آخر الأخبار

فلسطين في وعي الأحزاب المغاربية.. قراءة في كتاب (2من2)

توفيق المديني الإثنين، 02 نوفمبر 2020 11:36 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "موقف الحركات الوطنية في أقطار المغرب العربي (تونس ـ الجزائر ـ المغرب) من قضية فلسطين بين العامين 1917 ـ 1939".
الكاتب:د. بشرى علي خير بك.
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق ـ 2019، (335 صفحة من القطع الكبير).

يواصل الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني في الجزء الثاني والأخير من عرضه لكتاب "موقف الحركات الوطنية في أقطار المغرب العربي (تونس ـ الجزائر ـ المغرب) من قضية فلسطين بين العامين 1917 ـ 1939"، رصد أهم المواقف التي اتخذتها النخب السياسية في تونس والمغرب والجزائر من القضية الفلسطينية..

دور الأمير شكيب أرسلان في تواصل المشرق مع المغرب

رغم عوامل التجزئة التي أوجدها الاستعمار الغربي في المنطقة العربية بين شطريها المغربي والمشرقي، تمكن المشرق العربي خلال نهضته الفكرية منذ نهاية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أن يكون المرشد الفكري للرواد المغاربة، الذين نهلوا من تياره الفكري الإصلاحي السفلي ليكون معينهم لإصلاح مجتمعاتهم والتمكن من مجابهة المخطط الاستعماري الذي يرمي إلى فصلهم عن تراثهم ولغتهم وتاريخهم.

واستطاع التيار الإصلاحي في المغرب العربي، بسبب نشأة رواده المشرقية، أن يكون أكثر صلة من التيارات السياسية المغربية الأخرى بالقضايا المشرقية وأهمها قضية فلسطين. وكان رواد الفكر المغاربي نهلوا من تيار الفكر الإصلاحي المشرقي، ليكون معينهم في إصلاح مجتمعاتهم ليصبح لديهم القدرة لمواجهة الاستعمار الذي يرمي إلى فصلهم عن تراثهم ولغتهم وتاريخهم.

واعْتُبِرَتْ علاقة الأمير شكيب أرسلان مع الأقطار المغاربية من أهم المؤثرات في استنهاض الوعي العروبي. كما عمل أرسلان على ترسيخ فكرة أنَّ الجزائر و تونس والمغرب أجزاء من الأمة الإسلامية التي تربطهم بها وحدة الدين واللغة والثقافة، ولا سيما أن المغاربة في تلك المرحلة قد انتسقوا من المشارقة الفكر السلفي الذي دفعهم للاهتمام باللغة العربية، التي كان الإقبال عليها يفوق الإقبال على غيرها من اللهجات المحلية، حتى إن البربري أصبح (يفتخر بانتسابه إلى الشعب العربي و بنى الوطنيون نظرياتهم و طرق عملهم على مثال البلاد الشرقية).

تقول الباحثة بشرى خير بك: ".. وكخطوة من اهتمام الأمير بالمغرب العربي فقد مهد للمغاربة الاشتراك بالمؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس في العام 1931، كما اقترح على الوطنيين المغاربة تأسيس مجلة أسبوعية أو شهرية في باريس تسمى المغرب Le Maghreb للدفاع عن القضية المغربية والإسلام. وقد توج هذا الاهتمام بزيارة المغرب الأقصى في العام 1930، التي اعتبرت نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، لما تركته من آثار ملموسة في تطورها ونضجها"، (ص 149 من الكتاب).

لقد شكلت زيارة أرسلان للمغرب الأقصى نقطة انطلاق جديدة لعلاقته معه من جهة، ومع بقية أقطار المغرب العربي من جهة ثانية، لأنها كانت أول لقاء للنخب الوطنية في شمال أفريقيا مع الخطاب القومي العربي.

مقدمات الاهتمام الجزائري بمخاطر الصهيونية على فلسطين

كما وينطلق البحث من خلال التركيز على تقدم الجزائر عن باقي الدول المغربية في وعيها للخطر الذي تعرضت له فلسطين، إذْ كانت الجزائر في مقدمة الأقطار المغربية التي استطاعت أن تقدر الخطر الصهيوني الذي يحدق بمستقبل فلسطين، لأنها كانت تلمس تشابهاً في المخطط الاستعماري في كل من الجزائر وفلسطين، إضافة إلى العاطفة الدينية الممزوجة بالوعي السياسي التاريخي. وكان التيار الإصلاحي الجزائري يواصل نشاطه الاجتماعي والفكري على الصعيد الداخلي مع استمرار فهمه لقضية فلسطين، منذ أواخر القرن التاسع عشر بالزخم نفسه في حين كان التياران الاستقلالي والاندماجي بعيدين عن ما يجري على الساحة الفلسطينية.

تقول الباحثة بشرى خير بيك:"في مقال للداعية السلفي الإصلاحي عمر بن قدورالجزائري (1886 ـ 1932)، بتاريخ 7 آذار (مارس) 1931، في جريدة الفاروق في عددها الثاني نبه عمر بن قدور إلى الخطر الصهيوني على فلسطين وعلى المسلمين عامة، والجزائريين خاصة، مشيرًا إلى أن فلسطين هي جزء من العالم الإسلامي.. وإضافة إلى ابن قدور في تفهم الخطر الصهيوني المحدق، كان الكاتب والصحافي عمر اسم من التيار الإصلاحي، أيضًا من أهم من نبه لأسلوب الصهاينة في تفكيك شمل الأمة، ونهل أرزاقها و القضاء على شبابها، وهو أسلوب لم يكن مقتصرا على الجزائر و إنما ايتُخدمَ في كل مكان حات به الصهيونية"(ص 84 من الكتاب).

لقد كان للتجربة الجزائرية مع الاحتلال الفرنسي دوره الكبير في تقدير رواد النهضة الإصلاحيين للخطر الصهيوني قبل غيرهم من رواد النهضة في تونس.

موقف الحركات الوطنية من القضية الفلسطينية إبان ثورة 1929- 1939

تميز النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين بتطورات سياسية في معظم أنحاء العالم ألقت بآثارها على المنطقة العربية بشكل عام، وشهدت أقطار المغرب العربي ازدياد نشاط عدد من الأحزاب السياسية إلى جانب ازدياد الوعي العمالي والعمل النقابي، وهذا بدوره زاد من الاهتمام بقضية فلسطين التي كانت تشهد ثورة في العام 1936 وإضراباً استمر لستة أشهر. وقد كان تعاطف الأقطار المغربية مع ما يجري في فلسطين من خلال تأييد الأحزاب للثورة، واستنكار ردة فعل سلطة الانتداب، وكتابة العرائض وتوجيهها إلى الحكومة البريطانية، وعصبة الأمم، إضافة إلى تنظيم لجان للدفاع عن فلسطين، بمثابة تأكيد على ارتباطها بالعروبة وبقضية العرب الأولى.

ورغم التضييق الذي مارسته السلطات الفرنسية للحد من الدعم المغربي ـ رغم اختف حدته بين الجزائر وتونس والمغرب الأقصى ـ فقد جُمعت التبرعات لمساندة المنكوبين في فلسطين، وقد أكد التجاوب المغربي مع ثورة الشعب الفلسطيني على عمق المشاعر القومية والإسلامية التي تربط المغاربة مع باقي الأقطار العربية، وعلى عجز حدود التجزئة المصطنعة والهيمنة الاستعمارية والإقليمية للحكام، عن القضاء على هذه المشاعر.

ردود الفعل الوطنية التونسية 

في تونس شغلت الحركة الوطنية التونسية, في مرحلة العشرينات، ببعض الأزمات السياسية الداخلية التي حجمت من اهتمامها بالقضية الفلسطينية إلى ما بعد أحداث البراق، بالرغم من تلمس اهتماماً بقضايا مشرقية هي أقل أهمية من قضية فلسطين، إلى أن كانت زيارة عبد العزيز الثعالبي الثعالبي مؤسس الحزب الحر الدستوري إلى المشرق في العام 1932، ومن ضمنه فلسطين، عندما تعرف على القضية الفلسطينية عن كثب ليسهم فيما بعد في التوعية بها داخل الأوساط التونسية، وكما وصفها قضية العرب الأولى في مرحلة العشرينات. واستمر الحزب الحر الدستوري بمساندة القضية الفلسطينية من خلال دور عبد العزيز الثعالبي، الذي كان "يحث إخوانه في الحزب على المساعدة العملية وجمع التبرعات للفلسطينيين، من ذلك أن الشاعر سعيد أبي بكر طرح في اجتماعات الحزب فكرة جمع التبرعات وإرسالها إلى أمين الحسيني حتى أنه هدّد بتقديم استقالته إذا لم يقبل طلبه فورًا. وكان لرأيه صدى في الأوساط الشعبية، ونشأ عنه في البداية تبرعًا متواضعًاولكنه استطاع أن يُجَذِّرَ الفكرة وتصبح تقليدًا حسنًا" (ص 177 من الكتاب).

وفي تونس كان الدور الأكبر في مساندة القضية الفلسطينية للحزب الحر الدستوري التونسي، الذي عبر عن مواقفه بشكل صريح وواضح، بعكس الحزب الحر الدستوري الجديد الذي كان ينظر على القضية الفلسطينية، وقضايا العروبة بصفة عامة، نظرة خاصة نابعة من إيمانه بأن هناك أمة تونسية قائمة بذاتها.

ردود الفعل الوطنية في المغرب الأقصى

وفي المغرب الأقصى كان لظروف السيطرة الغربية على أرضه في العام 1912، وانشغاله بالكفاح المسلح اذي لازم كفاحه السياسي في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين، دوره في عدم وجود ردود فعل مغربية قبل العام 1929 تجاه القضية الفلسطينية في العشرينات، على الرغم من أن علال الفاسي قد حمل السلطات الفرنسية سبب هذا التقصير.

وفي المغرب الأقصى كان سبب ازدياد الاهتمام المغربي بأحداث البراق، إضافة إلى مكانة القدس الدينية، يعود لوجود موانين مغاربة في منطقة باب المغاربة في فلسطين، الذين تضررت منازلهم، وهذه المنازل هي أملاك وقفية مغربية سعى يهود المغرب مرات عديدة لشرائها ولكن دون جدوى، إلى جانب تضرر بعض المغاربة في القدس بسبب رفضهم البيع أثناء أحداث البراق، مما دفع القوى الوطنية لإعلان المساندة.

تقول الباحثة بشرى خير بك: "لقد شكل رد الفعل المغربي على ثورة البراق محك اختبار حقيقي بالنسبة لكل من علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني ورفاقهم، ولم يكن لها تأثير على العلاقات بين الجماعتين المسلمة واليهودية، والتي تميزت بانضباط كبير. وقد طبع هذا الاعتدال الموروث عن روح التعايش بين الجماعتين، مواقف الوطنيين فيما تجاه النخب اليهودية"(ص 193 من الكتاب).

وفي المغرب الأقصى في مرحلة (1936- 1939) شهدت كتلة العمل الوطني انقساماً إلى عدة أحزاب سياسية، مما أفقدها المساندة الجماهيرية التي كانت تنشدها، وهذا الأمر دفعها إلى الاهتمام بتطورات القضية الفلسطينية كي تتمكن من استقطاب الجماهير حولها. 

لقد تزامنت حادثة البراق في العام 1929 في فلسطين مع ممارسات استعمارية في الأقطار المغربية تمثلت بمظاهر استفزازية عديدة كانت غاية في الأهمية, ولكن ما يسترعي الانتباه أنها استهدفت المساس بالهوية الدينية بشكل خاص، سواء المغربية منها أو الفلسطينية، وهذا ما جعل ردة الفعل المغربية شديدة على أحداث البراق، وتمثلت بالمساندة المعنوية والمادية معاً.

ردود الفعل الوطنية الجزائرية 

رغم وجود وعي لدى كل الحركات الوطنية المغاربية بعد أحداث البراق، فإنَّ عمق هذا الوعي قد اختلف من قطر لآخر، واختلف ردود الفعل التي ظهرت على أعمدة صحف هذه الحركات في حدة أسلوبها. ففي حين كان التيار الإصلاحي الجزائري واضحاً بموافقة مستخدماً أسلوب التهديد ليهود الجزائر، إن لم يعلنوا عن رفضهم لما يجري على الأرض الفلسطينية، فإنه في تونس كانت معظم المواقف الوطنية المساندة للفلسطينيين هي ردود فعل على مساندة الصهاينة في تونس لصهيونية فلسطين. 

كان صدى قضية فلسطين في الجزائر أقوى وأقدم مما كان عليه في تونس التي هي الأخرى سبقت بوعيها المغرب الأقصى وكان الدعم الجزائري والتونسي لقضية فلسطين أكبر من الدعم في المغرب الأقصى رغم التعددية الحزبية، الذي اقتصر على الاحتجاج وكتابة العرائض وذكر ما تتعرض له فلسطين من ممارسات استعمارية، رغم تنبيه رواد النهضة إلى أن أسلوب الاحتجاج وكتابة العرائض ليس له نتيجة إيجابية، ولن يلغي المشروع الصهيوني، بل من الضروري أن يبادر المسلمون بالتخطيط لأنفسهم بخطة حاسمة قبل أن تُفقد فلسطين، ويتم إعلان قيام الدولة اليهودية بين اٌطار العربية التي تثير القلائل وتحطم أسس الإسلام، ولكن كوسيلة لمضاعفة الاهتمام المغربي بفلسطين شُكلت العديد من اللجان من قبل بعض الأحزاب لحماية فلسطين والأماكن المقدسة، إلى جانب فتح اكتتابات لمساندة أهالي فلسطين.

ازداد تعاطف المغاربة مع قضية فلسطين وتأججت مشاعرهم إثر تجدد ثورتها في خريف العام 1927 ورفض مشروع التقسيم بسبب أهمية هذه القضية على مستقبل المنطقة العربية وطلبوا بشدة من عصبة الأمم التخلي عن الخيانة، والتعامل بعنصرية مع المسلمين. وفي الوقت نفسه على العرب والمسلمين العمل بجدية ودون تقصير للدفاع عن أهم المقدسات الإسلامية، التي تتعرض لخطر السياسة الصهيونية والإنجليزية.
 
كما تنبه الجزائريون إلى حقيقة بيع الأراضي في فلسطين التي تعود ملكيتها لمالكين دائمي الغياب عن فلسطين، ووضع الفلاح الفلسطيني البائس الذي جُرد من أرضه مضافاً إليها لجوء حكومة الانتداب إلى تلفيق التهم لشخصيات اعتبارية بقصد تشويهها، والأهم من ذلك تنبيه العرب إلى عدم الوثوق بالوعود الإنكليزية لأنهم لن يكونوا إلا مستعمرين.

لقد ازداد الاهتمام الجزائري بالقضية الفلسطينية بعد ثورة 1926 ـ 1939 في فلسطين، وبشكل خاص من قبل التيار الإصلاحي والاستقلالي، أما التيارين الاندماجي والشيوعي فقد كان لمنطلقاتهما النظرية الأثر الكبير في عدم تقدير الخطر الذي كانت فلسطين تتعرض له.

 

إقرأ أيضا: فلسطين في وعي الأحزاب المغاربية.. قراءة في كتاب (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا