آخر الأخبار

كيف تكونت مصر عبر العصور؟.. مؤرخ رائد يجيب

محمد بدر الدين الثلاثاء، 03 نوفمبر 2020 11:41 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "تكوين مصر"
المؤلف: محمد شفيق غربال
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2018

مصر أعجوبة من أعاجيب الزمن، دفعت الكثير من الرحالة والمستكشفين لزيارتها والكتابة عنها وعن غرائبها، منذ هيرودوت في الزمن القديم، حتى ناصري خسرو في العصور الوسطى، وعلماء الحملة الفرنسية وستانلي لين بول، وكلوت بك في العصر الحديث.

إلا أن هذا التاريخ الطويل والعميق والثري للحضارة المصرية القديمة، قد جعل الكُتاب والرحالة يتوقفون عند حدود وصف مصر، دون الغوص في أعماق تكوينها وثقافتها وعبقريتها، والسعي نحو دراسة العوامل والعناصر المختلفة التي تفاعلت لتعطي لمصر تلك المكانة المتميزة بين الشعوب والدول.
لذلك تأتي أهمية كتاب محمد شفيق غربال "تكوين مصر عبر العصور"، كما يرصد الدكتور كمال مغيث في تقديمه للكتاب، لأنه جاء استجابة ثقافية وملحة بعد قيام ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، ومعاركها في مواجهة الاحتلال البريطاني، وسعيها للتنمية المستقلة ببناء السد العالي، وهو ما اعترضت عليه قوى الإمبريالية العالمية، مما اضطر جمال عبد الناصر إلى تأميم قناة السويس لتدبير نفقات إقامة السد العالي، مما أدى إلى العدوان الثلاثي على مصر، وهو ما شحذ همة المصريين جميعاً للوقوف في مواجهة ذلك العدوان الثلاثي، وخرجت مصر منتصرة لتبدأ عهداً جديداً في تاريخها الطويل والعميق.

ومن هنا كان من المنطقي أن يطرح السؤال: ما هي مصر؟ وكيف تكونت عبر عصورها الطويلة؟

فتقدم الدكتور محمد شفيق غربال (1894 ـ 1961)، بتقديم إجابته عن هذا السؤال الشائك والصعب عبر سلسلة من عشرة أحاديث أذاعها محمد شفيق غربال باللغة الإنجليزية من دار الإذاعة المصرية ثم نقلها إلى العربية، ثم تم تفريغ وترجمة الحلقات في كتاب بعنوان "تكوين مصر عبر العصور"، في سنة 1957، ليسد فراغاً كبيراً في المكتبة المصرية.

الدكتور شفيق غربال من أساتذة التاريخ الكبار، فهو أحد أهم مؤسسي مدرسة التاريخ المصري الحديث، مع زملائه، أحمد عزت عبد الكريم، ومحمد أنيس، ومحمد البطريق، وكان شاغله شخصية مصر وتكوينها، ولذلك فمن أبرز أعماله كُتب: مصر على مفترق الطريق، وترتيب الديار المصرية في عهد الدولة العثمانية، ومحمد علي الكبير، وتاريخ المفاوضات المصرية البريطانية، أما آخر ما كتبه فهو كتاب بعنوان: منهاج مفصل لدراسة العوامل التاريخية في بناء الأمة العربية على ما هي عليه اليوم. 

كان غربال أيضاً، تلميذا نجيبا من تلاميذ المؤرخ الفيلسوف أرنولد توينبي، علي يديه تلقي العلم في إنجلترا، وعنه أخذ نظريته الخاصة "بالتحدي والاستجابة"، مما جعله يركز علي العنصر البشري في صنع التاريخ وأحداثه. 

ووفقاً لهذه النظرية يثبت شفيق غربال أن "مصر هبة المصريين"، ردا علي قول هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد أن "مصر هبة النيل".

وحجة شفيق غربال الدامغة أن نهر النيل يقطع في سيره من منبعه إلي مصبه نحو ستة آلاف كيلو متر، يمر فيها على شعوب مختلفة، غير أنه لم تنشأ علي ضفافه الطويلة حضارة سوى في مصر، وهذا دليل علي أن هذا الوطن بتاريخه العريق من عمل المصريين، لا من عمل نهر النيل، صحيح أن للنيل على مصر فضل عظيم، ولكن الإنسان المصري هو الذي نظم واجتهد وأقام الجسور والسدود وشق القنوات ومهد الأرض لكي يفعل النيل فعله المؤثر.

 

"لا يجب اعتبار الدولة شيئاً أفضل من كونها اتفاقاً على المشاركة في المنافع، بل هي مشاركة في العلوم كافة، ومشاركة في الفنون كافة، ومشاركة في الفضائل كافة، وفي الكمال كله".

 

 


يرى غربال أن تحدي الجفاف الذي أحاط بنهر النيل هو الذي دفع المصريين القدماء للنزول إلى مجرى النهر وتجفيف مستنقعاته، وتنظيف الأرض من البردي والغاب وتمهيدها للزراعة، وهكذا نشأت القرى المصرية على التلال الطبيعية أو الأكوام الاصطناعية التي بنوا فوقها منازلهم لتحميهم من الفياضانات العالية للنهر العظيم، وهكذا تكونت النواة الصلبة للدولة والحضارة المصرية القديمة، والتي تميزت عما جاورها من حضارات باستمرارية واضحة ومميزة، فضلآ عن التراكم التاريخي للثقافة والقيم المصرية، وعلى هذا الأساس المكين استقبلت مصر الهجرات اليونانية وهجرات اليهود، ولم يكن الاستمرار والتراكم ليمنع تفاعل الثقافة المصرية مع المتغيرات المختلفة، ومن هذه التفاعلات ثورة إخناتون الدينية التي سعت لصياغة إله واحد "آتون" تستظل بظله البشرية كلها بعد أن توسعت حدود الدولة المصرية لتصل إلى العراق والشام ومنابع النيل.

يرى غربال أن ذلك السعي نحو البحث عن القيم الإنسانية المشتركة هو ما حدا بالإسكندر الأكبر المقدوني (356 ـ 323 ق.م) بالدخول إلى مصر في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد وتأسيس مدينة الأسكندرية لتكون عاصمة للإنسانية كلها بإبداعاتها وعقائدها "الحضارة الهلينستية"، ومات الإسكندر في ريعان شبابه ليرث مُلكه في مصر قائده بطليموس الذي سعى لاستكمال حلم الإسكندر وأسس مكتبة الأسكندرية التي ضمت عيون التراث العالمي وقتها، وأعقب الرومان البطالمة الذي سعوا للهيمنة بمختلف الوسائل على مصر، ومن هنا فقد استقبل المصريون العقيدة المسيحية استقبالاً حسناً، وآمنوا بها جماعات متعاقبة، وأسس المسيحيون المصريون كنيستهم الوطنية في مواجهة عسف الرومان، واصطنعوا لكنيستهم تقاليداً وطقوساً خاصة تختلف عما تبناه الرومان، ولغة خاصة "القبطية".

ومع دخول الإسلام مصر، اتسعت الرؤية، واتسعت رقعة الثقافة التي تفاعلت على أرض مصر، حتى قدمت مصر اجتهادها الخاص في الثقافة الإسلامية والفنون الإسلامية المختلفة.

في النهاية، يرى غربال أن عوامل الاستمرار والاستقرار ظلت هي السمة الغالبة في الثقافة المصرية حتى القرن التاسع عشر، وتأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي (1805 ـ 1848)، وخلفائه، ومع توالي التأثيرات الثقافية المختلفة من أوروبا والعالم الخارجي عبر البعثات التعليمية للخارج، وعبر التأثيرات القانونية والثقافية التي تعرضت لها مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر، راحت عوامل التطور والتغير تغلب عوامل الثبات والاستقرار.

ويرى المؤلف أن تاريخ مصر سار وتطور وفقاً لخطوط تختلف اختلافاً بيناً عما سار عليه تاريخ العراق، أو تاريخ المغرب، فثقافتنا الإسلامية بلغت مستوى وسطاً، لم ترق إلى ما سمت إليه في ديار أخرى، كما لم تهبط إلى ما هبطت إليه في ديار أخرى، فهي مثلاً لم تنتج من الشعر الرفيع ما أنتج في العراق، كما أن التفكير الفلسفي لم يزدهر عندنا بقدر ما ازدهر في الأقطار الشرقية من العالم الإسلامي.

الوجه الثاني المميز لثقافتنا الإسلامية، هو بقاؤها على الزمن واستدامتها أطول مما دامت في البلدان الإسلامية الخرى، لأنها لم تتلق ضربات قاصمة، أو تصب بنكبات كالتي حلت بإخوان لنا في الدين، فمن ذلك أن مصر لم يصبها شئ يمكن أن يقارن بما حل بالمغرب على أيدي القبائل البدوية، أو بما لقيه الإسلام في أسبانيا من إبادة وإفناء، أو بما حل بالشام والعراق وما يجاوره من تدمير وخراب على أيدي المغول. ولم يبدأ صرح حياتنا الثقافية في الاهتزاز والتخلخل إلا عندما دق الغرب على بابنا في نهاية القرن الثامن عشر بحملة جيش من الغزاة الفرنسيين. 

يختتم المؤرخ محمد شفيق غربال رؤيته بالقول:

لو كان لسياسة الاحتلال البريطاني في مصر أن تتخذ لها شعاراً لقدمت لها جملة طالما تكررت في كتابات كرومر، ألا وهي: "بقدر معلوم". فيجب أن يكون لنا نصيب من كل شئ بقدر معلوم، نصيب من الاستقلال، ومن الولاية العثمانية ومن الصلة ببريطانيا، ونصيب في السودان، ونصيب من الحكم الشخصي، ومن أنظمة الحكم الذاتي، ونصيب من الرقي الثقافي والاقتصادي وهلم جراً.

لم يكن الهدف الرئيسي الذي وضع كرومر (المندوب السامي البريطاني في مصر)، نصب عينيه أن يجعل مصر للمصريين، وقال إنه لم يكن واثقاً مما يعني ذلك، بل مصر لسكانها كافة. ومن الجلي أن مصراً من هذا النوع لابد لها من وجود قوة تقوم بدور الوساطة في النزاع المحتوم بين الأجناس والمصالح، أي تقوم في الواقع بدور الرجل القوي الفيصل الذي شهدته مدن القرون الوسطى المضطربة، وبالطبع لابد أن تكون تلك القوة هي إنجلترا.

بيد أنه غاب عن بال كرومر تماماً أن التسوية النهائية لأمر مصر ستكون مع شعب مصر، وهذا هو المعنى الذي انطوت عليه ثورة 1919، غير أن الآمال التي ولدتها ثورة 1919 في بعث قومي جديد لم تتحقق. وقد شهدنا كما شهد آباؤنا "انهيار الحكم" مع هذا الفارق، وهو أن انهيار 1882 أعقبه الاحتلال البريطاني، بينما الانهيار الذي حدث في زماننا خلف لنا مولد الجمهورية المصرية.

إن مجرد الاسم في ذاته يحمل في طياته برنامجاً كاملاً للإنشاء على أساس المبدأ القائل: بأن أكبر مقدار من السعادة يجب أن يحقق لأكبر عدد من الأهلين. وإن خير تعريف تتخذه الجمهورية المصرية لنفسها في العصر الذي نعيش فيه لهو ما قاله الفيلسوف "برك":

"لا يجب اعتبار الدولة شيئاً أفضل من كونها اتفاقاً على المشاركة في المنافع، بل هي مشاركة في العلوم كافة، ومشاركة في الفنون كافة، ومشاركة في الفضائل كافة، وفي الكمال كله".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا