آخر الأخبار

حوض النيل.. عرب الشرق الأفريقي يقعون في قبضة المارد الإثيوبي

أحمد القاسمي الثلاثاء، 15 يونيو 2021 11:56 ص بتوقيت غرينتش

ونحن نحبّر هذه الورقة (في بداية حزيران/ يونيو 2021) أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن عزم بلاده على بناء 100 سد في أفق 2022 لتخزين مياه أمطاره. وبصرف النظر عن مدى واقعية هذا الإعلان أو مدى توظيفه لحشد الأصوات في سياق حملته الانتخابية، فإنه يمثل مؤشرا مهما على أنّ إثيوبيا باتت الفاعل الرئيسي في إقليم المنطقة العربية الوسطى التي تضم كلا من  السودان والصومال ومصر وجيبوتي وأنها جادة في تعميق معاناة أهلها المائية.

1 ـ عرب الشرق الأفريقي والتبعية المطلقة للنيل.. وإثيوبيا أيضا!

لقد عاش هذا الإقليم مُعطّشا دائما. فلا تنزل الأمطار في مصر، تلك الهضبة الصحراوية الشاسعة ذات المناخ الجاف والصيف الشديد الحرارة، إلاّ قليلا وبشكل غير منتظم. وعليه فقد أخذ معدل استهلاك المصريّ الواحد السنوي للمياه العذبة المتجددة ينحدر دون 650 متر3 أحيانا. ورغم الاختلافات الكبيرة في درجات الحرارة اليومية والموسمية في السودان، بالنظر إلى مساحتها الشاسعة وإلى تعدد مناطقها المناخية من صحراء قاحلة في الشمال إلى شبه قاحلة في أقصى الجنوب، فإنّ معدّل تساقطات أمطارها السنوي ينحدر باستمرار وبنسق مخيف ويجعل البلاد في حالة فقر مائي متصاعد خاصّة أنّ اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي. وينزح الأهالي باستمرار من الجنوب الصومالي للإقامة في المخيمات بسبب النقص الشديد في المياه إثر جفاف مناطق تجميع المياه وسوء عمل الآبار. والأمر نفسه تعانيه جيبوتي التي تقل فيها الأمطار الموسمية، وتندر مياهها الجوفية فتنحدر حصة الفرد فيها إلى ما دون 500 م3 سنويا.
 
وتمنح هذه العوامل أثيوبيا اليد الطولي في تحديد الأمن المائي لعرب الشرق الإفريقي. فعبر أراضيها يمر نهر النيل الذي يمنح مقومات الحياة للمصريين والسودانيين. وينبع نهرا شبيلى وجوبا اللذان يمثلان ضمانة أمن الصومال المائي والغذائي. وهذا ما جعلها تعمل على احتجاز مياه المجاري الدولية عن شركائها منذ استعادت استقرارها السياسي نسبيا. وبالمقابل فقد أعلنت سنة 2017 تدشين مشروع استثماري ينقل 100 ألف م3 يوميًا من مياه النيل إلى جيبوتي برعاية صينية.

2 ـ إثيوبيا في مواجهة مصر والسودان.. من اتفاقية عنتيبي إلى مبادئ الخرطوم

نصت اتفاقية عنتيبي 2010 على انتفاع دول حوض النيل المنصف والمعقول من موارد مياه المنظومة المائية للنهر. وتضم القائمة دول "إريتريا، وأوغندا، وإثيوبيا، والسودان، وجنوب السودان، ومصر، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي، وتنزانيا، ورواندا، وكينيا". ولكن مصر والسودان انسحبتا منها بتعلّة أنها تمثل تهديدا لمصالحهما التي ضمنتها الاتفاقية الموقعة بينهما في القاهرة 1959 والتي تمنح مصر مقدار 55.5 مليار متر3 من مياه النيل سنويًا وتعطي السودان مقدار 18.5مليار متر3. وبعد أن  أعلنت إثيوبيا الانطلاق في بناء سد النهضة في 2011 وفرضت واقعا جديدا وقّعت الدولتان معها في الخرطوم في آذار (مارس) 2015 إعلان مبادئ يلزم هذه الدول بمبدأ "التعاون على أساس التفاهم المشترك والمنفعة المشتركة وحسن النوايا وتحقيق المكاسب للجميع وفق مبادئ القانون الدولي في ظل تفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها". 

 

بقدر ما تعوّل أثيوبيا على هشاشة إعلان المبادئ تستند إلى استحالة حسم الخلاف عسكريا. فحالما يتم ملء السد سيتحوّل إلى سلاح مدمّر أشد فتكا من الأسلحة النووية. فالمياه النائمة خلفه تقدّر ب 18 ونصف مليار متر 3. وتدمير السّد عبر القصف الصاروخي مثلا يعني تدمير كامل السدود السودانية أولا وغمر الأراضي المصرية بالمياه بالتبعية.

 


ونصّ المبدأ الثالث على "عدم التسبب في ضرر ذي شأن عند استخدامها للنيل الأزرق المجرى الرئيسي لنهر النيل وعلى .استخدام هذه الدول الثلاث لمواردها المائية المشتركة في أقاليمها بأسلوب منصف ومناسب". 

ونصت المبادئ الخصوصية على "ضرورة التعاون في ملء سد النهضة الأول وإدارته التي تشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد". وألزمت أثيوبيا بـ "ضرورة ـ إخطار دولتي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعى إعادة الضبط لعملية تشغيل السد وبتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الثلاثية للخبراء حول الدراسات الموصى بها في التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية خلال المراحل المختلفة للمشروع".

ويمثل المبدأ العاشر البند الأهم في إعلان المبادئ هذا، فقد نصّ على مبدأ "تسوية المنازعات الناشئة عن تفسير هذا الاتفاق أو تطبيقه بالتوافق من خلال  المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا". أما في حال الفشل في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فأتاح لهذه الأطراف مجتمعة "طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر إلى سلطات البلدان التنفيذية العليا".
  
3 ـ الوقوع في الكمين الإثيوبي

قد يبدو هذا الاتفاق غير مضر بمصلحة الدولتين العربيتين. فهو مستلهم من وثيقة الأمم المتحدة التي عرضناها في الحلقة الأولى التي تطلب التعاون وعدم الإضرار بالشركاء والتوزيع العادل والمنصف وإظهار حسن النوايا وغير ذلك من المبادئ التي قلنا في شأنها أنّ البعد الأدبي الإنشائي يغلب عليها. ولكنّ الواقع كشف أن مصر والسودان وقعتا في الكمين الأثيوبي ومنحتاها بطاقة بيضاء تطلق يدها في حقوقهما المائية المشتركة وترفع عنها الحرج. 

فالخطأ الجسيم الذي ارتكبتاه يتمثل في التنصيص على السعي إلى المصالحة والحوار بين القيادات في حال الخلاف، دون الإشارة إلى ضرورة رفع الأمر إلى التحكيم الدولي في حال عجزت القيادات، كما هو الشأن اليوم، على الوصول إلى الاتفاق المرضي لجميع الشركاء. فقد باتت الدولتان تواجهان حقيقة تقلص حصتيهما التاريخيتين في مياه النيل بعد ما أبدته أثيوبيا من تعنّت في المفاوضات ومن عمل على فرض إرادتها مستندة إلى تفسيرها الخاص لإعلان المبادئ الممضى في 2015 وتقران صراحة بعدم التعاون الأثيوبي في ملء سد النهضة. 

فقد صرّحت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي أنّ أثيوبيا تسعى لفرض هيمنتها وتعمل على تركيع الدول الأخرى غير مبالية بما قد يلحق جيرانها من الأخطار. وبالفعل فقد تعرضت السودان في الملء الأول إلى صعوبات في عملية توليد الكهرباء في سد الروصيرص، وتعرضت محطات مياه الشرب في الخرطوم إلى مشاكل نتيجة القرار الأحادي بعملية الملء الأول رغم الظرف المناسب ويشير الخبراء إلى متاعب جمة ستلحق بالأمن المائي المصري خاصة في سنوات الجفاف.
 
وبقدر ما تعوّل أثيوبيا على هشاشة إعلان المبادئ تستند إلى استحالة حسم الخلاف عسكريا. فحالما يتم ملء السد سيتحوّل إلى سلاح مدمّر أشد فتكا من الأسلحة النووية. فالمياه النائمة خلفه تقدّر ب 18 ونصف مليار متر 3. وتدمير السّد عبر القصف الصاروخي مثلا يعني تدمير كامل السدود السودانية أولا وغمر الأراضي المصرية بالمياه بالتبعية.

ولا يتعلّق تحويل السدود إلى سلاح بمجرد تخمين. فقد هدّدت إسرائيل، بقصف السد العالي في حرب الأيام الستة. وفي عام 2013 نقلت صحف إثيوبية تهديدات أديس أبابا بقصف السد العالي، إذا ما فكرت مصر في ضرب سد النهضة. وعليه فأثيوبيا تعلم أنها تؤمن سدّها كلّما تقدمت في ملئه وأنها لا تشيد سدّا بقدر ما تبني معبد شمشون الذي يسقط على رأس مدمره حالما يبدأ في هدمه.

4 ـ أمن سد النهضة.. مصر والسودان بين خطر الموت عطشا وخطر الموت غرقا

فضلا عن خطر الحرمان من الماء يمثل سد النهضة العملاق مخاطر حقيقية على حياة السودانيين والمصريين في حال انهياره بالنّظر إلى كميات المياه التي ستتحرر عندئذ وتنساب في شكل طوفان عظيم مدمّر. ولذلك فإنّ سلامة تصميمه وبنائه مسألة تتجاوز الشأن الأثيوبي الداخلي. وفي هذا الصدد تنتشر تقييمات وأخبار غير مؤكدة ولكنها غير مطمئنة. فقد حذّر خبراء مصريون من أن المنطقة السد منطقة زلازل، تجعله عرضة للانهيار. 

وقد صرّح خبير هندسة السدود د.محمد حافظ، في حوار مع "عربي21" أن سد النهضة فيه عيوب فنية كبيرة، منها فوالق وكهوف كافية لانهياره في أي لحظة"، مضيفا أن تلك العيوب "كانت سببا في اغتيال وقتل من تسببوا بها، وتم استدعاء شركات أجنبية من بينها شركات صينية حتى يمكن التغلب على تلك العيوب. وأنّ إحدى الشركات الصينية تولّت أمر السد بعد طرد شركة (ميتك) العسكرية الإثيوبية من الموقع، فأغلقت فتحات 5 توربينات منه، وخفضت عدد التوربينات لـ11 بطاقة إنتاجية تعادل قرابة 4125 ميغاوات فقط، وذلك نتيجة أخطاء تصميمية بالسد". 

 

في ظل التغطية الإعلامية الهائلة لوقائع الخلاف المصري السوداني الأثيوبي يغفل العالم عن مأساة أخرى تعيشها الصومال الجارة الشرقية لأثيوبيا. فالبلدان يشتركان في نهري جوبا وشبيلى اللذين ينبعان من المرتفعات الإثيوبية الشرقية، ويسيران في اتجاه الشرق الصومالي ليصبّا في المحيط الهندي.

 



وشهد المشرفون على السد عمليات تصفية ممنهجة، ردّها المتابعون إلى تسبب أصحابها في عيوب في تصميمه. فاغتيل مدير المصنع التي يورّد له الخرسانة في ماي 2018 ثم تمت تصفية المهندس التنفيذي للسد في جوان2018. ورُدّ الاغتيال  إلى إخفائه لهذه العيوب. ثم انتحر أحد مهندسي شركة ساليني سبتمبر2018. وصرح المدير التنفيذي الجديد للمشروع بأن السبب الحقيقي لتأخر بناء سد النهضة، يعود إلى أسباب جيولوجية وأكد  خلال جلسة البرلمان عام 2019 وجود وديان عميقة بقاع البحيرة، تسبب بعض المشاكل الهيدرولوجية لعملية التخزين.  

وتنسف هذه التقارير ما ورد في المادّة الثامنة من إعلان المبادئ الموقع قبل ثلاث سنوات من حدوث سلسلة الاغتيالات. فقد أشارت إلى أمان السد ومما ورد فيها "تقدر الدول الثلاث الجهود التي بذلتها إثيوبيا حتى الآن لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية المتعلقة بأمان السد" أو " سوف تستكمل إثيوبيا، بحسن نية، التنفيذ الكامل للتوصيات الخاصة بأمان السد الواردة في تقرير لجنة الخبراء الدولية".

5 ـ اليد الإثيوبية تطال الصومال

في ظل التغطية الإعلامية الهائلة لوقائع الخلاف المصري السوداني الأثيوبي يغفل العالم عن مأساة أخرى تعيشها الصومال الجارة الشرقية لأثيوبيا. فالبلدان يشتركان في نهري جوبا وشبيلى اللذين ينبعان من المرتفعات الإثيوبية الشرقية، ويسيران في اتجاه الشرق الصومالي ليصبّا في المحيط الهندي. فيمثلان أهم مصدرين للمياه العذبة السطحية في الصومال. وتتدفق أكثر من 90% من مياههما من المرتفعات الإثيوبية. ويواجه سد شبيلى كارثة صامتة. فقد بدأت أثيوبيا بناء سد جودى في منتصف التسعينيات وبعد توقف لزمن أعادت إحياء المشروع حديثا متحصنة بالقرارات الأحادية كشأنها في التعاطي مع سد النهضة. واليوم يعيش حوض النهر أزمة جفاف حاد ويواجه المواطنون الصوماليون ومواشيهم خطر الموت عطشا.

وتعلن إثيوبيا إستراتيجيتها على الملإ. فتحت عنوان تبادل المصالح والمنافع المشتركة بين البلدين تعمل على الانتفاع بالمواني الصومالية مقابل تحرير مياه النهرين. ويعود تأخر اهتمام إثيوبيا بالأنهار الشرقية إلى عدم استقرار الإقليم الصومالي، وهو إقليم إثيوبي يعيش حركات تمرد على السلطة ويمر به النهران، وإلى انشغال الصومال في حربها الأهلية، مما يجعل الاستثمار في السدود لبيع الماء والكهرباء لها ولدجيبوتي غير مجد وقتها. أما اليوم فقد أمكن لها أن ترفع إنتاجها من الكهرباء في عامّة البلاد بأكثر من عشرة أضعاف وأن تصدّر فائضها إلى السودان وجيبوتي وكينيا، وتسعى بعد الانتهاء من بناء سد النهضة إلى مد خطوط كهربائها لتصل إلى رواندا.

لا شك أنّ لإثيوبيا حقوقا مائية لم تسعفها ظروفها قديما باستغلالها كاملة وأن الاتفاقات السابقة، منذ بروتوكول روما الموقع بين بريطانيا وإيطاليا سنة 1891، لم تنصفها. ولا بد أن هذه الحقوق ستنتزع من حصتي مصر والسودان شمالا ومن حصّة الصومال شرقا. لذلك نفهم حرصها على تدارك الزمن الضائع. لكن يبدو أنها انتقلت من العمل على استرداد هذه الحقوق إلى الاستئثار بحقوق غيرها، معولة على دعم غير معلن من القوى الإقليمية المناوئة لمصر ومن عسر حسم الخلافات عسكريا. 


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا