آخر الأخبار

كتاب مثير لسياسي بريطاني يتحدث عن عُمان ونفوذ إسرائيل وبريكست

لندن- عربي21 الثلاثاء، 04 مايو 2021 08:33 ص بتوقيت غرينتش

تحدّث السياسي البريطاني كريس مولين، عن كتاب مثير حول رئيس الحكومة بوريس جونسون، واتفاقية "بريكست"، و"أسرار بريطانيا في الشرق الأوسط".

 

مولين، الصحفي والسياسي البارز عن حزب العمال (شغل مناصب في عدة حكومات، وكان عضوا في مجلس العموم لـ23 سنة)، ذكر في مقال عبر موقع "ميدل إيست آي"، أن مذكرات وزير الدولة السابق آلان كلارك حول جونسون وقضايا أخرى، باتت اليوم من أكثر الكتب مبيعا، إذ إنها تناولت أيضا حقبة وزارة مارغريت تاتشر.

 

وتابع بأن آلان دانكن الذي عمل لسنوات في وزارة الخارجية، قدّم كتابا عما كان يجري وراء الكواليس خلال هذه السنوات الخمس الأخيرة من الحياة السياسية المضطربة داخل بريطانيا ضمن يوميات صدرت تحت عنوان "في بؤرة الاهتمام"، لافتا إلى أن "المخاطر مهولة، والمواضيع الكبرى هي بريكسيت، وصعود نجم بوريس جونسون، وتراجع دور بريطانيا في العالم".

 

سلطنة عُمان


دانكن سلط الضوء بشكل عابر على مساحة لا يُعلم عنها الكثير، ألا وهي علاقة بريطانيا الوثيقة مع سلطنة عُمان ذات الأهمية الاستراتيجية في الخليج. ليس سراً أن بريطانيا لها وجود قوي منذ زمن طويل في السلطنة، التي تعتبر واحدة من المواقع الأخيرة المتبقية التي تتواجد فيها بريطانيا في الشرق الأوسط.

 

فالضباط البريطانيون يعملون في القوات المسلحة العمانية، كما أن وكالة رصد الاتصالات البريطانية التي تسمى "جي سي إتش كيو" لديها قاعدة هناك. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر السلطنة، مثلها مثل كثير من جاراتها، سوقاً مهمة للأسلحة البريطانية.
 
ويعود اهتمام دانكن بالمنطقة إلى الأيام التي كان يعمل فيها تاجراً للنفط. وكان قد عينه كاميرون في عام 2014 مبعوثاً خاصاً إلى سلطنة عمان، وهي الوظيفة التي أخذها على محمل كبير من الجد. وكان عضواً في ما كان يطلق عليه اسم "المجلس الخصوصي" لسلطان عمان، ويتشكل من ستة أعضاء بارزين من مؤسسة الحكم في بريطانيا يجتمعون مع السلطان سنوياً ليشيروا عليه.
 
يقول دانكن إنه شارك في أربعة عشر اجتماعاً منذ عام 2001، وما على المرء إلا أن يلقي نظرة على قائمة الأسماء ليدرك الأهمية التي كانت توليها بريطانيا لتلك العلاقة. اشتمل ما يسمى المجلس الخصوصي على أعضاء كانوا حينها أو فيما سبق يعملون رؤساء للأجهزة الأمنية، وكذلك على السكرتير الخاص السابق للملكة، وعلى عدد من قادة الأركان السابقين بالإضافة إلى ميرفين كينغ، الحاكم السابق للبنك المركزي في إنجلترا.
 
كانت الضيافة باذخة. كتب دانكن عن عشاء رأس السنة الذي كان يقيمه السلطان: "كنت أجلس في نفس الكرسي الذي احتللته على مدى العشرين عاماً الماضية... لم يكن ذلك على نمط البوفيه بقدر ما كان عبارة عن مأدبة فاخرة تتكون من صفين من الطاولات ربما بلغ طول كل واحدة منهما خمسة عشر ذراعاً، تئن تحت وطأة ما حمل عليها من أطباق ضخمة من الكركدن والروبيان والدجاج وغيرها. وهذه فقط المقبلات، ثم تدخل الوجبات الرئيسية على أطباق أغطيتها قبب فضية. وتتلوها الحلويات ثم كعكة رأس السنة التي يبلغ ارتفاعها ثمانية أقدام.... كان العشاء ينتهي في الثانية من بعد منتصف الليل ويبدأ بعده الحفل الموسيقي الذي يستمر حتى الرابعة والنصف فجراً".
 
توفي السلطان قابوس، الذي حكم لما يقرب من خمسين عاماً، في يناير/ كانون الثاني من عام 2020 وخلفه ابن عمه. كان لا بد من تشكيل وفد رفيع المستوى على عجل لتهنئة الحاكم الجديد، كان من ضمن أعضائه الأمير تشارلز، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش. كونوا على يقين بأن سلطنة عمان مهمة جداً بالنسبة لبريطانيا.
 
أخذاً بالاعتبار اهتمامه على مدى زمن طويل بالمنطقة، كان مؤلف الكتاب يتوقع محقاً بأن تشمل المهام التي يكلف بها داخل وزارة الخارجية الشرق الأوسط، إلا أن كتلة أصدقاء إسرائيل داخل حزب المحافظين، والتي لاحظت تعاطفه مع الفلسطينيين، كان لها رأي آخر.
 
جاء في تدوينة دانكن في السادس من يوليو/ تموز 2016 ما يأتي: "في الخامسة والنصف مساء توجهت إلى وزارة الخارجية. كل شيء يبدو واضحاً ومتفقاً عليه بأنني سأكون الوزير المسؤول عن الشرق الأوسط، كما هو متوقع... ولكن عندما رأيت بوريس جونسون في السادسة مساء بدا كما لو أن مشكلة كبيرة قد طرأت... قال بوريس إن كتلة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين يشنون هجوماً صاروخياً... والأمر كما أراه هو أنه لا يوجد سبب لذلك سوى أنني أؤمن بحقوق الفلسطينيين. بينما يدعون هم أنهم يؤمنون بدولتين اثنتين بالتوازي، فإن من الجلي أنهم لا يؤمنون بذلك حقاً، ولذلك راحوا يشنون الحرب لتدمير كل من يتعاطف مع الفلسطينيين".

 

جبناء في مواجهة إسرائيل

 

يبدو أن المجموعات المناصرة لإسرائيل كانت أيضاً تسعى للتأثير على مكتب رئيس الوزراء: "والآن، يقول مكتب رئيس الوزراء لبوريس بأنني لا يمكنني تولي الشرق الأوسط.. في أي بلد آخر سيعتبر ذلك، برأيي، بمثابة جاسوسية متحصنة". ولكن من باب الإنصاف، كانت هناك اعتراضات أخرى، حيث إن ارتباطات دانكن التجارية السابقة في الشرق الأوسط كانت تعتبر مشكلة بحد ذاتها. تم في نهاية المطاف تسليمه المسؤولية عن أوروبا والأمريكيتين، باستثناء سلطنة عمان التي سمح له بالاحتفاظ بها.
 
كانت هناك تتمة طريفة لهذه الحلقة من المسلسل البسيط، وذلك أن الدبلوماسي الإسرائيلي شاي ماسوت ضبط متلبساً أمام عدسة الكاميرا بينما كان يتحدث عن "إسقاط" دانكن. اتصل السفير الإسرائيلي ليقدم اعتذاره، وللتأكيد على أن ذلك الشخص المعني تم توظيفه محلياً ولم تكن لديه صفة دبلوماسية. "كان ذلك كله كلاماً فارغاً" كما كتب دانكن، الذي أكد أن "ماسوت كان يشغل منصب السكرتير الأول أو الثاني في السفارة، وكان عنصراً في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتم توظيفه ليقوم تحديداً بمهمة سرية للدعاية بهدف التأثير على البرلمان البريطاني".
 
سرعان ما تم كنس ومواراة الحادثة تحت البساط، وأما ماسوت، الذي كانت لديه أيضاً اتصالات مع حزب العمال، فقد أعيد إلى بلاده. وحرصاً على تجنب الدخول في جدل مع الإسرائيليين، قررت الحكومة البريطانية الاكتفاء بذلك وعدم متابعة القضية. وكان ذلك أيضاً موقف حزب العمال الذي كان يتعرض للي ذراعه بسبب المزاعم بتفشي معاداة السامية في أوساطه.
 
على الرغم من أن دانكن كان نموذجاً يحتذى في التكتم في الحيز العام إلا أنه كان في المجالس الخاصة يعرب عن سخطه الشديد من السلوك الذي تنتهجه بريطانيا تجاه إسرائيل. ولقد كتب معلقاً على حفل الاستقبال الذي نظم لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل مكتب رئيس الوزراء قائلاً: "نحن جبناء منبطحون متزلفون وتافهون".
 
وتعليقاً على تأكيد سياسي إسرائيلي مناصر للاستيطان أن جميع الضفة الغربية المحتلة ملك لإسرائيلي تساءل دانكن: "أين هو الرد البريطاني على ذلك؟".
 
وتعليقاً على خطة إسرائيلية لطرد 500 بدوي من أرض متاخمة للقدس من أجل شق طريق يعبر من خلاله المستوطنون، قال دانكن: "ليس هذا نهاية حل الدولتين فقط، وإنما هو نهاية لكل موقف مبدئي لبريطانيا تجاه القضية، إذا ما أخذنا بالاعتبار أن مثل هذا الأمر كان دوماً خطاً أحمر بالنسبة لنا، ثم ها نحن لا ننوي القيام بشيء".

 

مطارد من قبل بريكسيت

 

إلا أن بريكسيت، وليس إسرائيل، هو الإشكال الذي يهيمن على هذا المجلد. وبالفعل، إنها القضية التي تطارد حزب المحافظين بأسره.
 
في فبراير/ شباط 2016 غازل دانكن، الذي طالما كان من المرتابين بأوروبا، حملة المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن زيارة واحدة إلى مقر تلك الحملة الانتخابية كانت كفيلة بتنبيهه إلى نوعية الناس الذين كان سيصحبهم لو مضى في ذلك، وبالتالي فإنه قرر الوقوف بقوة إلى جانب حملة البقاء داخل أوروبا.
 
ويشرح تحوله على النحو الآتي: "في لحظة ما على امتداد الفترة من مطلع التسعينيات تحول الموقف النزيه والحكيم للمرتابين بأوروبا إلى شكل سطحي من أشكال النعرة القومية، والتي بدت لي قبيحة ووضيعة. فبدلاً من الدعوة إلى إصلاح المؤسسات الأوروبية العتيقة التي عفا عليها الزمن والسعي للحصول على وضع أفضل لبريطانيا، انسحب كثير من المرتابين بأوروبا إلى خندق رافعي الشعارات الفجة. لقد كانت هناك حجة عقلانية وبراغماتية تبرر الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن قلة قليلة منهم كانت تعبأ باللجوء إليها، ووجدنا أنفسنا بدلاً من ذلك في مواجهة موجة من الكلام الشعبوي الفارغ والعبارات العاطفية المبتذلة والكذب الصراح".
 
على الرغم من تعاطفه وتفهمه للمهمة المستحيلة التي كانت تواجهها رئيسة الوزراء آنذاك واستمرار ولائه لها طوال فترة حكمها، فإن دانكن، مثله في ذلك مثل آخرين، كان يشعر باليأس بسبب انعدام الوجدان لدى  تيريزا ماي، والتي يصفها قائلاً: "لا رصانة ولا حضور، ولا كاريزما".
 
في شهر يوليو/ تموز من عام 2016 تم تعيين بوريس جونسون وزيراً للخارجية، وكان دانكن، بوصفه نائباً له ولئن كان فقط من الناحية الشكلية، في وضع يؤهله لمراقبة ما يجري عن كثب. وكان حكمه على جونسون سلبياً. قبل ستة أيام من الموعد الذي كان من المقرر أن تلقي فيه رئيسة الوزراء تيريزا ماي خطاباً مهماً حول أوروبا، نشر جونسون مقالاً طويلاً حدد فيها ما وصفه بخطوطه الحُمر حول الموضوع، الأمر الذي قوض من موقفها ونال من هيبتها.
 
ومرة أخرى كان دانكن يشتعل غضباً: "يظن أنه تشيرتشل القادم. لديه شغف بالرومانسية الساخرة المضللة للذات والتي لا صلة لها بالواقعية. إنه خوان. تضخم رأسه بفضل عقد من الاهتمام الإعلامي به، ولكنه لا يدرك أن اللمعان قد تلاشى. لم تعد مشاهده الكوميدية حية، وانعدام الجدية تجاه المهام الجدية يعتمل... إنه مهرج، يملأه الغرور، وبهلوان محرج، ذهنه غير مرتب، وتقديره للأمور الدبلوماسية دون الصفر. إنه لطخة دولية تشوه سمعتنا... إنه علقة من التفرد والأنانية والخزي وعدم الانضباط وعدم الحياء".
 
ربما. ولكنه مقياس لمدى تراجع بريطانيا في العالم أن يكون هذا الرجل الآن هو رئيس الوزراء في بلادنا. في مكان ما في أحشاء الحكومة، سيكون هناك مدون آخر يستأنف تتبع الانحدار القاسي لبريطانيا نحو التقوقع والتفاهة. نعم، ولقد علمت من مصدر موثوق أن الملكة أيضاً تدون يومياتها هي الأخرى. وأتساءل ماذا عساها تكتب عن كل هذا الذي يجري من حولها.

 

للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا