آخر الأخبار

ضيف "عربي21": مقابلة مع نائب سابق لرئيس برلمان موريتانيا

عربي21- طه العيسوي الثلاثاء، 19 يناير 2021 12:33 م بتوقيت غرينتش

• الرئيس الموريتاني الحالي يختلف تماما عن الرئيس السابق في الطباع والسلوك والمنهج والنظرة للآخر  

 

• الصراع الذي حدث في عهد محمد ولد عبد العزيز مع الإسلاميين توقف بالكلية خلال عهد محمد ولد الغزواني

 

• لا توجد بيننا وبين الرئيس الحالي أي صفقات.. والصراع مع الإسلاميين كان مفتعلا من الأساس

 

• الرئيس السابق صرّح سابقا بأن الإسلاميين أسوأ من اليهود والنصارى والمتطرفين

 

• لا توجد خلافات عميقة أو جوهرية بين الإسلاميين في موريتانيا.. لكن هناك تباين في الرؤى بشأن الموقف من الرئيس الحالي

 

• جهات الوصاية في موريتانيا هي التي فرضت على بلادنا أن يكون جميع رؤسائها من أصحاب الخلفية العسكرية 

 

• جهات الوصاية يبدو أنها أغلقت هذا الباب تماما أمام صعود المدنيين للرئاسة بعد محمد ولد الشيخ عبد الله

 
• الخلفية العسكرية ليست ذات مرجعية ثقافية وأخلاقية واحدة.. فالعسكريون ليسوا نسخة واحدة

 

•• الإسلاميون هم أكثر الأحزاب في الوطن العربي والإسلامي "ليبرالية وديمقراطية" وعلينا القبول بالتباين الداخلي •

 

• ذبح الإسلاميين في ميدان "رابعة" كان تأديبا لهم حتى لا يفكروا مرة أخرى في الوصول إلى الحكم

 
قال النائب السابق لرئيس مجلس النواب الموريتاني إن الصراع الذي حدث في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مع الإسلاميين، توقف خلال عهد الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكدا أنهما "شخصان مختلفان تماما من حيث الطباع والسلوك ولغة التأزيم والصراع مع الآخر"، مضيفا أن الرئيس السابق لم يكن يفكر في عواقب ظلم الآخرين، الشيء الذي يختلف فيه عن الرئيس الحالي نهجا وسلوكا.


ففي مقابلة خاصة مع ضيف "عربي21"، أكد محمد غلام ولد الحاج الشيخ أن جهات الوصاية في موريتانيا ــ بحسب تعبيره ـــ هي التي فرضت على بلاده أن يكون كل الرؤساء من ذوي الخلفية العسكرية.

 

 

ونوّه النائب السابق لرئيس مجلس النواب الموريتاني إلي أن "الرئيس الراحل سيد محمد ولد الشيخ عبد الله كان الرئيس المدني الوحيد الذي وصل إلى السلطة بعد السماح له من طرف تلك الجهات الوصية، لكن يبدو أن تلك الجهات أغلقت ذلك الباب".


وأوضح "غلام" أن حزب "تواصل" الإسلامي، في رأي أغلب المقيمين المحايدين يعتبر اليوم أفضل حزب في البلد إذ إنه ليس حزبا موسميا أو مرتبطا بحكم معين، وإنه الأكثر انتشارا أفقيا في المجتمع والأكثر ضبطا للأوراق والمفاهيم والأكثر انسجاما في الأداء إضافة إلى تأثيره الملحوظ  في الدوائر التي وصل إليها.


وفي ما يأتي نص المقابلة الخاصة مع "ضيف عربي21":

 

شهد عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز صراعا مفتوحا مع الإسلاميين.. ما هي الأسباب التي أدت لحدوث تلك المواجهة؟


الصراع مع الإسلاميين في كل مكان سببه هو الوجود من الأساس، وليس له أسباب منطقية طبيعية عادية؛ فمجرد وجود تيار لديه بعض عناصر النجاح مثل الدعم الشعبي، والوجود المؤسسي، والانتشار الأفقي، هذا بالنسبة لها للأنظمة "الوصية" أمر غير مقبول، ولذلك سيجد أصحاب هذا التيار أنفسهم – وبشكل تلقائي - في صراع مع دوائر متعددة، كدوائر المصلحة، والمنافسين، والدوائر الخارجيةالتي لا تقبل لك وجودا مؤثرا داخل البلد، خصوصا في الدول التي تدعي شيئا من الديمقراطية ولديها فرص للانتخابات، لذلك مطلوب أن تؤدب (تعاقب) كلما تقدمت خطوة باتجاه التأثير، أو تجاوزت "التقطيع الطبيعي للكعكة"، وأغلب تلك الأنظمة لديها توزيع مُعين للكعكة السياسية، مطلوب من المعارضة أن تكون هامشية، بل وهامش صغير جدا وغير مؤثر.


وأعتقد أن تذبيح الإسلاميين في ميدان رابعة بمصر لم يكن على أساس أنهم متطرفون، بل قُتلوا تأديبا لهم حتى لا يصل تفكيرهم مرة أخرى إلى فكرة الوصول إلى قصر الاتحادية في مصر.


 


الصراع الذي حدث في عهد محمد ولد عبد العزيز مع الإسلاميين، هل توقف خلال عهد الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني؟


هما شخصان مختلفان تماما في طباعهما، وسلوكهما، وفي نظرتهماللآخر، وفي لغة التأزيم والصراع مع الآخر، وفي عدم الوسوسة من الظلم؛ فالرئيس السابق لم يكن يفكر في عواقب ظلم الآخرين، لذلك دخلت الدولة في صراع، ليس مع الإسلاميين فقط، وإنما مع الجميع،وأعتقد أن الرئيس الحالي مختلف في هذا النهج والسلوك اختلافا بيّنا وواضحا، لذا نرى توقفت لغة الخصام، ولغة الاستهدافوالتشويه، بينما الرئيس السابق ذهب بعيدا في هذه اللغة حتى إنه قال في إحدى خطبه إن الإسلاميين أسوأ من اليهود والنصارى، ومن المتطرفين. 


ما أسباب توقف الصراع بين الرئيس الحالي والإسلاميين؟


كان الصراع منذ البداية مفتعلا، ولم يكن مبنيا على أساس منطقي؛ فالإسلاميون لم يحملوا سلاحا، ولم تكن لديهم مشاكل مع طبيعة البلد (الخريطة أو الشعب) أو مع الدولة، كما أنهم لم يمارسواأعمالا استفزازية تستوجب هذا الصراع، لذا بمجرد أن يأتي رئيس ليس لديه روح الصراع والظلم، فسيتوقف الأمر بشكل تلقائي كما حصل.

 

البعض يقول بأن هناك صفقة ما بين الإسلاميين والرئيس الحالي، فما حقيقة الأمر؟


لا توجد صفقة، وإنما المنطق الطبيعي للأشياء؛ فقد كان هناك ظلم من أحد الأطراف، وهذا الظلم يولّد ردّة فعل من الطرف الآخر، فينتج عن ذلك الشحناء ويحدث الصراع، لكن عندما يتوقف الاستهداف يتوقف ما يترتب عليه.

 

 


لكن هناك مَن يرى أنه لا توجد اختلافات جوهرية بين الرئيس السابق والحالي، فكلاهما ذوا خلفية عسكرية، فما قولك في هذا الرأي؟


الخلفية العسكرية في مصر على سبيل المثال أخرجت لنا اللواء محمد نجيب، كما خرج منها عبد الناصر والسادات، ولا أعتقد أنالخلفية العسكرية ذات مرجعية ثقافية وأخلاقية واحدة، وقد أخرجت لنا اللواء محمود شيت خطاب - رحمه الله – وهو من الكبار المثقفين والمؤلفين. وعندنا في موريتانيا الخلفية العسكرية خرج منها الرئيس محمد ولد هيدالة، وكان رجلا متواضعا جدا وقريبا من الشارع،وخرج منها غيره، فلا أعتقد أن الخلفية العسكرية مركزا تجاريا يخرج منه الناس بنفس الطبائع ونفس الخلفيات، لذا لا أتفق مع مَن يقول إن مجرد وجود الخلفية العسكرية تعني أنهم نسخة واحدة.


والعسكر ليس مصنعا ينتج نفس البضاعة دائما؛ فلقد أثبت المشير عبد الرحمن سوار الذهب زهد جنرال عسكري في السلطة، كما نجح الرئيس الراحل إعلي ولد محمد فال في التأسيس للتناوب السلمي بطريقة مُحكمة في موريتانيا. كذلك طوّر الجنرال شارل ديغول الدولة الفرنسية، وتخلّص من المستعمرات، وسلم تشرشل بهزيمته في الاقتراح بعد نجاح تاريخي في الحفاظ على المملكة المتحدة من أن يبتلعها طوفان النازية.


هل كُتب على موريتانيا أن يكون كل رؤسائها خلال الفترة الأخيرة أصحاب خلفية عسكرية؟ 


يمكنك طرح هذا السؤال على جهات الوصاية في موريتانيا، التي فرضت - مع الأسف الشديد – أن النضال السياسي الطبيعي لن يؤدي إلى العمل بالسياسة، نتيجة لوجود الوصاية من دوائر مؤثرة في البلد تُمسك بتلابيب مقدرات الأمة؛ فقد ناضل عندنا رجال وطنيون شرفاء أمثال الرئيس أحمد ولد دادة الذي ناضل لأكثر من 30 سنة،بينما لم يصلوا إلى فرصتهم لتقديم برنامجهم ووجهة نظرهم للنهوض بالبلد، في حين نجد في السنغال عبد الله واد وغيره من الذين وصلوا إلى السلطة من خلال النضال والطرق السياسيةالطبيعية، لأن في بعض الدول المجاورة هنالك ثغرة مفتوحة في هذه الوصاية، ومن خلال تلك الثغرة يدلف الناس لفرص معينة، أما عندنا كان سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله - الرئيس المدني الوحيد الذي توفي منذ فترة قريبة- لكنه وصل للسلطة بعد السماح له من قِبل جهات الوصاية تلك، ولكن يبدو أن هذه الجهات قد تابت وأنابت وأغلقت هذا الباب تماما.

 


 

حزب "تواصل" قال مؤخرا إن النظام يتمنع عن الحوار ويتجاوز "أطر المعارضة الحزبية"، وذلك بعد لقاءات الرئيس الحالي مع قيادات سابقة بالحزب مثل محمد جميل منصور، وسعداني خيطور.. فما أبعاد هذه اللقاءات وأهدافها؟


الحوار سلوك بشري مطلوب، وهو وسيلة التلاقي المباشر والتواصل لما يخدم الوطن، وهو أمر مهم جدا من أجل البلد، وأعتقد أن دعوةالحزب للحوار بشكل مستمر ليست وسيلة تواصل فقط، وإنما مطلب لفئات كثيرة داخل البلد، ومن الضروري أن يُستجاب له، ومن الضروري أن يكون هو القاعدة الأساسية للتلاقي.


ما سبب تجاوز النظام الحالي للأطر المؤسسية للحزب؟


أنا لست ناطقا باسم النظام الحالي أو السابق، وإنما أبدي رأيي من وجهة نظري الشخصية، لذا فإن طرح هذا السؤال على الناطق باسم الحكومة ستكون إجابته أفضل. 


ما حقيقة "الخلافات العميقة" بين الإسلاميين داخل حزب تواصل -كما يُشيع البعض- حول الموقف من الرئيس الحالي؟


لا أعتقد أنها خلافات عميقة أو جوهرية، وإنما هي التباين في تقدير متوقع من الرئيس الجديد، فهناك مَن لا يحمله مسؤولية الماضي، ومَن يرى ما تحدثت عنه من اختلاف الطبائع والثقافات والمميزات الشخصية، ومَن يتوقع أكثر مما يتوقعه الأخر، وأعتقد أننا لسنا مختلفين أبدا على أنه لو قام الرئيس بخطوات عملية واضحة باتجاهنقاط جوهرية لما كان هذا الاختلاف. 


ونظرا لما نمر به من مرحلة تغلب عليها الضبابية يرى البعض أنه لم يلمس خطوات عملية تجاه الإسلاميين أو المعارضة بشكل عام، وعليه يجب أن نعود إلى الخطاب التقليدي للمعارضة وللمطالب التقليدية، ومنا مَن يرى أن الرجل مختلف عن سابقه في أشياء كثيرة، وأن لديه إرادة لنوع من أنواع التغيير - بغض النظر عن نسبته أو حجمه وقوته - ولذلك يجب أن نعطيه مزيدا من الوقت، وأن نمنحه أكثر من لغةالإنصاف والتهدئة حتى نتبين خيوط مستقبل النظام.


هل هناك تنسيق وتناغم ووحدة بين الإسلاميين في موريتانيا بشكل عام أم إن هناك اختلافا وتباينا في الرؤى؟


الجيل الذي يقود حزب تواصل خلال الفترة الحالية أو مَن هم في المقدمة هو جيل تربى داخل الأطر التربوية والثقافية للإسلاميين،واكتسب فيها صلاته وصداقاته، وهي تمثل القاعدة الاجتماعيةللإنسان في حياته العادية، لذا لا أتوقع الوصول لأي تباينات أو خلافات مثل ما نراه في بعض الدول الأخرى. 


هناك أمر مستجد على الحياة الثقافية والسياسية، وهو وجودوسائل التعبير المختلفة، أو ما يسمى بالعالم الأزرق، ومعه عاملآخر هو وجود مجموعة من الوزراء السابقين، ومن قيادات الحزب السابقة، ومن النواب السابقين، وكلهم شخصيات ذات رأي ووجهات نظر، ولم يعد أصحابها كالإنسان في "وضع الصامت" لا يتحدث إلاعندما يصدر بيان الحزب ليشرحه، وإنما هو ذاته لديه وجهة نظر ولديه قناعات يرى أن يدفع إليها ساحته وحزبه، كما أعتقد أن هذا التعدد عاملا آخر في هذا النطاق.


عندما تنظر إلى ساحة عرفت بالانسجام التام المطلق، في رأيي أن الانسجام ليس دائما صواب كله، بل أحيانا يصحبه تغييب للعقول وتغييب للآراء، فالتدافع يوصلنا إلى مساحات أخرى كنا نعجز عن الوصول إليها لولا هذا الدفع، كما يحجزنا هذا التدافع عن الاندفاع في مناطق كان ينبغي ألا نصل إليها، لذلك ليس كل تدافعسيء؛ فعلينا ألا نقمع الآراء الأخرى بمجرد الحديث عن إسلاميةالمنطلقات والتفكير، ومَن لم يتعود على هذه الآراء وهذه التباينات سيراها اختلاف وتباين وفرقة، لكن أعتقد أننا سنتدرب على التباين والتوحد في نفس الوقت، وليست المشكلة في الاختلافات، وإنما المشكلة في كيفية إدارة اختلافاتنا، وكيف ندير التنوع داخلنا،وكيف يصبح هذا التنوع ثراء.

 

هل مصير الإسلاميين دائما هو الانفجار كلما أنجزوا تجربة يراها البعض "مميزة"؟


الإسلاميون هم أكثر الأحزاب في الوطن العربي والإسلامي"ليبرالية وديمقراطية"، ولكن عليهم أن يمعنوا أكثر في هذا المجال،والليبرالية هنا لا تعني التحلل، وإنما الإيمان بالحرية وقبول الآخروغير ذلك، لكن هذا القبول بالآخر يجب أن يكون داخليا قبل أن يكون خارجيا، وعندما نقبل بالتباين الداخلي، ويكون لدينا أكثر من رأس، وأكثر من رأى وتوجه، فبهذا التباين – عندما نحسن إدارته – سيكون أكبر ضمان للتوحد، ولكن عندما يظل استخدام الفتوى أو النص الشرعي الذي يكشف الغطاء عن شخص ويضعه على آخر، أو نستخدم منطق هو أقرب ما يكون إلى منطق السبعينيات والثمانينيات أيام العمل السري، ومنطق الجندية والالتزام، والأقنية الحديدية؛فعندما نتحلل من هذا المنطق قليلا ونقبل بمساحة مرنة أوفر للحديث، فيكون لدينا صلابة التوحد ومرونة التنوع، وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأساسية التي وُجدت منها حالات من التشظيوالتشرذم سواء كانت في المشرق أو المغرب، نتيجة لوجود قيادة لا تقبل التنوع داخلها.


الإسلاميون هم أكثر الناس قراءة، ولديهم إنتاج فكري واسع، فتراهم يكتبون ويقرؤون ويتابعون الأحداث، وهذا من أسباب تباينهم أو اعتراضهم، لكن عندما تتم ترجمة أي اعتراض في الإقصاء سنشهد هذا التشظي، وعندما نوجد هذا الفضاء المفتوح كما هو في الأحزاب السياسية الديمقراطية الحقيقية في الغرب - سواء اليمين أو اليسار - تجد أنهم يختلفون فيما بينهم كما تختلف الأحزاب، دون أنيغادروا أحزابهم، لأن الحزب يوفر فرصا للتنوع، وليس بيئة طاردة تؤدي إلى التشرذم.   


بعد مرور أكثر من 13 عاما على تأسيس حزب "تواصل".. ما تقييمكم اليوم لمسيرة الحزب ومستقبله؟


حزب تواصل اليوم في رأي أغلب المقيمين المحايدين هو أفضل حزب في موريتانيا كحزب حقيقي، ليس من الأحزاب الموسمية أو المرتبطةبالحكم التي تتكيف مع كل حاكم، كما شاهدنا بعضها في انقلاب2005 عندما ينادي الجيش ويقول اخرجوا من الحزب وترشحوامستقلين، ومستقلون تعني أن كل شخص يعمل بمفرده، ثم تجدهم بعد قليل يجتمعون في حزب جديد، قد يكون هؤلاء أكثر وفرة، وأكثر تأثيرا، وأكثر دخولا للبرلمان والحكومة، ولكن أفضل حزب حقيقي اليوم وأفضلهم انتشارا أفقيا والأكثر ضبطا للأوراق والمفاهيم والمصطلحات، والأكثر انسجاما في الأداء من الناحية السياسية هو حزب تواصل بحمد الله تعالى، لذا يحصل شيء ولو بسيط من التباين، وقد وصلنا إلى حجم من الانتشار ومن القبول في المجتمع،ومن التأثير في الدوائر التي وصلنا إليها.


لكن ما هي اللغة التي ينبغي أن نتحدث بها من جديد؟، وما هي الآفاق التي ينبغي أن نفتحها؛ فنحن لم نعد تيارا ضيقا يدير أزمة أو صراعا مع هذا النظام أو ذاك، أعتقد أن الانتشار وأريحية الوجود يعتبر شيئا من المنعة «ولولا رهطك لرجمناك» أضحت حاصلة اليوم لتواصل، وهو ما يجعل الخطاب في تواصل من وجهة نظري يجب أن يكون خطاب «وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين»، وهو خطاب الهدوء والعافية، والمحاورة، ومحاولة الوصول مع الشريك الوطني إلى الخطاب الجامع، وإلى التقاطع في النقاط المُتفق عليها، وهذا تحدي آخر لا يقل عن تحدي الوجود أصلا، والدفاع عن الوجود حتى تصبح شيئا مذكورا، وإنما هذا أيضا يحتاج إلى لغة واستعداد نفسي، كما يحتاج إلى تكوين الذهنية الجمعية لهؤلاء الناس الذين كانوا في حاله مطاردة، ويحتاج تأهيلهم لنزع هذه الشحنة التي كانت بينهموبين الآخر ونصل إليه، حتى ولو لم يردنا أحيانا يجب أن نقرر أننذهب إليه، وأن نضع خططنا استعدادا كذلك.

 

هل يفكر الحزب بالدفع بأحد المرشحين في أي انتخابات رئاسية قادمة أم إن ذلك مستبعد؟


ليس ذلك بالمستحيل؛ فقد ترشح الحزب للرئاسة 2009، ودعم مرشحين خلال الأعوام في 2007، و2019، لكن أحيانا الحالة السياسيةوالفرص المتاحة، والقناعة لدى الناس هي التي تتحكم في القراروطبيعته. 

 

حزب "تواصل" أطلق دعوة للحل التوافقي داخل البلاد.. إلى أين وصلت أصداء هذه الدعوة؟


الدعوة قائمة وموجّهة لجميع الأحزاب وجميع المشفقين على البلد، والجميع يعلم أنه من الضروري أن تشعر السلطة التي تدير الأمةبأهمية الحوار، لأن إدارة الأمة تعني إدارة المقدرات البشريةوالمادية، ومَن يديرها عليه أن يتحاور مع الآخر، وأن يرى النقاط التي تجمع الجميع، ويتجاوز بالبلد منطق التشكيك، والانتخابات غير المتفق عليها، والمخرجات المشكك فيها، وأعتقد أن الحوار سيظل مطروحا دائما. 


هل ترى أن الدعوات للحوار السياسي ستنجح بشكل عملي خلال الفترة القادمة؟


ذلك ما أرجوه.


هناك بعض الجهات والمنظمات التي تصنف موريتانيا في أدنى مراتب الحقوق المدنية والسياسية.. ما تعقيبكم على ذلك؟


أعتقد أن هذا التصنيف ليس صحيحا؛ فموريتانيا بها مساحة من الحرية كبيرة جدا، ومن الفرص في المجال السياسي، صحيح أنهناك بشكل عام "وصاية" على المشهد السياسي، لكن الحق في التعبير، والحق في الترشح وفي النشاط السياسي، والحق في الإعلام سواء إصدار جرائد ومجلات أو إنشاء المواقع الإلكترونية، أو الحق في تكوين أحزاب، هذه الحقوق متاحة وقائمة، وموريتانيا بهامساحة كبيرة جدا من الحرية في هذه المجالات. 


هل إغلاق المساحة السياسية أمام الإسلاميين والزّج ببعضهم في السجون ما زال قائمًا في موريتانيا؟


هذه المعلومة قديمة، بمعنى أن ذلك كان يحدث قبل 15 سنة تقريبا، أما الآن فليس من الوارد في موريتانيا الزج بسياسيين داخل السجن، بل هناك حريات عامة موجودة ومصانة.


هل حزب "تواصل" والإسلاميون بشكل عام بصدد تجاوز التوتر مع النظام الحاكم؟


الآن لا يوجد توتر، والتوتر بمعنى الأخذ والرد ومنطق الأزمات ليس موجودا.

 

هل تبدّد شبح التطرف العنيف في موريتانيا إلى الأبد؟


التطرف له عوامل تغذيه، هذه العوامل - للأسف الشديد – منها الفشل في أحلام الشباب، ومنها أيضا القضايا العالمية التي تتحدى مشاعر المسلمين، والناس بشكل عام، ما يدفع كثيرا من المتعجلين وأصحاب المعارف المحدودة، الذين لا يدركون خطورة ما يقومون به،إلى مساحات من الغلو والتطرف المفضي إلى العنف.


نحن في منطقة مضطربة وخطيرة (الساحل والصحراء)، وقد بُذلت جهود كبيرة من الجميع، ونحن كإسلاميين وسطيين من خلال خطابناوصلتنا بالمساجد وبالشارع، كنّا أكبر جهة - قبل الدولة وغيرها -ساهمت في نشر الخطاب الإسلامي المعتدل، ونزعت لدى الكثيرين فتيل التطرف؛ فعندما تأتي بشاب وتقنعه بأن هناك فرصة لخدمة أمته ووطنه من خلال السعي في الحملات الانتخابية، ومن خلالتقديم ما يستطيع من العمل الخيري وتعليم الناس. وهذا التثقيفللشباب أن يفعل فعلا مرنا معقولا قابلا للقياس حتى يشعر أن طاقته اُستخدمت إيجابيا، أعتقد أن هذا جهد كبير قمنا به مع غيرنا، كذلك الدولة من خلال الأجهزة الأمنية قامت بردة فعل على حالات الغلو التي حدثت، لكن حتى الساعة بلدنا من أكثر البلاد سلامة، خاصة أنقوة الفرص وإعطاء الناس الأمل يجفف منابع هذا التطرف.


إلى أي مدى ترى أن استراتيجية الجمع بين القمع والحوار التي اتبعها الحكّام الموريتانيون في التعاطي مع التطرف العنيف كانت ناجعة؟


أنا ضد القمع على طول الخط، وكلمة "قمع" لديّ اعتراض دائم ومباشر عليها، ولكن الدولة عليها أن تستخدم الوسائل الأمنيةوالعسكرية عندما تُهاجَم من طرف آخر، بغض النظر عن المنطق الذي يحكم المهاجم، سواء كان من متطرف ديني أو متطرف يتبعتجارة المخدرات وغير ذلك. 


قضية التطرف فيها تقاطع بين المتطرفين دينيا، وبين تجار المخدرات، وبين الأجهزة الاستخبارية التابعة لدول خارجية (غربية وشرقية)؛فهي قضية تتبع منطق أسود ظلامي، ولا يمكن أن يتحمل مسؤوليته للخطاب الديني الإسلامي الذي يُحمّل ما لا يحتمل، ومعلوماتي أن هناك تجار مخدرات رأوا في لحظة ما أنه من الأفضل لهم أن يكونوا "إسلاميين ومجاهدين في سبيل الله"، فبيع المخدرات سبق الصفة الإسلامية.


وللأسف لن تجد أي تحقيق غربي أو شرقي منصف يتحدث أن تجارالمخدرات استغلوا العواطف الإسلامية، واستغلوا بعض الشباب المسلم الذين لديهم ندرة في الثقافة الإسلامية الحقيقية ثم دفعوا بهم في هذه الواجهة.


أعتقد أن خطة موريتانيا في هذا الشأن سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي كانت لها جدوى كبيرة، خصوصا في مجال الحوار الذييظل دائم سلوك بشري محمود، والحوار مع الأشخاص الذين جنحت بهم الأحداث إلى قناعات غير شرعية هو أفضل وسيلة؛ لأن هؤلاء الشباب المغرر بهم، أو الذين سقطوا في لحظة ضعف فكري أو نفسي في براثن التكفير والتشدد والغلو؛ فهؤلاء لديهم قناعات شرعية،وعندما تبدد أنت بالحوار هذه القناعات الشرعية، ويرى هذا الشابأنه إذا مات فلن يكون في سبيل الله، وأن هناك أكثر من طريق يمكن أن يخدم بها دينه وأمته من خارج منطق التطرف، وأن هذا الأمر ممكن، فأعتقد أن هذا أفضل الوسائل ما لم يحمل هؤلاء السلاح، فإن حملوا السلاح فعليك أن تكسر سلاحهم حتى يبدأ الحوار، وهذا أفضلطريق في التعاطي معه.

 

كيف واجهت موريتانيا جائحة كورونا؟ وكيف تقيمون الأداء الحكومي في مواجهة آثارها؟


أعتقد أنه كان هناك عمل كبير واُستغرق فيه جهد كبير، وبكل تأكيد أفاد، فقد كنّا قادمين من الصفر في وسائل الاستعداد للطوارئ، فقد كان عدد أسرّة الإنعاش على مستوى الوطن كله لا يتجاوز العشرات - مع الأسف الشديد - لكن أعتقد أن كان بإمكاننا أن نفعل أكثر مما تم فعله، كما أن القطاع الصحي الآن يديره وزير لا شية فيه، فالجميع يرى أنه رجل يتمتع بالكفاءة والصدق إلى آخره، ولكن نحن في العالم الثالث لدينا مشكلة في الدولة العميقة والفساد العميق، والذي لا تكفي فيه مجرد جرة قلم من الشخص الأول في القطاع وهو الوزير، ولكن لا بد من تغييرات جذرية وعميقة، ولا بد من تغيير الطواقم التي تفكر في مصالح ذاتها قبل أن تفكر في المصالح الجمعية للأمة، وما لم يحصل ذلك سيظل أي مسؤول - سواء كان الأول أو الأخير - نشازا، وسيظل محاصرا من طرف أولئك الذين يفكرون في مصلحة ذواتهم قبل الآخرين.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا