً له (من أجل فرنسا) إنه في الواقع دعوة إلى قضايا مشتركة، إلى هبّة المجتمع لكي تكون الجمهورية كلّها للجميع" (ص 141).
 
يعتبر كتاب إيدوي بلينيل، من أهم الكتب التي تتناول "الإسلاموفوبيا"، لأنه صرخة غضب في مواجهة مناخ متعفّن.

*كاتِب وباحِث فلسطيني

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا