آخر الأخبار

باحث سوري لـ "عربي21": فلسطين هي البوصلة والبداية والنهاية

توفيق المديني الجمعة، 14 مايو 2021 11:28 ص بتوقيت غرينتش

تنشر "عربي21" في قسم "فلسطين الأرض والهوية"، كل يوم جمعة، توثيقا أسبوعيا لفلسطين، كما تبدو فكرة ومفهوما في أذهان المثقفين والسياسيين والنشطاء الحقوقيين في العالم.. على اعتبار أن هذه الكتابات هي جزء من وثائق التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر.

اليوم ننشر الجزء الأول من رأي الباحث والمؤرخ السوري الدكتور إبراهيم محمود زعرور، وعن تشكل وعيه كسوري أولا ثم كباحث في التاريخ القديم والحديث بالقضية الفلسطينية.

 

كيان قائم على باطل


إذا هُزِمَتْ فلسطين، هُزمت الأمة، وإذا انتصرت فلسطين انتصرت الأمة؛ فالصراع مرتبط بالوجود والمستقبل وبالهوية والثقافة والتاريخ والحضارة، ولاسبيل على الإطلاق إلا بتفكيك المشروع الصهيوني العنصري الفاشي في فلسطين، وعودة الشعب العربي الفلسطيني إلى أرضه السليبة، وكذلك استعادة تحريرالأراضي العربية المحتلة في الجولان العربي السوري.

وما أسس على باطل فهو باطل.، والكيان الصهيوني قائم على باطل، وهو إلى زوال مهما طال الزمن؛ فالتاريخ يؤكد لنا دحر الغزاة الذين جاؤوا إلى فلسطين وما جاورها من اليونانيين والرومان والفرس والصليبيين والمغول، وكذلك سيهزم المشروع الصهيوني المساند من الإمبراطورية الأمريكية.

تلك هي الرؤية الثاقبة التي يدافع عنها الدكتور إبراهيم زعرور، المفكر العروبي السوري من مدينة مصياف، التي أنجبت العديد من النخب الفكرية والثقافية لسوريا، والمنفتح على الحداثة بكل منطوياتها الفكرية والثقافية والسياسية، والمتحرّر من القوالب الجامدة للحركات القومية الإيديولوجية. 

الدكتور إبراهيم محمود زعرور حاصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ العرب والإسلام من جامعة دمشق، ودرَّس تاريخ العرب والإسلام بمرتبة أستاذ منذ عام 2000م في جامعة دمشق ـ حلب ـ البعث ـ السويداء منذ عشرين عاما وحتى الآن. وهو عضو أسرة تحرير مجلة دراسات تاريخية التابعة لجامعة دمشق عام 1990 وحتى الآن. وعضو مجلس إدارة اتحاد المؤرخين العرب في القاهرة منذ عام 1990، وعضو في اتحاد الكتاب والأدباء العرب.

في هذا اللقاء مع "عربي21"، حول فلسطين الهوية والذاكرة، يتحدث عن تشكل وعيه التاريخي للقضية الفلسطينية، فيقول؛ "إنَّ فلسطين بهذا التوصيف البسيط تختزل كل الصراع القائم ليس الآن وليس من ماضٍ قريب، وإنما من ماضٍ في التاريخ القديم والوسيط مرورا بالحاضر ونهاية بالمعاصر. وعندما امتلكت بعض الوعي في بدايات تكوّن شخصيتي بكل أبعادها وفي مقدمتها العلمية والمعرفية والسياسية والوطنية والقومية والإنسانية، ومن خلال تخصصي في علم التاريخ، وأعرف أن مهمة المؤرخ دائما البحث عن الحقيقة، قلت في نفسي: أنا الأولى بالتطوع كما الكثيرين غيري في الوطن العربي والعالم، يبحثون عن حقائق الحياة والتاريخ. 

وكانت الأمثلة في التاريخ في وعي دور الاستعمار والمراحل التي مولها خلال قرون طويلة وما نتج عن ممارساته من الظلم والقهر والاستبداد والسيطرة والتحكم، وقلب الحقائق وتغيير المفاهيم وتزوير المصطلحات وغيرها الكثير وليومنا هذا، ولعل أوضح مثال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وظاهرة الاستعمار العسكري المباشر، وتاليا السياسي والاقتصادي والثقافي ومحاولات إلغاء الهوية للشعوب ومصادرة تطلعاتها وطموحاتها أفرادا وجماعات وأحزاب ومنظمات وهيئات ودول، وسوى ذلك من قبل الاستعمار الذي يغيّر لبوسه وفق مصالحه وأطماعه، شكلت القضية الفلسطينية ومازالت وستبقى القضية المركزية للأمة العربية منذ أربعينيات القرن الماضي، وهي تمثل جوهر الصراع العربي الصهيوني (صراع وجود لا حدود) صراع حضاري وتاريخي وثقافي واجتماعي واقتصادي وسياسي وسواه.
 
وأصبحت القضية الفلسطينية ذات أبعاد متعددة وطنية متصلة بحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وحقه في تحرير أرضه والعودة إليها وإقامة دولة وطنية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، وعربية بمعنى بسبب احتلال فلسطين، فقد تم احتلال أراضٍ عربية في الأقطار العربية المجاورة لفلسطين في سورية ولبنان والأردن ومصر، إضافة لاعتداءاتها المتكررة على سيادة بعض الدول العربية تحت مسميات وذرائع الأمن القومي الصهيوني للكيان الممثل، ودولية؛ فهي القضية الدائمة في إدراجها على جدول أعمال الأمم المتحدة ومؤسساتها ولقاءات الدول في قارات العالم المختلفة، وإنسانية بمعنى أنها القضية الأكثر ظلما وقهرا وعدوانا واضطهادا، لم تواجه البشرية قضية بهذا التعقيد والتداخل والتشابك وحرمان الشعب العربي الفلسطيني من أبسط حقوقه الإنسانية بسبب الاحتلال الصهيوني وممارساته العنصرية والفاشية والعرقية، وبأشكال التعذيب والاضطهاد كافة؛ سواء بالسجن أو الاعتقال أو النفي أو التصفيات الجسدية وغير ذلك، التي تمارس على مدى عقود وبشكل يومي ضد الشعب العربي الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال المتوحش منذ 1948م. أو الاحتلال العدوان في الخامس من حزيران 1967م، أو تشريد ما يزيد عن ستة إلى سبعة ملايين في أقطار الوطن العربي والعالم، بالإضافة إلى عدد مماثل مازال يرزح تحت الاحتلال الصهيوني بشكل مباشر أو غير مباشر، بالإضافة إلى الأوضاع الإنسانية التي يعاني منها الشعب العربي الفلسطيني من أسباب شظف ومشقة الحياة والسكن والتعليم والصحة والفقر والاضطهاد والسجن والاعتقال والنفي القسري والتعذيب النفسي والمادي، وسوى ذلك الكثير. 

 

حالة أقرب إلى الهلوسة


والادعاء الصهيوني بالحق التاريخي وأنهم شعب الله المختار، هي حالة أقرب إلى الهلوسة والأسطورة ولا يستند إلى أية وثائق أو دلائل أو بينات أو أثر مادي يدلل على هذا الادعاء الصهيوني الباطل، وما مارسته من عمليات التزوير والتزييف وخداع المجتمع الدولي والفبركات والادعاءات الكاذبة وتوظيف القوى الدولية لصالحها الغرب، وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل قمة النظام الرأسمالي العالمي (الإمبريالية) بكل توحشها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولليوم، ومعاداة الشعب العربي الفلسطيني وتجاهل حقوقه المشروعة، والعدوان الدائم على أقطار الوطن العربي والمجتمع العربي ونهب كل الثروات والسيطرة الكاملة على مقدراته السياسية والاقتصادية، وسواها.

وحول جرائم ومخططات تهويد القدس، يقول الدكتور إبراهيم زعرور لـ "عربي21": "لم يختر الصهاينة فلسطين (لمعناها التوراتي والديني) بالنسبة إليهم، ولا لأن مياه البحر الميت تعطي بفعل التبخر ما قيمته ثلاثة آلاف مليار دولار من المعادن وأشباه المعادن، وليس أيضا لأن مخزون أرض فلسطين من البترول يعادل عشرين مرَّة مخزون الأمريكيتين مجتمعتين، بل لأن فلسطين ملتقى طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الاستراتيجي العسكري للسيطرة على العالم، هذا الكلام ما أكده الدكتور "ناحوم غولدمان" رئيس المؤتمر اليهودي العالمي من محاضرة له في مدينة مونتريـال في كندا عام 1947. 

فلقد اختارت الصهيونية فلسطين لتقيم فيها إسرائيل لأسباب متعددة: اقتصادية وعسكرية وسياسية، ولعل الدينية آخرها. ثم عملت بعد ذلك على إيجاد المبررات والحجج لتقنع الرأي العام الدولي بمساعدتها في تحقيق بغيتها، وكان من حجج الصهيونية الادعاء بحق تاريخي مزعوم في الأرض المقدسة في فلسطين.

لكنَّ الوقائع تؤكد أنه ليس للصهاينة أي حق في فلسطيني. وكذلك تشير الحقائق إلى أن الصهيونيين الذين قدموا إلى فلسطين واغتصبوا أرض العرب ليسوا ساميين أصلا، ولا توجد رابطة نسبية تربطهم بإسرائيل (يعقوب) الذي يطلقون اسمه على دولتهم.

فتسمية فلسطين وحدودها، وهي الأرض الواقعة جنوبي سوريا وشرقي البحر الأبيض المتوسط، هي أرض حضنت التاريخ وصنع فيها لتاريخ، ويمكن أن يقال عن هذه الأرض ما قاله / شيشرو عن أثينا/: "حينما نضع أقدامنا فنحن إنما نمشي على التاريخ".

وقد أطلقت شعوب كثيرة على الأرض أسماء كثيرة. ولعل أقدم أسماء هذه الأرض هما اسمان، فارو (للجزء الجنوبي) ورتيذو (للجزء الشمالي) اللذان أطلقهما قدماء المصريين.

ثم سميت الأرض أرض كنعان أو كنعان، وتوجد أول آثار لهذه التسمية في حفريات تل العمارنة الذي يرجع عصرها إلى خمسة عشر قرنا قبل الميلاد. والاسم الذي تذكره هذه الحفريات هو (كيناهي) أو (كينا هنا) وأصله كنعاني، وأشارت هذه الحفريات بهذا الاسم إلى البلاد الواقعة غربي نهر الأردن بما فيها سوريا. و(كنعان هو الاسم الذي تذكره به التوراة هذه البلاد)، هذا رغم أنَّ اليهود بعد غزوهم فلسطين، كانوا قد بدأوا يسمون هذه البلاد في لغتهم بـ(أرض إسرائيل)، وسموا شرقي الأردن باسم (عبر الأردن).

سكان فلسطين الأقدمون، من هم؟

"إن رأي الفقهاء الأكفاء من أهل الخبرة والمعرفة، أن فلاحي فلسطين الناطقين بالعربية هم أصلاء القبائل الوثنية التي كانت تعيش هناك قبل الغزو الإسرائيلي، وظلت أقدامهم ثابتة في التربة منذ ذلك التاريخ".

منذ أقدم العصور كانت شعوب الجنس السامي ـ أي العربي ـ تسكن فلسطين بعد أن انتقلت إلى سوريا والجزء الجنوبي فيها ـ فلسطين ـ في سلسلة طويلة من الهجرات، حين كانت الهجرة الكنعانية أقدم الهجرات التي تعرف وعن يقين.

والكنعانيون شعب سامي عربي، وأحيانا يطلق اسمهم، كما سبق، على كل القبائل غير الإسرائيلية في فلسطين، ولا مجال للشك في أن عرب فلسطين اليوم هم أخلاف الكنعانيين واليبوسيين والفلسطينيين الذين صمدوا في الأرض، رغم كل الطغيان والغزوات الخارجية المستمرة.

وفي عام (2800 ق.م)، جاءت هذه الأقوام السامية من قلب الجزيرة العربية واستقرت في الساحل السوري، من خليج إسكندرون إلى رأس الكرمل، عرفوا بالفينيقيين نسبة على (فينقس) أي الأحمر، واشتهر الفينيقيون الساميون بالملاحة والمغامرات البحرية، فبنوا مدنا عدة مثل ـ صور ـ وأرواد ـ وجبيل ـ واللاذقية ـ وبيروت ـ وطرابلس، وكذلك قرطاجة ـ وبقرص ـ وصقيلية ـ ومالطا ـ وجزر بحر إيجة.

وكذلك الآراميون قبائل سامية، هاجرت من جزيرة العرب في عداد الهجرات المتلاحقة من الجزيرة العربية إلى أرض ما بين النهرين وسوريا ومصر، وأسسوا مدنا وممالك مثل دمشق- وماه- وسامال.

وكذلك البابليون في وادي العاصي الأعلى والفرات، أسسوا مملكة عظيمة سميت بالدولة البابلية الأولى نسبة إلى مدينة بابل (2123 ـ 2081-ق.م)، وأخضع بلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب.

نيرون يحرق القدس:

وفي زمن الإمبراطور الروماني (نيرون)، كانت روما عرضة لنزاع بين قوادها. وكانت الخلافات السياسية بين أولئك القواد الرومانيين لانتزاع السلطة، وفي تلك الفترة، حاول الرومان نقل معبد /جوبيتر/ في أورشليم إلى بيت الله، وعندها عارض اليهود واخترق الرومان أسوار أورشليم وتدفقت جنودهم إليها وأعملوا السيف في رقاب السكان، وقتل نصف اليهود وأحرق /تينوس/ أجزاء وأجزاء من المدينة، وهجر اليهود فلسطين إلى شتى بقاع الأرض، وكان ذلك بعد السبي البابلي. أما أورشليم مدينة السلام /القدس/ فقد أصبحت مستعمرة رومانية بعد أن أطلق عليها اسم "فلسطين".


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا