آخر الأخبار

هل حرق الكتب أو اغتيال الكُتاب يقتل أفكارهم؟ (2من2)

رباب يحيى الخميس، 08 أكتوبر 2020 11:54 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "أفكار ضد الرصاص"
المؤلف: محمود عوض
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب

في مجتمعات تتوجس من الحرية يصبح التفكير جريمة، وتتحول الكتابة إلى فعل سيئ السمعة، ويبدو الكتاب كمسجل خطر، وكاتبه متهمًا مدانًا حتى لو ثبتت براءته.

كان كتاب "أفكار ضد الرصاص" للكاتب محمود عوض، أحد أكثر الكتب توزيعا في تاريخ الكتب العربية، لأنه كان يتناول قضية لا تزال مستمرة حتى الآن: هل حرق الكتب أو اغتيال الكُتاب يقتل أفكارهم؟

بدأب باحث مدقق، وعقل صحفي موهوب، تجول بنا محمود عوض وسط أوراق وحيثيات أربع جرائم قتل ـ حسب وصفه ـ القتيل فيها كتاب، والقاتل سلطة بكل ما تملكه من نفوذ وأسلحة وجبروت.

منهج محمود عوض فى الكتابة جعل الكتاب صالحا للوقت الحاضر، فهو ناقش فكرة اغتيال الأفكار واغتيال الكتب وحرقها، معنوياً أو مادياً، اختار كتب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبى، و"تحرير المرأة" لقاسم أمين، و"الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق، و"فى الشعر الجاهلي" لطه حسين، واستعرض فكرة الاغتيال المادى والمعنوى للكُتّاب بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أفكارهم، ورأى أن هؤلاء المؤلفين الذين كان كل منهم يبحث عن الحرية فى اتجاه ما، حرية الإنسان ضد الاستبداد، وحرية المرأة، وحرية الدين والأدب، وتعرض كل منهم للبطش: اغتيل الكواكبى، وحوصر قاسم أمين، وتعرض علي عبدالرازق، وطه حسين لحملات تشويه، ورغم ذلك فقد بقيت أفكارهم حتى تلك التي تراجعوا عنها أو أجبروا على مخاصمتها. 

قدم محمود عوض قراءة جديدة للجرائم الأربع، وسطر مرافعة رائعة خلص منها إلى طلب براءة وتقدير وإكبار لموكليه، وأشار بأصابع الاتهام إلى المجرم الحقيقي: السلطة التي قررت إعدام الكتب الأربعة، بقصد تحذير آخرين من السير على دربها.

اللافت أن محمود عوض نفسه تعرض للاغتيال المعنوي، في دار "أخبار اليوم" التي شهدت نجوميته وتوهجه، حيث تم منعه من الكتابة في المكان الذي ساهم في بنائه، تعرض لظلم وهو الكاتب الذي ظل يدافع عن الحرية، بالرغم من أنه لم يتول منصبا، ولم يطمع سوى في أن يظل يكتب، وبقيت أفكار محمود عوض، ورحل الذين ظلموه واضطهدوه.

الشيخ علي عبد الرازق

في 3 آذار (مارس) 1924، أصدر البرلمان التركي قراراً سرعان ما وقعه مصطفى كمال، وطلب تنفيذه فوراً، بإلغاء منصب الخلافة نهائياً، وخلع السلطان عبد المجيد خليفة المسلمين، وطرده من تركيا مع كل أسرته قبل الخامسة صباحاً.

من اليوم التالي مباشرة بدأ اللعاب يسيل، لعاب الملك فؤاد في القاهرة، ولعاب الحكومة البريطانية في لندن، لقد أصبح العالم الإسلامي ـ لأول مرة منذ ألف سنة ـ بلا خليفة، لقد أعلن مصطفى كمال قيام الجمهورية في تركيا، ورفض أن يتحول هو إلى خليفة، ولكن الملك فؤاد لا يرفض، كما أن بريطانيا هي الأخرى بدأت تكتشف أن من مصلحتها تشجيع فؤاد على ذلك.

في تلك الأيام، كان الشيخ علي عبد الرازق يضع اللمسات الأخيرة لكتابه "الإسلام وأصول الحكم ـ بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام"، ولم يكن يعلم أن كتابه هذا سوف يصبح أسطورة في التاريخ السياسي الحديث لمصر.

يتساءل علي عبد الرازق: ما هو سند الخلافة؟، هل هو القرآن، السنة، إجماع المسلمين؟ إنه مبدئياً يقرر أن القرآن والسنة لم يتعرضا مطلقاً لموضوع الخلافة، كما أن الإجماع لم ينعقد قط على خليفة، بل إن التاريخ الإسلامي لا يكاد يعرف خليفة إلا وعليه خارجون ومتمردون. إذن ما هو سند الخلافة؟

 

 

إن الصحيح إذن أن الزعامة التي توجد بعد النبي هي زعامة أخرى، زعامة مدنية سياسية، زعامة الحكومة والسلطان، فلماذا أصر الحكام بعد وفاة النبي وطوال ألف سنة على استخدام لقب "الخليفة"، وهم يقصدون بذلك "خليفة رسول الله"

 



إن علي عبد الرازق يرى أن النظرة الدينية إلى الخلافة قد دفعت الحكام إلى الاستبداد والظلم، وسهلت عليهم العدوان والبغي، وإذا كانت زعامة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أساسها الدين لا السياسة، فإن هذه الزعامة ـ يقول علي عبد الرازق ـ قد انتهت بموته، وليس لأحد من بعده أن يخلفه في زعامته، لا يصح، لا يجوز. إن الصحيح إذن أن الزعامة التي توجد بعد النبي هي زعامة أخرى، زعامة مدنية سياسية، زعامة الحكومة والسلطان، فلماذا أصر الحكام بعد وفاة النبي وطوال ألف سنة على استخدام لقب "الخليفة"، وهم يقصدون بذلك "خليفة رسول الله"؟.

يقول علي عبد الرازق: إن السبب كان يرجع في البداية إلى أن هذا اللقب له روعة، وفيه قوة، كان الحكام الأوائل في حاجة إليها لتدعيم الدولة الإسلامية الناشئة، ولكن، سرعان ما اختفى هذا السبب وحل محله سبب جديد، لقد أصبحت لسلاطين المسلمين مصلحة سياسية في استخدام هذا اللقب بمعناه الديني في أغراض سياسية، لهذا استطاع السلاطين أن يروجوا بين المسلمين أن "طاعتهم من طاعة الله.. وعصيانهم من عصيان الله".

عقب صدور كتاب علي عبد الرازق، تدفقت إلى أسواق القاهرة كتب كثيرة تهاجمه بعنف، أول هذه الكتب هو كتاب بعنوان "حقيقة الإسلام وأصول الحكم" تأليف الشيخ محمد نجيب المطيعي، مفتي الديار المصرية السابق، الذي يعتبر أن كتاب علي عبد الرازق هو "كفر صريح يجب على قائله أن يتوب منه ليرجع إلى حظيرة الإسلام".

ثم كتاب ثان وثالث ورابع، يجمع بين هذه الكتب كلها شخص واحد تخاطبه: الملك فؤاد، ملك مصر، الذي يسعى لإعادة الخلافة.

جوهر المسألة إذن هو رأي نشره علي عبد الرازق في كتاب من مائة صفحة، فلماذا تحدث كل هذه الثورة ضده؟ هل الإسلام يمنع الرأي؟ يمنع الاختلاف؟.

إن الإسلام ينادي بالحرية، يوم كان السلطان خادماً للشعب انتشر الإسلام، وحينما أصبح الشعب خادماً للسلطان خسر الإسلام، حينما كان الفرد العادي يستطيع أن يقول لأمير المؤمنين: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"، كان الإسلام قوة، وحينما أصبح الفرد العادي يخشى سيف السلطان أصبحت أرض الإسلام مستعمرة لكل قوة.

الملك يتحرك

عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه، لم يكن يعلم أن هذا الكتاب سوف يتسبب في أخطر أزمة وزارية يشهدها التاريخ المصري الحديث بسبب كتاب واحد. كان الملك فؤاد يحكم مصر آنذاك، بدستور أوقف العمل به، وبرلمان معطل، وسعد زغلول زعيم الأغلبية خارج الحكم، لذلك انعقدت محكمة من هيئة كبار العلماء لمحاكمة الشيخ علي عبد الرازق، بتهمة الإلحاد، وصدر الحكم في جلسة واحدة: "حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الإبتدائية الشرعية ومؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء".

لم تكن شهادة العالمية هي الشيء الوحيد الذي تجرد منه الشيخ علي عبد الرازق، إن الحكم يقضي أيضاً ".. بمحو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى، وطرده من كل وظيفة وقطع مرتباته في أي جهة كانت، وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية، دينية كانت أو غير دينية".

هنا بدأت الأزمة الحقيقية تنفجر، إن هيئة كبار العلماء هي هيئة دينية، لا يحق لها أن تعاقب الشيخ علي عبد الرازق على رأي نشره في كتاب، لكن، لنفرض جدلاً أن من حقها أن تعاقبه، فهل من حقها أن تفصله من وظيفته المدنية؟ إنه موظف مدني تابع لوزارة الحقانية (العدل)، وليس تابعاً للأزهر، فهل تقوم الوزارة بفصله من وظيفته المدنية تنفيذاً لقرار هيئة كبار العلماء؟.

هذه هي المشكلة التي بدأت تفرض نفسها على مجلس الوزراء، وخلفت أول أزمة كبرى في مصر بسبب كتاب.

أقال الملك فؤاد، عبد العزيز فهمي (رئيس حزب الأحرار الدستوريين)، وزير الحقانية أنذاك، وكانت الجريدة الوحيدة التي تدافع عن كتاب الشيخ هي جريدة "السياسة" التي يرأس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل ويكتب فيها طه حسين، بينما كل الصحف الأخرى تهاجم علي عبد الرازق، ووسط المعركة التي كان حزب الأحرار الدستوريين يخوضها في مواجهة الملك بسبب إقالة رئيسه، كان على الحزب أن يخوض معركة أخرى في مواجهة نفسه، إن للحزب وزيرين آخرين في الحكومة (محمد علي علوبة وتوفيق دوس)، استقالا من الوزارة احتجاجا على طرد رئيس حزبهما من الوزارة، وقبل أن يمضي يوم آخر كان إسماعيل صدقي، وزير الداخلية ـ الذي يستشفى في أوروبا آنذاك ـ قد أرسل باستقالته من الوزارة تلغرافياً تضامناً مع موقف الحرار الدستوريين.

بهذه الاستقالة يكون كتاب علي عبد الرازق قد أدى إلى إقالة وزير واستقالة ثلاثة وزراء، وانهيار ائتلاف وزاري، وقيام أزمة سياسية ضخمة كما لم يحدث مع أي كتاب آخر في تاريخ مصر السياسي. 

طه حسين.. ضد الحكومة

في يوم الأربعاء 20 آذار (مارس) سنة 1932، عقد مجلس وزراء الحكومة المصرية جلسة خاصة لحسم موضوع ناقشه البرلمان وناقشته الصحف من قبل، في هذه الجلسة لم يتحدث أحد سوى وزير المعارف، وحينما انتهى مجلس الوزراء من سماع تقرير وزير المعارف العمومية خرج إسماعيل صدقي رئيس الوزراء إلى مندوبي الصحف وأذاع عليهم البيان التالي:

"قرر مجلس الوزراء فصل الأستاذ طه حسين أفندي، الموظف بوزارة المعارف العمومية، من خدمة الحكومة".

بهذا القرار القصير، اعتبر رئيس الوزراء أن الأزمة التي استمرت قائمة ست سنوات كاملة قد انتهت بحل ترضاه جميع أطراف الأزمة: الملك فؤاد، السفير البريطاني، مجلس الشيوخ، مجلس النواب، الأزهر، حل يرضاه الجميع، ماعدا من يهمه الأمر: طه حسين.

إن الكتاب الذي أثار كل هذه الضجة هو "في الشعر الجاهلي"، وقد أصدره الدكتور طه حسين في سنة 1926، وكل ما ذكره طه حسين في كتابه، هو:

"إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدباً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام.. ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".

 

إن الإسلام ينادي بالحرية، يوم كان السلطان خادماً للشعب انتشر الإسلام، وحينما أصبح الشعب خادماً للسلطان خسر الإسلام، حينما كان الفرد العادي يستطيع أن يقول لأمير المؤمنين: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"، كان الإسلام قوة، وحينما أصبح الفرد العادي يخشى سيف السلطان أصبحت أرض الإسلام مستعمرة لكل قوة.

 



هذا كل ما قاله طه حسين في كتابه، هذا جوهر نظريته الجديدة التي خرج بها، هذه إذن نظرية تهم أولاً المشتغلين بالأدب قبل أن تهم المشتغلين بالسياسة، فإذا كانت النظرية خطيرة كما كتب طه حسين، فيجب أن ينزعج الأدباء لا السياسيون لخطورتها.

لكن، هذه النظرية أزعجت كل شخص ماعدا المشتغلين بالأدب، أزعجت الأزهر والبرلمان والملك والنيابة العامة ومجلس الوزراء، ولم تزعج المشتغلين بالأدب ولا المهتمين به.

كل ما كان يريده طه حسين منا، ألا نأخذ القديم على علاته لمجرد أنه قديم، ألا نصدق آباءنا في التاريخ الذي رووه لمجرد أنهم أباؤنا، يريد طه حسين لنا عقلاً واعياً، يبحث ويقارن ويشك، ويفحص ويراجع.. ثم في النهاية يؤمن.

 

 

إقرأ أيضا: هل حرق الكتب أو اغتيال الكُتاب يقتل أفكارهم؟ (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا