آخر الأخبار

إعادة بناء الدولة السورية مرتبط بالتوافق الإقليمي والدولي

توفيق المديني السبت، 05 يونيو 2021 11:02 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "سوريا بين الحرب ومخاض السلام"
الكاتب: جمال قارصلي وطلال جاسم
الناشر: منشورات "مركز الآن" (Now Culture)، تشرين الثاني (نوفمبر) 2019.

في بيئة الدولة الشرق أوسطية المعقدة، والمتسمة بالتعددية الطائفية والمذهبية والعرقية، يؤثر هيكل التكوينات الاجتماعية في محاولات إعادة بناء الدولة، من خلال تأثيراته في الهوية القومية، وشرعية السلطة المركزية، وغيرها، وتحول الانقسامات العرقية دون تطوير سلطة مركزية تتمتع بالشرعية، ما يعوق بالتالي تأسيس مؤسسات دولة قوية قادرة على القيام.

في هذا السياق، يقول الباحثان، إنّ "ما دعانا لهذا الطرح هو تحوّل الساحة السورية إلى ملعب دولي تتصارع فيه وعليه الكثير من القوى الدولية والإقليمية لتصفية حساباتها، وأصبح السوريون مثل بيادق صغيرة ومرتزقة في وطنهم، تتحكم بهم هذه الدول بشكل مباشر أو عبر منظمات غريبة عن المجتمع السوري في منهجية الفكر والعمل". 

ويضيف الباحثان أنّ "هذه الحالة أنتجت طبقة واسعة من المقهورين السوريين، الذين لا يريدون الخوض في غمار صراع لا مصلحة لهم فيه، ووجدوا أنفسهم في خضم معارك لا تعنيهم وليسوا طرفًا فيها، وأنّ هذا الصراع يهدد أمنهم وأمن عائلاتهم وأموالهم وأملاكهم. وهذا كان السبب أو الدافع الأكبر والأهم الذي حرّض الكثير من السوريين على أخذ قرار ترك بلدهم، خوفًا على حياتهم أو قيمهم ومبادئهم".

والحال هذه، لا بد من أن تتمتع مشروعات إعادة البناء بقدر من الشرعية الإقليمية والدولية، سواء كان قانونياً أو سياسياً، إضافة إلى وجود قدر من المقبولية الداخلية لفكرة مسؤولية الخارج عن إعادة البناء. وربما يفسر استسلام اليابان لمشروعات إعادة البناء فيها أنها منيت بالهزيمة العسكرية في حرب بادرت هي بها، وهو أمر لم يتوفر في الحالتين العراقية والسورية، حيث لم يكن العراق قبل احتلاله دولة فاشلة، ولم يكن لاحتلاله مشروعية قانونية أو سياسية، ولم تكن سوريا دولة فاشلة قبل الحرب.

إنّ محددات إعادة بناء الدولة الوطنية ذات صلة بالبيئتين الإقليمية والدولية، وتتمثل أهمها في :

أولاً ـ ملاءمة الظرف التاريخي ودرجة انتشار الظاهرة: 

يقصد بالظرف التاريخي مجمل الظروف الدولية والإقليمية التي تحيط بعملية البناء.. وإن كان تأثير القوى الإقليمية والدولية يرتبط بعوامل أخرى أكثر أهمية، لعل أهمها شرعية التدخل من أجل إعادة البناء، و مدى توازنه مع وحدة الانقسام المجتمعي. 

ثانيًا ـ ملاءمة البيئة الدولية: 

لا تتيح دراسة الحالات التي تمت فيها تجارب لإعادة بناء الدولة إمكانية الحزم بأي أنماط النظام الدولي الأنسب لحالات التدخل من أجل إعادة البناء في نظام متعدد الأقطاب، وتمت محاولات أخرى تحت نظام ثنائي القطبية، قبل انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي حالات ثالثة، تمت تلك المحاولات تحت قيادة أمريكية أحادية للنظام الدولي. ويمكن نظرياً افتراض أن اتخاذ قرار إعادة البناء وتطبيقه على أرض الواقع يبدو أسهل في حالة الأحادية القطبية خلافاً للبيئتين ثنائية ومتعددة القطبية. إلا أن الخبرة التاريخية تقدم واقعاً مختلفاً، حيث فشلت جهود إعادة بناء العراق وأفغانستان، رغم تعرضهما للاحتلال من قبل القطب المهيمن، وهو الولايات المتحدة، في حين نجحت الحالتان اليابانية والألمانية في ظل ثنائية قطبية. تؤكد تلك الخبرة أن أثر البنية القطبية لا يرتبط بشكل النظام بقدر ما يرتبط بنوعية التفاعلات بين وحداته.

ثالثًا ـ جاهزية البيئة الإقليمية: 

تتعاظم التأثيرات السلبية للبيئة الإقليمية في حالة تضارب رؤى ومصالح القوى الإقليمية حول مبدأ البناء في حد ذاته، وطبيعة ومستقبل الدولة المستهدفة. وتزداد قدرة القوى الإقليمية على إجهاض إعادة البناء في الدولة المستهدفة، حال امتلاك تلك القوى أوراقاً تسمح لها بالتدخل السلبي، مثل تداخل التركيبات العرقية أو الدينية. وعلى العكس، فوجود قدر من التوافق الإقليمي حول مشروع إعادة بناء الدولة يخلق بيئة مشجعة لنجاح المشروع، ويخفض تكلفته.

يعد الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي أسهمت المؤثرات الإقليمية في إجهاض مشروعات إعادة بناء بعض دولها. فالقوى الإقليمية لن تسمح للقوى الداخلية بالتهدئة. ولعبت الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط ، أدواراً، بعضها معلن، والآخر خفي، ساعدت على زيادة التحديات أمام قوى إعادة البناء في حالة العراق، أو لبنان قبله.
 
يستلزم نجاح محاولات إعادة البناء للدولة الوطنية في الشرق الأوسط مجموعة شروط على المستوى الداخلي، هي: 

حدوث توافق بين القوى الداخلية حول مبدأ إعادة البناء ذاته، وكذلك متطلباته، وكيفية تحقيقه، والاستعداد لتحمل تكلفته، ولن يتأتى ذلك إلا بعد إنهاء الصراع الداخلي على المستويين الفعلي والنفسي، أو الإجماع على ضرورة إنهاءه، على أقل تقدير،ومدى استقلال القوى الداخلية في مواجهة القوى الإقليمية والدولية. فكلما زادت درجة الاستقلال، استطاعت القوى الداخلية أن توجه عملية البناء لمصلحتها والعكس صحيح. وكشفت تجارب إعادة بناء الدولة في العراق وأفغانستان عن أن التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط هي العامل الأخطر في تحديد فرص نجاح إعادة البناء او فشله.

في عملية مقارنة بين التدخل العسكري الأمريكي للعراق الذي لم يفظ إلى انتقال العراق نحو الديمقراطية، وبين التدخل العسكري الأميركي في كل من ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، والذي كان أكثر عنفاً، وخلف دماراً أكبر، واستخدمت فيه الولايات المتحدة، في حالة اليابان وللمرّة الأولى والأخيرة، السلاح النووي.. لم يمنع ذلك من تحوّل هذين البلدين (ألمانيا واليابان) إلى الازدهار والقوة بعد سنوات معدودات من الحرب، ذلك أن الولايات المتحدة طبقت آنذاك نظرية الانتقال الديمقراطي في البلدين، لأنّ مجاورتهما للاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية كانت تهدّد مصالحها إذا تركتهما يسقطان في الفوضى ويصبحان فريسة للدعاية الشيوعية والتأثيرات السوفييتية. ونظرية الانتقال الديموقراطي هذه هي التي طبقت بعد ذلك في أوروبا الشرقية عند تخلّصها من الهيمنة الشيوعية، وفي أميركا اللاتينية بعد تخلصها من الديكتاتوريات العسكرية.

من النقاط البارزة في الكتاب، توجيه دعوة إلى القيادة الألمانية للدفع نحو إيجاد حلٍّ في سوريا، كونها تحوّلت إلى طرف بعد احتضانها لعدد كبير من اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى دورها الفاعل في القارة الأوروبية. وفي طيات الكتاب، يدين الباحثان الشرعية الدولية، خاصّة مجلس الأمن وقصوره في تحمل مسؤوليته مع تفاقم الوضع الإنساني في البلاد، ما أدى الى فشل محاولات السوريين وكياناتهم السياسية المختلفة عن بناء تصور وطني لإنهاء الصراع.

متطلبات مرحلة الانتقال الديمقراطي 

إن المدخل الواقعي لإعادة بناء الوحدة الوطنية في الدولة الوطنية، هي الصيغة التي تتحدد في ضوئها مهمات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية، وهي مهمات معقدة ومتداخلة، آثرنا أن يكون تحويل الدولة الوطنية ديمقراطياً مدخلاً إليها. وإذا كان من الضروري إيضاح الخطوط الرئيسية لاستعادة بناء الدولة الوطنية، فإن هذه الخطوط هي: 

أولاً ـ تحقيق التحول الديمقراطي في الدولة الوطنية، والتحول الديمقراطي في الدلالة اللفظية المرحلة الإنتقالية بين نظام غير ديمقراطي ونظام ديمقراطي، فالنظام السياسي الذي يشهد تحولاً ديمقراطيًا يمر بمرحلة انتقالية بين نظام غير ديمقراطي في اتجاه التحول إلى نظام ديمقراطي. وبناء على ذلك فالنظام الديمقراطي هو النظام الذي يسمح بمشاركة سياسية واسعة في إطار الميكانيزمات الإنتخابية، والاعتراف بمبدأ التداول على السلطة والمشاركة في عملية إتخاذ القرارات، فمفهوم الديمقراطية يتضمن فكرة جوهرية وهي قدرة السياسات العامة على الإستجابة لمطالب الجماهير ،وذلك عن طريق هياكل أساسية تقوم بتعبئة المصالح.. 

 

إن عملية الإنتقال من أنظمة تسلطية إلى أنظمة ديمقراطية، يتم فيها حل أزمة الشرعية والمشاركة والهوية والتنمية، لا تتم إلا من خلال إنتهاج الديمقراطية كأسلوب لممارسة الأنشطة السياسية،فالتحول الديمقراطي يعني تغييرا جذريا لعلاقات السلطة في المجال السياسي وعلاقات التراتب في الحقل الإجتماعي .

 



وتأسيسًا على ذلك فإنّ التحول الديمقراطي هو مجموعة من المراحل المتميزة تقوم على ظهور ديمقراطية حديثة تسعى لترسيخ نظامها السياسي، وتعكس هذه العملية إعادة توزيع القوة بحيث يتضاءل نصيب الدولة منها لصالح مؤسسات المجتمع المدني بما يضمن نوعا من التوازن بين كل من الدولة والمجتمع، بما يعني بلورة مراكز عديدة للقوى وقبول الجدل السياسي. وعليه فالتحول الديمقراطي هو عملية تهدف إلى إعادة النظر في خارطة القوة على مستوى النظام السياسي، والعمل على إعادة التوازن بين القوى الرسمية المتمثلة في الدولة والمؤسسات غير الرسمية متمثلة في منظمات المجتمع المدني.

ثانياً ـ إن عملية الإنتقال من أنظمة تسلطية إلى أنظمة ديمقراطية، يتم فيها حل أزمة الشرعية والمشاركة والهوية والتنمية، لا تتم إلا من خلال إنتهاج الديمقراطية كأسلوب لممارسة الأنشطة السياسية،فالتحول الديمقراطي يعني تغييرا جذريا لعلاقات السلطة في المجال السياسي وعلاقات التراتب في الحقل الإجتماعي .

ثالثا ـ المقدمة الأولى للدولة الوطنية وضمانة تحولها إلى دولة ديمقراطية، تكمن في تحقيق الاندماج القومي في كل بلد عربي على حدة، وفي الوطن العربي بوجه عام، ونقصد بالاندماج القومي تصفية البنى والعلاقات ماقبل القومية، والانتقال من مفهوم الجماعة إلى مفهوم المجتمع المدني، ومن مفهوم الملّة الديني إلى مفهوم الأمة العلماني والديمقراطي، ومن وضعية التكسر المجتمعي وتحاجز فئات المجتمع إلى الوحدة المجتمعية السياسية ـ وسيرورة الاندماج القومي هذه هي ذاتها سيرورة نمو المجتمع المدني العلماني، وسيرورة بناء الدولة الوطنية وفق مقتضيات العقل ومطلب الحرّية.
 
رابعاً ـ الدولة الوطنية هي التي تتبنى العلمانية، بفتح العين، وهي التنمية المنطقية والتارخية للإنسانوية، تعني على المستوى الوجودي، رفض أي سلطة على عقل الإنسان وضميره سوى سلطة العقل والضمير. وتجلى ذلك في رفض سلطة المؤسسة الدينية، لا رفض الدين، أي رفض سلطة مؤسسة "الدين الوضعي " التي كانت و لا تزال تؤسس الاستبداد الديني و تعززه و تؤازر الاسبداد السياسي و تعززه.و على هذه القاعدة لا يحق لأي جماعة أن تفرض عقيدتها الدينية أو الدنيوية على المجتمع،و لا يحق لها كذلك أن تغض من شان المعتقدات والمذاهب الأخرى.العلمانية بهذا المعنى هي التجسيد العملي للمساواة.

خامسًا ـ الدولة الوطنية هي التي تتبنى العمومية، فتكون الدولة بهذا التعريف، دولة جميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، لادولة طبقة رأسمالية أو بروليتارية و لا دولة جماعة إثنية أو عشيرة أو جماعة إسلامية، ولادولة حزب ولا دولة طغمة تحتكر السلطة والثروة والقوة. المجتمع المدني هو الذي ينتج الدولة السياسية أي الدولة الوطنية، تعبيراً عن كليته ووحدته التناقضية، بما هو مجتمع الأفراد المختلفين والجماعات المختلفة و الطبقات أو الفئات الاجتماعية المختلفة ذات المصالح المتعارضة.

سادساً ـ الدولة الوطنية هي التجسيد الواقعي لدولة القانون.

لم يقدم الباحثان قارصلي وجاسم، تأصيلاً فكريًا وسياسيًا لعملية الانتقال الديمقراطي في بلدان مشابهة للوضع في سوريا، بل اكتفيا بتقديم مقترحات الحلّ من ثلاث مراحل: تحضيرية، ثمّ انتقالية، وصولًا للمرحلة الدائمة.

المرحلة التحضيرية تبدأ عقب انتهاء المؤتمر الوطني العام، وتدوم لمدة عامين، مع وجوب "العمل فيها على إزالة التوتر بين أطياف وشرائح المجتمع السوري وعلى تنمية روح الثقة والتسامح والتصالح بين الأفراد والمكوّنات".

فيما تدوم المرحلة الانتقالية أربع سنوات، يتم العمل فيها على تثبيت السلام ووضع الأسس المتينة لمرحلة دائمة تكون عبر حكم سياسي ناضج يشعر في ظلّه كلّ السوريين بالأمان والاطمئنان والعدالة والمساواة، "بعد إقرار وتثبيت استقلالية القضاء وفصل السلطات، ورسم الدوائر الانتخابية في كل المناطق السورية".

أمّا المرحلة الدائمة فهي مرحلة تعزيز الثقة بين السوريين لتبدأ الهوية الوطنية السورية بالتشكّل، وهو الشرط الأساسي للانتقال إلى الانتخاب عن طريق القوائم والنسبية وفقًا للقواعد الانتخابية وقوانين الانتخابات العصرية التي تؤسّس لبناء الدولة على مفهوم الأغلبية السياسية، وفقًا للفاعلية والكفاءة، "وهذا سيكون أساسًا لتداول السلطة بشكل ديمقراطي، ووفقًا لمبدأ دستوري لا يقصي أحداً، مع ضمانات بعدم إنتاج نظام ديكتاتوري أو إقصائي حتى لو كان من خلال صناديق الاقتراع".

 

إقرأ أيضا: المحددات الداخلية لنجاح إعادة بناء الدولة الوطنية في سوريا


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا