كتب

فلسطين لم تكن أرضا بلا شعب حتى يتم احتلالها.. وهذا الدليل

الكاتب والباحث الفلسطيني أحمد الدبش يقلب في التاريخ الحضاري لفلسطين- (عربي21)
الكاتب والباحث الفلسطيني أحمد الدبش يقلب في التاريخ الحضاري لفلسطين- (عربي21)

الكتاب: "فلسطين: من هنا بدأت الحضارة"
المؤلف: أحمد الدبش
الناشر: صفحات، دمشق 2017

"في البدء يصل القسيس، ويتبعه التاجر، وبعدهما تصل السفينة الحربية"، لعل في هذا تكثيف دقيق لخطوات إمبريالية ما، في احتلال قُطر بعينه، إلا فلسطين، التي أتت استثناءً في هذا الصدد، حيث سبقت هذه الخطوات خطوةٌ، تمثلت في إرسال بعثات التنقيب عن الآثار، من قِبل الدولتين الإمبرياليتين الكبريين، وأعني بهما الإمبريالية الألمانية، ونظيرتها البريطانية. وذلك مع وصول الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى مرحلة الإمبريالية، ما دفع بالمرستون، حين كان وزيرًا للخارجية البريطانية (1840) إلى التطلع لزرع جسم غريب في قلب الوطن العربي، يحول دون قيام دولة عربية قوية، أي بما لا يسمح بمحمد على باشا جديد، يؤرِّق الإمبريالية العالمية، ويربك خططتها، ويقف حجر عثرة في طريق أطماعها.

غنيٌ عن القول أن توسُّع الإمبريالية العالمية في احتلال مستعمرات، في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، قد رتَّب ضغوطًا ملحوظة على الفئات الوسطى في أوروبا الغربية، وبضمنها الفئات الوسطى اليهودية هناك. ما جعل الأخيرة تُفتِش عن حلٍ فريد لأزمتها، وجدته في ملاذ اقتصادي آمن، أسمته "الوطن القومي اليهودي". واحتارت خلال تفتيشها عن هذا "الوطن"، ما بين أوغندا، والأرجنتين، وقبرص، وسيناء، وفلسطين. 

لكن الإمبريالية البريطانية اختارت للقيادة الصهيونية فلسطين، دون غيرها. فتعزَّز التطابق بين الإمبريالية والصهيونية، خاصةً وأن اختيار فلسطين أتاح للقيادة الصهيونية الاتشاح بالدين اليهودي، ومنافقة جمهرة اليهود، بزعم "العودة إلى أرض الميعاد"، بينما هم وصلوا إلى فلسطين بوعد من بلفور، وليس بوعد من الله.

نعود إلى بعثات الآثار الإمبريالية، ونشاطها في فلسطين، حيث بذلت قصارى جهدها في سبيل عبرنة المواقع، وأسماء المدن والقرى، في أضخم عملية لتزييف التاريخ.

***

خيرًا فعل المؤلف، حين أهدى كتابه إلى "جثامين الشهداء المتحجِّرة في ثلاجات العدو." بعد مقدمة، توعَّد فيها الدبش بنسف الفرية الصهيونية، بأن فلسطين "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، نراه يدلف إلى "توطئة"، بدأها بالعصور الحجرية.

خصَّص المؤلف الفصل الأول من كتابه "إنسان فلسطين الأول" للحضارة العبيدية، فالهوموارس كتوس، وكيف دلفوا إلى فلسطين، فضلًا عن صفاتهم، الفيزيولوجية، والحضارية، وحياتهم الاجتماعية، وصولًا إلى اللحوم، وتأهيل النار، ولغة إنسان العبيدية.

لقد وُجد الإنسان الأول في فلسطين، منذ أقدم العصور، قبل نحو المليون ونصف المليون سنة. أما الإنسان الذي عاش قُرب كهف الطابون، المحاذي لجبل الكرمل، فكان حلقة بين الإنسان البدائي، والإنسان الحالي، وقد عُرِفت هذه الحلقة باسم "الإنسان النياندرالي"، الذي خصِّص له المؤلف الفصل الثاني من كتابه، ملقيًا حزمة من الأضواء على حياة ذلك الإنسان الاجتماعية، فالاقتصادية، قبل عادة دفن الموتى، وصولًا إلى الفن.

يتساءل الدبش، في الفصل الثالث من كتابه، عما إذا كان الإنسان العاقل أصله فلسطيني، مركِّزًا على الحضارة الكبارية، حيث وُجِد الإنسان العاقل في فلسطين، منذ نحو مائة ألف سنة (ص 53- 70).

توالت الحضارة في فلسطين، بدءًا من الحضارة الناطوفية، التي خصَّص لها المؤلف الفصل الرابع، بادئا بالمزارعين الأوائل، مركزًا على المنطقة ما بين النيل والفرات، مشدِّدًا على تعريف "الناطوفيين"، الذين امتهنوا صيد الأسماك، والحيوانات، وشيَّدوا المباني وعاشوا في بيئة دينية، دون أن يُهملوا الفن.

هنا، بدأت زراعة الحبوب، النواة الأولى للحضارات، ومعها تدجين الحيوانات، لتربيتها، والإفادة منها. لذا، اعتُبرت مدينة أريحا كيانًا تاريخيًا مصغرًا، ما استحقت معه أن توصف بـ"أقدم مدينة في العالم"، بينما أهلها شكَّلوا أول مجتمع متمدن، بسلطة، ومعابد، وكهنة، وطقوس. كما تفنَّن الفلسطينيون في الصناعات الخشبية، والحجرية، والبناء، والأصول الحسابية، والجغرافية، ناهيك عن سنِّهم القوانين. الأمر الذي تولاه الفصل الخامس، وحمل عنوان "التاريخ يبدأ من أريحا".

انتقل المؤلف إلى الفصل السادس "الحضارة اليرموكية وأخواتها"، حيث ظهرت في فلسطين ثلاث حضارات فُخَّارية (اليرموكية، والساحلية، والمنحطة)، فتطوَّرت الأواني الفُخَّارية، كما استُبدل بالبيوت المستديرة أخرى مستطيلة، ضمت غرفتين، أو ثلاث غُرف.

أما الفصل السابع والأخير، فغطى "حضارة تليلات الغسول"، من العصر الكالكوليتي (الحجري النحاسي) المبكِّر، فالمتوسط، والغسولي، وصولًا إلى المدافن، التي توصل إليها فلسطينيو ذاك الزمان، قبل غيرهم.

يمكن تقسيم هذا العصر إلى ثلاث مراحل: الحجري النحاسي المبكِّر، فالمتوسط، وصولًا إلى المتأخر.

لقد عرف أهل فلسطين التعدين، وأتقنوا فن النحت، واستخدموا الأختام، والحلي، والتماثيل، وبنوا البيوت، وزيَّنوا جدرانها بالرسوم الملوَّنة للبشر. وارتقى ذوقهم الفني في زخرفة الأواني الفخارية، واستخدموا الترجيح في الأواني.

على مدى مائة وخمس وسبعين صفحة من القطع الكبير، واعتمادًا على خمسة وأربعين مصدرًا، ومرجعًا من الدرجة الأولى، فضلًا عن سبع عشرة دورية، جاء هذا السِفر، لباحث، انقطع لتاريخ فلسطين القديم، حتى يُخلِّصه من الأدران الاستعمارية والصهيونية، التي علقت به. فنجح أحمد الدبش في مهمته هذه، وخيرًا فعل، حين أصدر طبعة إنجليزية* من كتابه هذا. ولم يزل يُقدِّم لنا كل يوم جديدًا.

 


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم