آخر الأخبار

غادة نجيب ومفارقات المواطنة.. المواطنة من جديد (58)

سيف الدين عبد الفتاح الأربعاء، 30 يونيو 2021 01:45 ص بتوقيت غرينتش

أكدنا دائما أن مفهوم المواطنة له من الأبعاد الأخلاقية والإنسانية والتي تشكل ركائز فيها ليس لأحد أن ينقضها أو ينفيها، وفي هذا الإطار فإن مفهوم المواطنة وارتباط الإنسان- المواطن به لا ينفك عنه، وهو ليس محل مساومة.

هذا المعنى تشير إليه تلك المشاهد المتتابعة التي كان من بينها استمرار ضغوط النظام الانقلابي على مواطنين دفعهم دفعا لترك بلادهم وأخرجهم من أوطانهم، ساعيا ضمن استراتيجيته لاستمرارية مطاردتهم حتى في المنافي بعد أن استمروا متمسكين بحقوقهم في الدفاع عن وطنهم ضد أي معتد، وسعيهم للحفاظ عليه في ظل إيمانهم بأن "الوطن مكانةً، والمواطن كرامةً"، مؤمنين بشعار ثورتهم بالعيش الكريم والحرية بكل أشكالها والكرامة الإنسانية والعدالة المتكاملة.

ومن العجيب حقا أن ترى بعض النظم أن حقوق المواطنة يمكن أن تكون محل مساومة أو مقايضة، غافلين عن تلك المعاني التأسيسية المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة التي تتعلق بحياته الآمنة وكل ما يتعلق بحريته في العمل والتنقل وممارسة كافة الحقوق الأساسية والتأسيسية التي ترتبط به، وكذلك حقوقه المدنية والسياسية وفقا لما تقتضيه تلك الحقوق في حرية التعبير، معلنا عن آرائه ومواقفه السياسية بما يمليه عليه ضميره، ومواجها أي محاولة لكبت رأيه أو أي تهديد لحقوق مواطنيته.

ذلك المواطن حتى بعد اضطراره للسفر خارج البلاد عقب الانقلاب العسكري في مصر فرارا بكلمته ومواقفه ومهاجرا هجرة قسرية إلى بلاد الله ليواصل كل ما يتعلق بتأمين حرية مواقفه وامتلاكه حرية التعبير عن آرائه؛ ظل هذا الأمر ملازما له في المنافي باعتباره يتعلق بكيانه ومواطنيته وحق الوطن عليه في إبداء مواقفه بكل ما يتعلق بقضاياه ومستقبله.

فحينما تصدر سلطات بلد الاستقبال قرارات بحق أشخاص بأعينهم تبلغهم من خلالها بعدم السماح بالكلام أو بنشر آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو التدوين فيها؛ يكون ذلك أمرا خطيرا لأن هؤلاء ما أخرجهم من بلادهم إلا الوقوف في وجه نظام استبد بهم وطاردهم وأخرجهم من ديارهم، واستخدم كافة الوسائل لكبت آرائهم وفرض الصمت على كيانهم.

تأتي مطالبة بلد أتى إليه هؤلاء فزعا بكلماتهم وحماية لها فارين بها؛ وقد كان لهم السكوت في أوطانهم والعيش على أرضها إن كان الثمن هو السكوت، ولكن هؤلاء جعلوا من كلمتهم ومن حرية التعبير ومقاومتهم لذلك النظام الانقلابي مسألة أساسية تتعلق بوجودهم وممارستهم لحقوقهم كإنسان ومواطن، ولو أرادوا السكوت لوسعتهم أوطانهم ولم يأتوا إلى أرض جديدة حتى يُطالبوا بالصمت والسكوت وألا يتعرضوا لكل ما يتعلق بوطنهم أو بهؤلاء الذين اغتصبوا السلطة فيه، فصارت الحرية بذلك محل مساومة ومقايضة بين أنظمة وفقا لما قد يقال من أنها مصالح بين تلك الدول.

إن ما يجب التأكيد عليه في هذا الإطار هو التحذير من الابتزاز الذي يمارسه النظام الانقلابي الذي صار يتعقب مواطنيه في الخارج، ولم يعد قادرا على تحمل النقد من مواطن في الخارج، فأدى به ذلك إلى مطالبات غاشمة وظالمة يحاول من خلالها تعقب هؤلاء، رغم أنه لم يترك وسيلة أمكنه استخدامها إلا واستخدمها ضد هؤلاء المواطنين؛ من مصادرة أموال وإصدار أحكام ومنع إصدار الأوراق الثبوتية، ليجعل الجنسية المصرية في حد ذاتها كعقوبة؛ وصولا إلى أنهم سحبوا الجنسية من مواطنة أصلية وهي "غادة نجيب"، حيث زعموا أنها من أصول سورية فيسمى ذلك إسقاطا وليس سحبا للجنسية، تدليسا من هذه المنظومة الانقلابية، وهي المصرية الأصيلة بالدم وبالميلاد.

وإن عبر ذلك عن شيء فإنما يعبر عن ضيق هذا النظام وتجاوزه الظالم عن كافة المعايير الحقوقية والقانونية، وهو سمت مثل هذه النظم الطغيانية الفاشية حينما تتعقب مواطنا وتطارده حتى بعد إسقاط الجنسية عنه، ومساومة النظام المستضيف لهؤلاء المواطنين وتحريضه على منعهم من الكلام. ومن ثم نتساءل: ألم تسقطوا عنها الجنسية، فما شأنكم بها؟! وما هي العقوبة التي ترضونها حينما تقومون بتأليب دولة على مواطنة أصيلة تعبر فقط عن رأيها في ذلك النظام الفاشي الظالم الذي قام بكل ما من شأنه أن يعترض عليه أي مواطن شريف؛ من بيع لأرض الوطن وتفريط في موارده الغازية وكذلك المائية (نهر النيل)؟ ماذا يعني كل ذلك حينما يطالبنا البعض بالسكوت؟!! فكيف يمكن لدولة أن تطالب بذلك تحت دعوى أنه سيعطي حقا لها في شرق المتوسط وهي تهضم كل حقوقنا، مواطنا ووطنا؟

إن ما يؤكد أن مطالب النظام المصري ما هي إلا ابتزاز رخيص هو حجم ونوعية مطالباته تلك، فإنه لا يطالب بمصالح من جنس المطالب التي تسعى إليها الدولة التركية، ولكنه للأسف يطلب فقط تكميم أفواه بعض من مواطنيه.

فهل هي مصلحة عليا، أم هي إرادة من ذلك النظام الفاشي الهش الذي تخيفه أصوات قليلة ويراها نيلا من هيبته أو استقراره، فيقوم باستنفار كل أدواته لتحقيق تلك المطالب الصغيرة والحقيرة، والتي تدل على أن ذلك النظام يعيش أسوأ أزماته حينما يجعل من تلك المطالبات على رأس أولوياته من دولة أخرى تطالب بحقوق وطنية لها تتعلق بأمنها القومي وحماية مواردها الأساسية؟

من ناحية أخرى، كيف لدولة أن تثق في أن هذا الانقلابي سيعطيها حقوقها على الرغم من سياسته الابتزازية تلك؛ التي نؤكد وفي سياق معرفتنا بما يحركه سياسيا حينما قال إنه "لو ينفع اتباع.. اتباع"، أنه يبيع كل شيء في محاولة منه لنيل شرعنة نظامه، مدعيا أن بعض أصوات هنا أو هناك تنال من استقلال سلطانه وهيمنة طغيانه الذي يمارسه على الداخل ويريد أن يبسطه على من نجا من مواطنيه مهاجرا إلى الخارج.. نؤكد أنه لن يعطي شيئا؛ ذلك أن مطالبه تلك ليس لها من هدف سوى النيل من هؤلاء الذين يعارضونه بكل طريقة، كما أنه غير معني بمصالح البلاد الأساسية وأمنها القومي.

وأستطيع أن أؤكد وفقا لدراسات علم النفس السياسي أن تلك الشخصية تحاول ليس فقط الانتقام من مواطنيها، ولكن كذلك الانتقام من تركيا في شخص قيادتها التي اشتهرت بمساندة المظلومين في عالم المسلمين.

فإن الأمر الذي يتعلق بالقابلية للابتزاز في هذا الشأن إنما يشكل مكسبا شخصيا لهذا المنقلب الذي يتعامل في كثير من المسائل بنوع من الثأر والانتقام لشخصه أو من يدعموه من جوقته. إن هذا الأمر يجب ألا يغيب عن البال، خاصة في ظل سعيه للنيل من ذلك الرصيد المعنوي والرمزي للقيادة التركية في تلك الصورة الذهنية التي قامت ببنائها عبر سنوات من استقبال كل هؤلاء الذين قصدوا تركيا هروبا من استبداد أنظمتهم، ومن ثم فإن تلك المطالبة بسكوت بعض هؤلاء إنما ينال من صدقية ومصداقية تلك السياسات السابقة في هذا الشأن، والتي كونت رصيدا لا يستهان به حتى وإن كان معنويا.

ومن ثم فإنني أؤكد أن "غادة نجيب" وزوجها الفنان الصادق؛ إنما يعبران في حقيقة الأمر عن جوهر كرامة المواطن المصري وإخلاصه لهذا الوطن. وأنا شخصيا أعتبرهما نموذجا في كفاحية المواطن للمطالبة بحقوقه والثبات على مواقفه بما يعبران عنه وبما يقومان به. أما نظام يتحرك بأسره وبكافة أجهزته في مواجهة مثل هؤلاء فإنما يعبر في حقيقة الأمر عن مدى وهنه تفكيرا وممارسة.

كما نؤكد على حق كل إعلامي مُنع من التعبير عن رأيه، وألا يُمنع من حقه في التدوين أو البث عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ والتمسك بذلك الحق ليس محلا للمساومة أو المقايضة. 

twitter.com/Saif_abdelfatah

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا