آخر الأخبار

مواطنة المقاومة بين الأمل والألم.. مواطنة من جديد (52)

سيف الدين عبد الفتاح الأربعاء، 19 مايو 2021 07:43 م بتوقيت غرينتش

المواطنة ليست ذلك القمقم الذي يُحبس فيه الإنسان ومواقفه وإرادته، ومن هنا فإن المعنى الذي نريد أن نؤكد عليه في "مواطنة المقاومة"؛ أن تلك المواطنة هي مواطنة منفتحة غير حابسة للإرادة، غير مقطوعة عن محيطها ولا ممنوعة عن آمالها، وهي التي تؤسس لشبكة العلاقات القائمة على حقيقة الإنسانية والكرامة والحرية.

هذه المعاني جميعا هي فحوى مفهوم المقاومة حينما تتحرك لمواجهة كل ظلم يمارس على الإنسان- المواطن؛ ضمن حركة فاعلة وإرادة متكاملة. إن عملية المقاومة تلك هي التي تفرز المعاني التي تتعلق بكرامة الإنسان حينما تؤمن بمعنى الإنسانية الحقة، في سياق يرفض كل مداخل ومسالك العنصرية في هذا المقام.. الإنسانية في مواجهة العنصرية، والمقاومة في مواجهة الغصب والاحتلال.

وإذا نظرنا إلى تلك الملحمة الحقيقية التي تسطرها المقاومة الفلسطينية، فهي تفتح أفق المواطنة الحقة فتسترد معنى فلسطين بكامل جغرافيتها وامتداداتها، وتؤكد على معنيين اثنين للمواطنة يتدافعان ضمن حركة المقاومة؛ المواطنة الإنسانية المنفتحة المتأبية على أي سجن أو انحباس، والمواطنة العنصرية المغلقة التي تحركها كل أمور تتعلق بالعدوان والغصب والاحتلال.. المواطنة الفلسطينية المقاومة في مواجهة المواطنة العنصرية على الطريقة الصهيونية.

هذه الأفكار جميعا إنما تتداعى ضمن عالم الأحداث الذي يسطر في ميدان معركة بدأت بذلك النداء المقاوم من أهل حي "الشيخ جراح"، ذلك أن متوالية العنصرية الصهيونية التي اغتصبت الأرض والعرض والأراضي الفلسطينية التاريخية شكلت في حقيقة الأمر ممارسة حالة من الاغتصاب؛ ليس فقط المتكرر ولكنه الاغتصاب المركب. بالأمس اغتصب الكيان الصهيوني "الأرض"، ثم هو الآن يغتصب "البيت" ضمن عملية قضم لا تشبع، واغتصاب لا يتوقف.

هذه المفارقة والمدافعة إنما تشكل في حقيقة الأمر رمزية الكرامة الإنسانية وانفتاح فكرة المقاومة حينما تبدأ من القدس في حي الشيخ جراح، فيقوم أهالي الحي في هبة واحدة؛ يرفضون أن يستولي المغتصب على بيوتهم التي يعيشون فيها وتعيش فيهم.

ومن المؤسف حقا أن يدعم ويساعد الكيان الصهيوني حالة من التواطؤ الدولي، خاصة من دول الغرب الذي يتغاضى عن هذا الغصب الصهيوني للأراضي الفلسطينية والاستيطان فيها، وممارسة أقصى درجات العنصرية من نظام للفصل العنصري، بحيث يُعد هذا الكيان العنصري الوحيد المتبقي في شكل استعمار استيطاني انتهى من على وجه المعمورة. ومن خلال تلك الممارسة من التواطؤ تضيع الحقوق ويستمر الغاصب في متوالية غصبه حتى يقضي على الإنسان- المواطن الفلسطيني ذاته، بعد أن حاول من كل طريق أن يمحو ذاكرته ويطمس حقه ويفك ارتباطه بأرضه، بل يحاول أن يهجره قسريا من بيته.

لقد كان المخطط الصهيوني في هذا المقام هو تفتيت الشعب الفلسطيني وعزله في محاولة منه لتقديم الصورة الفلسطينية، في صورة "كانتونات" منعزلة وأرض غير موصولة، ونسي هؤلاء أن الأمر ليس مجرد وصل جغرافي بين أرض؛ ولكنه وصل بين إرادة مقاومة. فحينما يستغيث حي الشيخ جراح تتداعى له كافة الأرجاء الفلسطينية، فتلبي غوثه وتؤكد منعته وتسري فيه معنى الإرادة ومقاومته.

ومن هنا فإنه بشبكة الأعصاب الفلسطينية التي بدت تصل الجغرافيا الفلسطينية بعد طول عمل وتكريس تفتيت من قبل هذا النظام العنصري الصهيوني؛ بدا الفلسطيني يلملم كل ما يتعلق بإرادة المقاومة ليصل بين الإنسان الفلسطيني في عرب فلسطين في المدن المحتلة منذ العام 1948، وفلسطينيي الضفة الغربية، وفلسطينيي "غزة العزة"، فبدت هذه الجغرافيا متصلة متماسكة في الألم وبالأمل ضمن حالة إرادة المواطنة المقاومة لتحيي مواطنة فلسطينية فتجدد عنفوانها ولحمتها، لمواجهة محاولة انتهاك حرمة الأقصى واقتحامه من قطيع الصهاينة من المستوطنين؛ في يوم أسموه "يوم القدس اليهودي" وعلى بعد أيام من تاريخ نكبة فلسطين الأولى في الخامس عشر من أيار/ مايو، ليؤكد هؤلاء من نظم المقاومة أنه آن للنكبة ألا تستمر، وآن للإرادة الفلسطينية المقاومة أن تتصل وتتواصل ضمن شبكة واحدة ممتدة تمكن لمعنى "فلسطين الكبرى" الوطن والمواطنة.

كان ذلك إعلانا لفشل كل تلك السياسات التي قام بها وعليها الكيان الصهيوني، في محاولة منه لتمزيق أوصال هذا الكيان الفلسطيني، بعد أن أقام متاريسه وأقام حواجزه المختلفة التي كان يقصد بها إحداث ذلك الفصل العنصري بين الكيان والإنسان الفلسطيني الذي يشكل جوهر المواطنة والوطن، فهبت تلك الجغرافية الفلسطينية موحدة وملبية لتؤكد على إرادة المقاومة التي شكلت اللحمة الحقيقية ضمن تضحيات جسام، ودماء أريقت من ذلك المغتصب الذي فوجئ بهذا الأمر الذي مكّن لمواطنة المقاومة المسكونة بالأمل والألم معا.

شكلت القدس نقطة الارتكاز ضمن هذه الإرادة فانطلقت الشرارة منها؛ ولبت مدن فلسطينية هذا النداء، ثم كانت المقاومة في غزة على عهدها لتقوم بنماذج من اللحمة والفاعلية في مواجهة هذا الكيان الصهيوني، فهبّت في إشارة رادعة بضرب مشارف القدس لتؤكد للكيان الصهيوني أن القدس هي الخط الأحمر الكبير الذي لا يمكن بأي حال تجاوزه، وقتلا للقرار المستخف الذي اتخذه ترامب متبنيا الخطة الإسرائيلية في هذا المقام بجعل القدس عاصمة لذلك الكيان المصطنع، والتأكيد على الأقصى في قلب القدس ليشكل في حقيقة الأمر كما قال الحكيم طارق البشري أن "القدس ليست مدينة في فلسطين ولكن فلسطين وطن في القدس".

وصلت تلك الخطوط والخيوط للمقاومة خريطة فلسطين الأصلية فجددت فلسطين وجودها الحقيقي والتاريخي والجغرافي، وبدا ذلك مواجهة ليس فقط لتلك الخطة الصهيونية في التفتيت والتمزيق والاغتصاب والاحتلال، ولكن لمواجهة ذلك التواطؤ الغربي والأمريكي في هذا المقام، بعد أن أخرج هؤلاء في دول الغرب ضمن أساطيرهم الملفقة والمصطنعة تلك المقولة التي رددها الجميع بأن "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، وفي حقيقة الأمر إذا أردت الدقة "للدفاع عن أنفسهم" من خلال تواطؤ مريب وخطير يقوم على اغتصاب المواطنة والوطن من أهل فلسطين.

وبدا هؤلاء يتحدثون عن حق الفلسطينيين في الأمن ضمن فائض كلام ذكرني في حقيقة الأمر بوصف يقوم أهل صعيد مصر بإطلاقه عن "الكلام الساكت" الذي لا يجدي نفعا ويمرر غصبا ويهدم حقا ويقر ظلما، هذا الكلام الساكت الذي تمارسه الدول الغربية يشكل في حقيقة الأمر غطاء لقتل فلسطين بأهلها؛ حتى يمكن أن تمرر تلك الجريمة الكبرى الأصلية في اصطناع هذا الكيان بغصب أرض فلسطين وتمزيقها تحت أعين هذا النظام الدولي المشوّه والمتبني معايير مزدوجة؛ الذي في حقيقة أمره وقرارة نفسه يتبنى ذات المفهوم في المواطنة العنصرية، وبات كل هؤلاء يدينون صواريخ المقاومة لأنها لم تكن إلا فضحا لهذا الكيان الغاصب وهذا التواطؤ الحقير.

وضمن هذه المنظومة فإن صفقة القرن قد باتت تُضرب من كل مكان في أرض فلسطين، من غزة ومن الضفة الغربية ومن قلب فلسطين النابض، أقصى وقدسا، لتعبر بذلك عن رفض لكل المسارات التي تتعلق بتصفية القضية الفلسطينية ومباركة تلك الصفقة التي تتعلق بصفقة القرن؛ بفعل يقدم من خلال تلك المقاومة التأكيد على المواطنة المقاومة التي تؤكد أن هذا الوطن بأسره هو ملك لأهله في فلسطين، ومؤكدا على أنه من لم تكن القدس له بوصلة فهو فاقد الوجهة، فنال أيضا من هؤلاء الذين روجوا لتلك الصفقة، ومن أولئك الذين حملوا لواء التطبيع مع غاصب للأرض ومع قاتل لأهل فلسطين، فتوارى المُطبعون مع صعود لحمة شبكة مواطنة المقاومة التي ضربت الكيان الصهيوني في مقتل وضربت هؤلاء المتصهينين في الصميم؛ جمعهم الألم والتضحيات والأمل الفلسطيني في التحرير والاستقلال.

twitter.com/Saif_abdelfatah

أخبار ذات صلة

عسكرة المواطنة.. المواطنة من جديد (61) 7/27/2021 6:07:42 PM بتوقيت غرينتش
أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

عسكرة المواطنة.. المواطنة من جديد (61) 7/27/2021 6:07:42 PM بتوقيت غرينتش