آخر الأخبار

WP: عالم سوري سرب أسرار البرنامج الكيماوي لـ"CIA"

لندن- عربي21- باسل درويش الأحد، 21 فبراير 2021 06:09 م بتوقيت غرينتش

نشرت صحيفة "واشنطن بوست"، تقريرا أعده جون واريك، قال فيه إن كتابا صدر في أمريكا عن دور باحث علمي سوري في الكشف عن أسرار البرنامج الكيماوي السوري للمخابرات الأمريكية "سي آي إيه"، وكيف انتهى بالكشف عن نفسه. 


وفي الكتاب الذي أعده جوبي واريك، بعنوان "خط أحمر: الكشف عن سوريا وسباق أخطر برنامج سلاح كيماوي"، قال فيه إن "سي آي إيه كانت تشير إلى الباحث السوري بـ"الصيدلاني"، ولم يكن هناك إلا قلة تعرف اسمه الحقيقي".

 

وقال إنه أستاذ جامعي موهوب، ويصلح لمهمة الجاسوس، ولديه المميزات غير المتوفرة للسوريين العاديين، بما في ذلك السفر إلى الخارج، ومقابلة الأجانب في الأسواق المزدحمة، والمقاهي العامرة بالرواد في المدينة القديمة. 

 

اقرأ أيضا: جلسة أممية عاصفة حول تحقيقات استخدام الأسد للكيماوي

ولم يكن مظهر الباحث الحليق الوجه وبنظارته الصغيرة وشعره الأشيب وبدلته التي تشبه بدلة مندوب مبيعات، أو موظف بيروقراطي، ما يثير الانتباه. فقط عندما كان يفتح فمه ويتحدث بالإنكليزية كان يعطي صورة مختلفة عن نفسه، وبخاصة أنه كان يتحدثها بلهجة أمريكية.


وكان هذا هو الملح الباقي من شبابه الذي قضاه في الولايات المتحدة، حيث درس في مدارسها وتناول البرغر ولعب الرياضة، بل وانضم لفرق الكشافة، وكل ذلك قبل أن يعود إلى بلاده، ليصبح خبيرا في صناعة الأسلحة الكيماوية. وكان فخورا بعمله لدرجة أنه أثار الشكوك حول نفسه، وأن تعاونه مع المخابرات الأمريكية لم يكن مدفوعا بكراهية النظام أو الجشع، ولكن التظاهر.


وبدأت القصة في دمشق عام 1988، وكانت أول محاولة له للتواصل مع الأمريكيين في مؤتمر علمي عقد في أوروبا، حيث طلب من صديق له أن يمرر رسالة إلى السفارة الأمريكية القريبة. 

 

ومرت أشهر عدة قبل أن تتصل به "سي آي إيه". ولكنه لم يفاجأ عندما اقترب منه شخص بعد محاضرته في جامعة دمشق. وكان أول ما قاله لمسؤول ملف في "سي آي إيه" لم يتجاوز العشرين من عمره: "كنت بانتظارك". و"ناديني باسم أيمن"، حيث قرر كاتب الكتاب حذف اسم العائلة، حتى لا يثير انتباه النظام وينتقم من أفراد العائلة.


وعندما اندلعت الحرب الأهلية في 2011، شعرت المخابرات الأمريكية بالخوف من فقدان سوريا السيطرة على سلاحها الكيماوي، وبخاصة غاز السارين وغازات الأعصاب القاتلة الأخرى.


وتعززت هذه المخاوف كما يشير الكتاب بتعاون استمر 14 عاما مع خبير عسكري في السلاح الكيماوي.

 

وكانت تعرف المخابرات الأمريكية حجم الأسلحة الكيماوية التي تملكها سوريا ومخابئها. وأقام الكاتب روايته حول تعاون المخابرات مع عميل كيماوي سوري على مقابلة 3 من المسؤولين الأمنيين الأمريكيين الذين كانوا على معرفة بالتعاون وصديق للعميل أيمن. وأعجب هذا بالأمريكي حيث قضيا وقتا طويلا في الحوار ومحاولة التعرف على نوايا وشخصية كل منهما.

 

وفي يوم دعا العالم الكيماوي الأمريكي إلى بيته في وسط العاصمة دمشق، والذي يشترك فيه مع زوجتيه. وكان حريصا على تبرير الزواج من اثنتين، حيث قال إن الأولى طباخة جيدة، أما الثانية فهي سكرتيرته الشابة التي جذبته بسحرها الجسدي.

 

وكانت المرأتان في خلافات دائمة، إلا عندما تقفان ضده، وتفرغان كل ما لديهما من غضب عليه. وكان يبحث عن حياة فيها حب دافق، وانتهى بانكسار القلب الدائم، وفق قوله.

 

وقال للشاب الأمريكي: "لا أنصح أحدا بهذا".

 

وقدمت الزوجتان للضيف الأمريكي القهوة في وقت استعاد فيه أيمن حياته في الولايات المتحدة والعائلة الأمريكية الطيبة التي استقبلته عندما وصل بحقيبته للدراسة في منحة أكاديمية.

 

وأظهر للضيف مجموعته من الأشرطة الموسيقية خاصة المفضلة له، وهي أعمال الفرنسي جين ميشيل جاري.

 

وبعد مغادرة المرأتين الغرفة، بدأ السوري بالحديث عن الموضوع الذي انتظره طويلا. وعبر سلسلة من الأحاديث المتعددة كشف أيمن للأمريكي الذي استمع بذهول للقصة، ونسي قهوته التي بردت. 

 

اقرأ أيضا: الذكرى السابعة لمجزرة الغوطتين في سوريا (إنفوغرافيك)

 

وكانت المخابرات تعرف بمركز الدراسات والأبحاث المقام على تلة تطل على العاصمة. وكان هدفه توفير الدراسات الهندسية لإنتاج صواريخ متوسطة المدى لكي تستخدم ضد إسرائيل.

 

وفي داخل المركز، كانت هناك وحدة سرية تعرف بمعهد 3000، وكان أيمن واحدا من المسؤولين البارزين والقادة فيها.

 

وكان عمل أيمن هو إنتاج مواد سامة قاتلة، لكي توضع في رؤوس الصواريخ هذه. وأطلق العلماء على المشروع أسم "الشاكوش".

 

ونظرا لمشاركته فقد حقق معهد 3000 تقدما في برنامج الأسلحة الكيماوية الذي بدا بغاز السارين، الذي استخدم في خنادق الحرب العالمية الأولى في أوروبا. ولكنهم انتقلوا إلى مراحل أعلى مركزين على عوامل الأعصاب، والتي بدأ معهد 3000 بإنتاجها في مصنع خارج العاصمة. وهذه أسلحة كابوسية وأنتج السوريون أنواعا عدة منها للتكيف مع ظروف المعركة. 


وكان منها غاز السارين المعروف منذ قرن، ويعد من أكثرها خطورة. وهناك "في إكس" الذي يعد أكثر فتكا من السارين، ويترك أثرا بعيد المدى.

 

ويخلف وراءه مادة زيتية غير مرئية، وتقتل لأيام، وبمجرد لمسها للجسد. واستمع عميل "سي آي إيه" بتركيز لما قاله السوري، فقد كانت المخابرات الأمريكية تعرف عن اهتمام السوريين بالأسلحة الكيماوية، ولكن ليس بهذا المدى. وفي الثمانينيات من القرن الماضي، ألمح السوريون إلى "ردع" ضد إسرائيل، مقابل سلاحها النووي، فهل كان هذا هو السلاح الردعي؟ وفق تساؤل الصحيفة.


ولم يظهر العالم الكيماوي السوري أي تردد من عمله، فقد طورت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق أنظمة كاملة قامت على هذه المواد السامة وخلال سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. فلماذا لا يكون لسوريا نفس الحق وردع عدوان جارتها النووية؟

 

وعندما كان يذكر اسم إسرائيل يتحول الأمر إلى مسألة شخصية، لأن سوريا عانت من الهزيمة مرتين الأولى في 1967 والثانية في 1973، عندما لاحقت الدبابات الإسرائيلية الجيش السوري المنسحب إلى مسافة 25 ميلا بعيدا عن دمشق، بحسب الصحيفة.

 

وقالت: "السلاح الكيماوي هو الرد على الغزاة من الجنوب الذي سيجدون أنفسهم وسط سحب الغاز السام الذي سيترك أجسادهم متعفنة في وديان سوريا الجنوبية. ومن نجا منهم سيجد نفسه أمام صواريخ سوريا التي ستقودهم إلى نفس المصير".

 

وأضافت: "نظر العالم الكيماوي إلى ضيفه الأمريكي، قائلا: يجب أن تحذر اليهود. وكلما جرى ذكر السارين كان العالم يشعر بنوع من النشوة نظرا لعمله في هذا المجال بمعهد 3000".

 

ويعد السارين قاتلا مناسبا كما اكتشف النازيون بالمصادفة وهم يجربون أنواعا جديدة من المبيدات الحشرية الجديدة في ثلاثينيات القرن الماضي.

 

ويعد السارين قاتلا بنسة 26 مرة أكثر من السيانيد. ويموت الضحية متألما ومخنوقا، لأن الغاز يشل عضلات التنفس. ولأن إنتاج السارين على قاعدة واسعة مثل أمريكا وروسيا أثناء الحرب الباردة يعد أمرا صعبا على بلد صغير. وعادة ما يفقد فاعليته مع طول الوقت، فقد قام العالم السوري بتطوير طريقة ذكية يتم من خلالها إنتاج سارين ثنائي يتم تخزينه بطريقة منفصلة، ولا يمزج إلا في اللحظة الأخيرة، وفق الكتاب.

 

وتابع الكتاب موضحا: "واحد من السائلين هو كحول إيزوبروبيل العادي، والثاني قاتل يعرف باسم دي أف، الذي يحتوي على العناصر الأخرى، ومواد إضافية ساهم أيمن في اكتشافها، وأسهمت في الحفاظ على قوة السارين بين فترة المزج. ولم تقم دولة أنتجت السارين بتطوير معادلة كهذه".


ونقل العميل زبدة ما جرى من حديث مع العالم السوري في برقية سرية أرسلها إلى مقر الوكالة في لانغلي، وتم تحليل ما ورد فيها، وثبت أنها حقيقية، وأكثر من مهمة.

 

وأصبح السوري يتلقى راتبا ينقل إلى حساب خاص له في ملجأ آمن. ولكنه طلب من "سي آي إيه" التعامل مع كلامه بمصداقية، ولكن أين الدليل؟ وكان الجاسوس السوري يتوقع هذا، ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر 1988 أرسل أيمن رسالة مشفرة إلى مسؤول سي آي إيه وطلب لقاءه، لكن ليس في بيته ولا بمقهى عام حتى لا يتم تسجيل عملية المبادلة.

 

وحددت المقابلة في سيارة بيجو قريبة من السفارة الأمريكية بدمشق، حيث سلمه طردا صغيرا، وقال "عيد الميلاد قريب، وأنت مسيحي" و "هذه هدية كريسماس".

 

وأخذ مسؤول "سي آي إيه" الطرد، ونقله إلى شقته، تم فتحه بمساعدة خبراء لتجنب أن يكون هناك أي نوع من المفاجأة. وبعد إزالة الجزء الخارجي للطرد، ظهرت قارورة صغيرة فيها مادة سائلة. وتم وضع القارورة في صندوق زجاجي مقوى، ونقلت إلى حقيبة دبلوماسية، وأرسلت للولايات المتحدة.

 

وبعد وصولها، أخذت على عجل إلى مختبر عسكري، حيث قام خبراء بملابس واقية بفتحها وتحليل المادة السائلة. وكانت النتيجة مبهرة، حيث استطاعت دولة صغيرة وعلى قائمة العقوبات إنتاج تحفة كيماوية وقاتلة.


ومع بداية القرن الحالي، توسع مجمع المختبرات بشكل مضطرد إلى شبكة من المختبرات ومراكز الإنتاج ومجمعات الإنتاج والمخازن و40 خندق تخزين في عدد من المواقع حول البلد من دمشق حتى حلب، في الشمال.

 

وظل الباحثون يجربون منتجات جديدة، لكن مخزون السارين الثنائي زاد إلى ما بين 1.300– 1.500 طنا وغاز الخردل وفي إكس. ولأن سوريا كانت في وضع مستقر، فلم تدع الحاجة لإنتاج مواد إضافية.


واستمرت اللقاءات لمدة 14 عاما، مع أن وجوه الأمريكيين اختلفت، حيث تم تبديل المسؤولين، وجرى التوصل إلى طرق للتواصل يستطيع أيمن إيصال الرسائل إلى سي آي إيه بدون اللجوء إلى السفارة.

 

وكبر حساب الجاسوس السوري في الخارج من الدولارات والدنانير التي حصل عليها كعمولات من المشترين.

 

ونقل أيمن الذي أصبح في الخمسين من عمره زوجتيه إلى شقق فارهة وفصل بينهما. وكان قد ملك العالم: غني وعالم محترم من الباحثين الشباب وتحت إدارة فريق كبير من العاملين. ولكن أمرا لم يكن جيدا، ورآه في عيون الأمن الذي جاءوا إلى مركز الدراسات والأبحاث في نهاية 2001، للحديث معه.

 

وسألوه إن كان يمكنه مرافقتهم إلى المكتب للقاء؟ وشعر أيمن بالفزع، وتساءل: "هل كان لهؤلاء معرفة بالأمر؟ ولكن كيف؟ وبدأ التحقيق في مقر المخابرات، حيث قال مدير المخابرات وصهر الرئيس بشار الأسد، آصف شوكت: لقد ثبتت خيانتك".

 

وقال للعالم الخائف إن الحكومة كانت تعرف عن نشاطاته السرية كلها. ومن الأفضل الاعتراف، وطلب العفو بناء على الخدمات التي قدمها للجمهورية. واعترف أيمن بكل شيء، وأخبرهم بلقاءاته مع سي آي إيه والمعلومات التي نقلها للأمريكيين والحسابات المالية في الملاجئ الآمنة.

 

وقال إن أحدا لم يكن يعرف بنشاطاته، لا رفاقه في البحث ولا زوجتيه وعمل هذا بنفسه. واستمع شوكت لما قاله أيمن بنوع من الدهشة، وقرر أن يسأله عن العمولات التي بدأ يتلقاها من الشركات الأجنبية، فقد كان جشعه هو السبب الذي دفع المخابرات للتحقيق معه.

 

ولم يعرف أي شيء عن نشاطاته التجسسية. ووجدت المحكمة السورية أيمن مذنبا بالخيانة العظمى، في محاكمة سرية، ولم يعرف بها علنا، ولكن تم وصفها للموظفين في مركز الدراسات والأبحاث لمنحهم درسا.

 

ولكنه منح معاملة خاصة، فهو خائن وبطل قومي في الوقت ذاته. وسمح لزوجتيه وأولاده بمغادرة سوريا إلى الخارج، وبداية حياة جديدة. أما أيمن فنقل إلى سجن عدرا، حيث تم إيقاظه في صباح نيسان/إبريل 2002، ونقل معصوب العينين إلى ساحة السجن، وأعدمته فرقة جنود.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا