آخر الأخبار

الصين في علاقتها بالشرق الأوسط .. الطاقة أولاً

عبير فؤاد الخميس، 24 يونيو 2021 10:32 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "الصين والشرق الأوسط.. دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة"
المؤلف: حكمات العبدالرحمن
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020

تقف الصين موقفا وسطا من قضايا المنطقة العربية، وتحاول التوفيق بين مصالحها الاستراتيجية وعدم التصادم مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومراعاة مواقف الدول الأخرى، متجنبة ـ قدر الإمكان ـ اتخاذ مواقف حادة أو واضحة يمكن أن تثير مخاوف دول المنطقة العربية. إنها كما توصف"دبلوماسية المقاعد الخلفية". 

يناقش حكمات العبدالرحمن، المتخصص في تاريخ الشرق الأقصى الحديث والمعاصر، تطورات موقف الصين من القضايا العربية خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، ودور المنطقة العربية في تحديد الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، في محاولة لفهم هذا الموقف لواحدة من أهم القوى الصاعدة دوليا، مقارنا بين إمكانات الصين وتطور قدراتها مع قدرات دول وقوى أخرى فاعلة في قضايا المنطقة العربية.

ورغم تبني بعض الدراسات النظرية التي تشير إلى أن الصين مؤهلة وبقوة كي تكون اللاعب الدولي رقم واحد في العالم، سيما مع ظهورها كأكبر مركز صناعي وثاني أكبر اقتصاد من حيث الإنتاج، ترى دراسات أخرى عكس ذلك تماما. فالصين تعاني داخليا مشكلات تتعلق بالفساد وارتفاع معدلات البطالة، والاختلاف الواضح في مستوى التطور الاقتصادي بين مناطق الداخل ومناطق الساحل الصيني، فضلا عن ظهور دعوات للانفصال عن الحكومة المركزية في الكثير من المناطق. وإقليميا هناك مشكلة تايوان، والعلاقات التنافسية مع اليابان والكوريتين. أما خارجيا فلا يمكن إغفال حجم التحدي الكبير الذي ستواجهه الصين في محاولة مزاحمة أو إزاحة الولايات المتحدة الأميركية عن مسرح السياسة العالمية. 

دور سياسي باهت

بدأ الاهتمام الصيني في المنطقة العربية في عام 1949، عندما كانت تبحث عن شرعية دولية وتوسيع الاعتراف الدبلوماسي بها في المنطقة العربية التي كانت في معظمها تعترف بالصين الوطنية ـ تايوان. فبدأت دخول المنطقة من خلال شعارات تدعم حركات التحرر الوطنية، ومحاولة الحيلولة دون وقوع دول المنطقة تحت نفوذ الغرب الاستعماري، ومقاومة الإمبريالية والاستعمار. 

وبشكل أساسي تدور علاقات الصين مع بلدان الشرق الأوسط العربية، في القرن الحادي والعشرين، حول محورين؛ الأول يتمثل في التعاون العسكري وبشكل خاص مبيعات الأسلحة، والثاني محور النفط والطاقة اللذين يشكلان مصدرين أساسيين للصناعات الصينية. ورغم أهمية علاقات الصين بدول الشرق الأوسط عموما والدول العربية خصوصا وقدمها، فإن بكين لم تمتلك استراتيجية واضحة تجاهها ولم تول المنطقة العربية وقضاياها المكانة التي تستحقها، بحسب العبدالرحمن.

قادت "دبلوماسية الطاقة" التي تطبقها الصين، نتيجة اقتناعها بأن النمو الاقتصادي هو حجر الأساس لاستقرار نظامها السياسي، وهو القوة المستقبلية لها لإثبات وجودها على المستوى الدولي، قادتها هذه الدبلوماسية بشكل أساس إلى منطقة الشرق الأوسط. وهو ما يجعلها رغما عنها مضطرة للتعامل مع الكثير من التطورات والقضايا الشائكة في هذه المنطقة. 

لكن ثمة الكثير من العوامل التي تؤثر في موقف الصين من القضايا العربية، وهي متشابكة ومتداخلة محليا وإقليميا ودوليا بشكل كبير. مع تزايد اعتماد الاقتصاد الصيني على الخارج في مجالات الطاقة والمواد الأولية والمنتوجات الزراعية، أعادت بكين النظر في سياستها تجاه الدول النامية، وعملت على دعم عدد منها تعتبرهم شركاء يمكن أن يؤمنوا لها استمرار تدفق المواد الأولية بأسعار مناسبة. وألبست هذه التوجهات خطابا أيديولوجيا ركز بشكل أساس على أمرين: تعاون الجنوب ـ جنوب، أو اعتماد مبدأ المنفعة المتبادلة، والتأكيد بشكل دائم على ضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والحفاظ على سيادتها. وهنا لا بد من ملاحظة أن الصين سوف تضطر حتى عام 2030 إلى استيراد أكثر من 75% من موارد الطاقة التي تستهلكها، حيث تعتمد أغلبية المبادلات التي تقوم بها في المنطقة العربية على تحقيق هذا الهدف، كما أنها تحصل على ما نسبته 45% من وارداتها البترولية من الدول العربية. 

يقول العبدالرحمن: إن الصين تعوّل كثيرا على الشرق الأوسط لأداء دور سياسي، لكن إعطاءها الأولوية للعلاقات الاقتصادية قيّد خياراتها السياسية. ولأن صعودها السياسي والعسكري أثار بعض المخاوف الإقليمية والأميركية اضطرت إلى رفع شعار نمو الصين السلمي، الذي أصبح الأساس للسياسة الخارجية الصينية في القرن الحادي والعشرين، وأصبح مبدأ العمل الأساس للجيل الرابع من القادة الصينيين. المفارقة أنه بدلا من أن يجعل النمو الاقتصادي المدهش للصين منها قوة سياسية فعالة ومؤثرة، جعلها أكثر ضعفا على المستوى السياسي. ورغم الجهود التي بذلتها في المنطقة العربية فإنها لم تظهر إلا مقاومة معتدلة للقوة العظمى الأميركية بهدف الحفاظ على الحوار والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع واشنطن شريكها التجاري الأساس.

إلى ذلك فإن الصين مضطرة للتعامل مع ثلاثة أطراف متنافرة في المنطقة؛ الدول العربية، وإيران، وإسرائيل. لها معها كلها مصالح اقتصادية مهمة (موارد أولية، ونفط، سوق للأسلحة والتكنولوجيا المتطورة) وهو ما يطرح التساؤل حول مدى قدرتها على تحقيق التوازن اللازم في التعامل مع هذه الدول التي تعيش خلافات متنوعة مع بعضها البعض. إنها كما يرى محمد عليمات في كتابه" الصين والشرق الأوسط من طريق الحرير إلى الربيع العربي" مضطرة لاتباع سياسة المشي على الحبال الرفيعة.

الموقف من قضية أمن الخليج

يتناول العبدالرحمن في كتابه بالتحليل موقف الصين من أهم القضايا التي شهدتها المنطقة العربية مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وحربي الخليج، وقضية أمن الخليج العربي، وأزمة دارفور وانفصال جنوب السودان، مؤكدا أن العلاقات بين الطرفين شكلت على الدوام تحديا صعبا لكل منهما. على سبيل المثال يشير إلى أن الصين رغم موقفها الدائم في تأييد حقوق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولة ذات سيادة فإنها سعت في الوقت نفسه إلى تمتين علاقاتها بإسرائيل، ولم تقدم على أي عمل من شأنه أن يؤثر في علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية بهذا الخصوص. وجميع المبادرات التي قدمتها في هذا السياق كانت مهتمة بالحفاظ على المنطقة الحيوية لأمنها الاقتصادي ـ آمنة يسودها السلام أكثر من اهتمامها بايجاد حل لتلك القضية. وهي، المبادرات لم تكن تخرج عن كونها تكرار لموقف منظمة الأمم المتحدة.

 

لا يخرج موقف الصين من الأمن الخليجي عن نطاق مواقفها من القضايا المهمة التي شهدها الشرق الأوسط، فبقي خارج حدود المشاركة الفعلية في إيجاد الحلول والاكتفاء بإطلاق المبادرات والسير خلف القوى الكبرى الأخرى المؤثرة.

 

 

وفي موقف الصين من أمن الخليج العربي يقول العبدالرحمن أن العلاقة بين الصين والدول الخليجية تحمل مخاطرة من نوع خاص. 

فقد أشار معهد تحليل الأمن العالمي في واشنطن إلى أنها المرة الأولى التي تواجه فيها الصين هذا النوع من التحدي المتمثل في الاعتماد على مصدر خارجي لتأمين حاجاتها من الطاقة، حيث من المتوقع أن تستورد 70% من نفطها من دول مجلس التعاون الخليجي. وفي ذلك دلالة سياسية مهمة للصين تتمثل في أن الاستقرار السياسي والاقتصادي لها سيعتمدان على استقرار دول الخليج سياسيا واقتصاديا. مع ذلك، لا يمكن الجزم بوجود رؤية صينية محددة وواضحة لأمن الخليج العربي، حيث تتعلق هذه الرؤية حتى الآن بأمن الطاقة واستمرار وصول النفط إلى الصين. أي خدمة مصالحها الاقتصادية واستغلال الحوادث بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب والامتيازات، وتجنب الخسائر. 

ولا يخرج موقف الصين من الأمن الخليجي عن نطاق مواقفها من القضايا المهمة التي شهدها الشرق الأوسط، فبقي خارج حدود المشاركة الفعلية في إيجاد الحلول والاكتفاء بإطلاق المبادرات والسير خلف القوى الكبرى الأخرى المؤثرة. 

يقول مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية في مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية، أشرف كشك أن أحد أسباب عدم وضوح الروؤية الصينية في هذه القضية يعود إلى موقف الولايات المتحدة من سياسات الصين تجاه دول الخليج. فواشنطن التي تعتبر هذه المنطقة مهمة بالنسبة لها لن تسمح للصين أو لغيرها أن يكون لها دور مباشر أو مؤثر في أمنها. إلا أن ذلك لم يمنع الصين من السعي لتوسيع تعاونها في المجالات التي تتعلق بقضية أمن الخليج، لا سيما تلك المرتبطة بييع نوع من الأسلحة المتطورة والحساسة خصوصا للملكة العربية السعودية. 

ويشير العبدالرحمن إلى أن أكثر ما يثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية من مبيعات الأسلحة هذه لدول مجلس التعاون الخليجي، هو مدى إمكانية أن تؤدي هذه العملية إلى فتح الباب لكميات أكبر من الأسلحة التقليدية الصينية والتي قد تتجاوز ذلك مستقبلا نحو أسلحة ذات منجات حساسة.

إن مواقف الصين وطموحاتها السياسية تجاه المنطقة العربية وقضاياها بقيت متواضعة وخاضعة لاعتبارات سياسية. فالهدف الأساس لسياستها في الشرق الأوسط لم يكن يوما أداء دور محوري في حل القضايا الإقليمية، حيث تركت هذه المهمة للولايات المتحدة الأمريكية، ما يجنبها الدخول في مواجهة مباشرة معها. وحتى عندما تهرب من هذه المواجهة مع واشنطن إلى ما يسمى بالدعم الخفي لبعض دول الشرق الأوسط، عبر بيع الأسلحة ونقل التكنولوجيا المتطورة، فإنها تستخدم هذا كورقة مساومة مثلا لوقف الدعم العسكري الأمريكي لتايوان.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا