آخر الأخبار

هل حرق الكتب أو اغتيال الكُتاب يقتل أفكارهم؟ (1من2)

رباب يحيى الثلاثاء، 06 أكتوبر 2020 10:50 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: أفكار ضد الرصاص
المؤلف: محمود عوض
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب

في مجتمعات تتوجس من الحرية يصبح التفكير جريمة، وتتحول الكتابة إلى فعل سيئ السمعة، ويبدو الكتاب كمسجل خطر، وكاتبه متهمًا مدانًا حتى لو ثبتت براءته.

كان كتاب "أفكار ضد الرصاص" للكاتب محمود عوض، أحد أكثر الكتب توزيعا فى تاريخ الكتب العربية، لأنه كان يتناول قضية لا تزال مستمرة حتى الآن: هل حرق الكتب أو اغتيال الكُتاب يقتل أفكارهم؟

بدأب باحث مدقق، وعقل صحفي موهوب، تجول بنا محمود عوض وسط أوراق وحيثيات أربع جرائم قتل ـ حسب وصفه ـ القتيل فيها كتاب، والقاتل سلطة بكل ما تملكه من نفوذ وأسلحة وجبروت.

منهج محمود عوض في الكتابة جعل الكتاب صالحا للوقت الحاضر، فهو ناقش فكرة اغتيال الأفكار واغتيال الكتب وحرقها، معنوياً أو مادياً، اختار كتب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي، و"تحرير المرأة" لقاسم أمين، و"الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق، و"فىي الشعر الجاهلي" لطه حسين، واستعرض فكرة الاغتيال المادي والمعنوي للكُتّاب بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أفكارهم، ورأى أن هؤلاء المؤلفين الذين كان كل منهم يبحث عن الحرية في اتجاه ما، حرية الإنسان ضد الاستبداد، وحرية المرأة، وحرية الدين والأدب، وتعرض كل منهم للبطش: اغتيل الكواكبي، وحوصر قاسم أمين، وتعرض علي عبدالرازق، وطه حسين لحملات تشويه، ورغم ذلك فقد بقيت أفكارهم حتى تلك التي تراجعوا عنها أو أجبروا على مخاصمتها. 

قدم محمود عوض قراءة جديدة للجرائم الأربع، وسطر مرافعة رائعة خلص منها إلى طلب براءة وتقدير وإكبار لموكليه، وأشار بأصابع الاتهام إلى المجرم الحقيقي: السلطة التي قررت إعدام الكتب الأربعة، بقصد تحذير آخرين من السير على دربها.

اللافت أن محمود عوض نفسه تعرض للاغتيال المعنوي، في دار "أخبار اليوم" التي شهدت نجوميته وتوهجه، حيث تم منعه من الكتابة في المكان الذي ساهم في بنائه، تعرض لظلم وهو الكاتب الذي ظل يدافع عن الحرية، بالرغم من أنه لم يتول منصبا، ولم يطمع سوى في أن يظل يكتب، وبقيت أفكار محمود عوض، ورحل الذين ظلموه واضطهدوه.

قاسم أمين.. الصديق المنبوذ

يقول المؤلف إن قاسم أمين أصدر كتابه "تحرير المرأة" عام 1898، وكان يخشى أن يتحمل وحده مسؤولية إصدار هذا الكتاب، فعرض على أحد أصدقائه أن يشترك معه في تأليفه، وهذا الصديق هو أحمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي الذي تخرج من مدرسة العلوم السياسية وكلية الحقوق بباريس، ولكن الخوف تغلب على أحمد شفيق فاعتذر بأن "الأفكار لم تتهيأ بعد لقبول مثل هذه الدعوة"، وكان قاسم أمين هو الآخر يعلم أن الأفكار لم تتهيأ بعد لقبول الدعوة إلى تحرير المرأة، لكنه سأل نفسه: من الذي يحب صديقه أو وطنه أكثر: أهو الذي يكشف الستار عن عيوبه ويظهرها له كما هي؟، أم الذي يغض البصر عن نقائصه ويخفيها عليه ويمدحه ليسره؟، لاشك أن الأول هو الصديق المكروه، والثاني هو العدو المحبوب.

اختار قاسم أمين أن يكون الصديق المكروه، أو المنبوذ، طالما يريد أن يكشف لوطنه عن عيوبه كما هي، لينبه وطنه إلى ضرورة التخلص من هذه العيوب.

فكتب قاسم أمين: "هل صنعنا شيئاً لتحسين حال المرأة؟، هل قمنا بما فرضه علينا العقل والشرع من تربية نفسها وتهذيب أخلاقها وتثقيف عقلها؟ أيجوز أن نترك نساءنا في حالة لا تمتاز عن حالة الأنعام؟  أيصح أن يعيش النصف من أمتنا في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعض لا يعرفن فيها شيئاً مما يمر حولهن. كما في الكتاب صم بكم عمي فهم لا يعقلون؟". 

هكذا يتساءل قاسم أمين في كتابه "تحرير المرأة"، إنه يسجل الفجوة الضخمة بين الرجل والمرأة، لماذا لا تتعلم المرأة كالرجل؟ إن "تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل، بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطرق المحافظة عليه، إن من يعتمد على جهل امرأته، مثله كمثل أعمى يقود أعمى، مصيرهما أن يترديا معاً في أول حفرة تصادفهما في الطريق".

ثم ينتقل قاسم أمين إلى الموضوع الثاني "الحجاب"، فيناقش أصله وتاريخه، ثم يقول: "إنني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلاً من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكون منطبقاً على ما جاء في الشريعة الإسلامية.. لا أدري كيف نفتخر بعفة نسائنا ونحن نعتقد أنهن مصونات بقوة الحراس وارتفاع الجدران. أيقبل من سجين دعواه أنه رجل طاهر لأنه لم يرتكب جريمة وهو في السجن؟".

هكذا، يناقش قاسم أمين قضية الحجاب، ومن قبلها قضية تعليم المرأة، إنه لا يدعو إلى السفور ولكنه يدعو إلى الحجاب الشرعي، لا يهاجم الحجاب بل يعتبره أصلاً من أصول الأدب، يرى تحصين المرأة بالتربية السليمة، ولكنه يطالب بتعليمها حتى الابتدائي، يرى إعطاء المرأة فرصة للعمل كالرجل، لكنه يشترط أن يكون ذلك في حالات الضرورة القصوى كفقرها، أو وفاة زوجها، أو عدم زواجها.

 

"تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل، بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطرق المحافظة عليه، إن من يعتمد على جهل امرأته، مثله كمثل أعمى يقود أعمى، مصيرهما أن يترديا معاً في أول حفرة تصادفهما في الطريق".

 



يقول محمود عوض في صفحة (48): "لقد ألقى قاسم أمين حجراً في المياه الساكنة، لقد هز المجتمع بعنف، وأعطاه مرآة يرى فيها واحداً من عيوبه بلا رتوش، وحتى لا ينبهنا شخص ثان إلى عيوبنا، حتى لا يوقظنا شخص ثالث من نومنا العميق، لابد أن يلقى قاسم أمين جزاءه، لابد أن يجري اتهامه وتتم إدانته علناً، من الآن سينظر إليه المجتمع باعتباره مارقاً، فاجراً، محرضاً النساء على الفساد، هكذا ببساطة شديدة تحول القاضي إلى متهم".

إن قمة القطيعة الاجتماعية التي مارسها المجتمع ضد قاسم أمين هي قرار الخديوي عباس بمنعه من دخول قصر عابدين، عقاباً على آرائه (الفاجرة) في كتاب "تحرير المرأة". وأحس قاسم أمين قبل أن تمضي سنة واحدة على صدور كتابه أنه يعيش كالمنبوذ، رغم أن له أصدقاء على رأسهم الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد، كانوا يوافقونه على كل ما كتبه، لكنهم جميعاً التزموا الصمت، ولم يجرؤ واحد منهم على تأييد الكتاب علناً، بل أن أحمد لطفي السيد لم يفعل ذلك إلا بعد أن مات قاسم أمين، وسعد زغلول لم يفعل إلا بعد أن أصبح زعيماً قومياً لمصر سنة 1919. 

عندما مات قاسم أمين في 23 نيسان (أبريل) سنة 1908، كان في الثالثة والأربعين، مات بالسكتة القلبية، ولعلها السكتة القلمية.

عبد الرحمن الكواكبي.. قلم ضد السيف

كان عبد الرحمن الكواكبي الذي يعيش في مدينة حلب منذ ولد بها في سنة 1848، يتأمل حال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم، لماذا ضعفوا؟، لماذا تدهوروا؟، لماذا يستسلمون لمن يستبد بهم؟، وشيئاً فشيئاً وضع يده على بعض الإجابات، أشياء كثيرة يراها سبباً لتدهور حال المسلمين، أهمها فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها: حرية التعليم، حرية الخطابة، حرية البحث العلمي، إن المسلم تدهور حاله حينما أصبح مجرداً من حرية القول والعمل، ومجرداً من الأمن والأمل.

افتتح الكواكبي مكتباً للمحاماة خصصه للدفاع عن المظلومين، ضد مظالم الوالي وكبار الأعيان، فأمر الوالي بالقبض عليه بتهمة أنه يعمل على تأليف جمعية لمناوأة الدولة، ولكي تكون التهمة مضمونة فإن الشرطة عند تفتيش منزل الكواكبي دست له في الأوراق المصادرة صورة خطاب زعموا أن الكواكبي قد "بعث به إلى قناصل الدول الأجنبية يحرضهم فيه على مخاصمة الحكومة والعمل على تخليص البلاد من المظالم". وأحضر الوالي خمسين شاهداً إلى عدلية حلب ليؤكدوا ثبوت تهمة الخيانة العظمى للكواكبي، وبعد سماع الشهود والأدلة والمرافعات ـ كما لو كانت المحاكمة عادلة حقاً ـ نطقت المحكمة بالحكم بإعدام الكواكبي.

كان هذا الحكم بمثابة صدمة عنيفة للكواكبي، كشفت له عن قرب أن الاستبداد يستطيع أن يشتري كل شئ، يستطيع أن يشتري الشرطة والشهود والقضاة والمصفقين، صدمة جعلته يتحرك بضراوة دفاعاً عن نفسه، فاعترض على حكم الإعدام، وأعلن عدم ثقته في حكومة حلب، وواليها، وأصر على أن تحول محاكمته إلى محكمة أخرى، وبعد أخذ ورد مع نظارة العدل في الأستانة قررت محكمة التمييز محاكمته أمام محكمة بيروت، وفي بيروت تبينت المحكمة أن التهمة ملفقة من أساسها، فحكت ببراءة الكواكبي، وطلبت عزل الوالي.

 

"ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء، فيتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ماداموا قاصرين، فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم".

 



استقل الكواكبي الباخرة من بيروت إلى الإسكندرية، مصطحباً معه ابنه كاظم، لقد تكتم الكواكبي على كل شيء حتى عن أقرب أصدقائه، لم يتكتم فقط على قراره بالهجرة إلى مصر، لكنه تكتم أيضاً على أوراق أكثر أهمية تحمل عنواناً بسيطاً هو "طبائع الاستبداد"، ومنذ وصل الكواكبي إلى القاهرة سنة 1899، توثقت علاقته بالشيخ علي يوسف صاحب جريدة "المؤيد"، وبدأت مقالاته عن الاستبداد السياسي تنشر في المؤيد بتوقيع مجهول، وفي سنة 1900 جمع الكواكبي مقالاته في كتاب لم يوقعه باسمه، وكان عنوان الكتاب غريباً: "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، وهي كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غداً بالأوتاد.. محررها هو الرحالة ك".

بدأ الكواكبي كتابه بالتساؤل: ما هو الاستبداد؟ ومن السطر الثاني مباشرة يبدأ الكواكبي في الإجابة عن السؤال، والانطلاق منه، هكذا يكتب: "إن الاستبداد هو صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية ولا عقاب"، وسبب الاستبداد هو أن تكون الحكومة "مطلقة العنان، لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة، أو أنها مقيدة بنوع من ذلك، ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى".. و"المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق.. والمستبد عدو الحق وعدو الحرية وقاتلهما، والمستبد يتجاوز الحد لأنه لا يرى حاجزاً، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم".

ثم ينتقل الكواكبي إلى نقطة أخرى، هي علاقة الاستبداد بالعلم، فيقول: "ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء، فيتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ما داموا قاصرين، فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك فإنه ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم".

إن الحاكم المستبد يخاف من انتشار العلم، إنه يريد الإبقاء على رعيته في الظلام، لأن الجهل يضاعف سيطرته عليهم.

أراد الكواكبي أن يكون كتابه مصباحاً ينير الطريق أمام أمته، ولكنه نسي أن هناك سلطاناً يحكم بنفس الأساليب التي كشفها هو، وإذا كان الكواكبي يملك قلماً، فإن السلطان يملك سيفاً، وفي عام 1902، مات الكواكبي بـ"السم". 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا