آخر الأخبار

NYT: حركة طالبان تحاول تلميع صورتها تزامنا مع انسحاب أمريكا

لندن – عربي21 - باسل درويش الأربعاء، 07 يوليو 2021 10:29 م بتوقيت غرينتش

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا للصحفيين نجم رحيم وثوما غيبسون نيف، قالا فيه إنه عندما سيطرت طالبان على منطقة الإمام صاحب في شمال أفغانستان في حزيران/ يونيو، أرسل قائد المتمردين الذي يحكم المنطقة الآن رسالة إلى رعاياه الجدد، بما في ذلك بعض موظفي الحكومة: استمروا في العمل، وافتحوا محالكم، وحافظوا على نظافة المدينة.

أعيد تشغيل المياه، وأصلحت شبكة الكهرباء، وقامت شاحنات القمامة بجمع القمامة، وأُصلح إطار سيارة حكومية مثقوب، كل ذلك تحت إشراف طالبان.

إمام صاحب واحدة من عشرات المناطق التي هاجمتها طالبان عسكريا، واستولت بسرعة على أكثر من ربع مناطق أفغانستان، العديد منها في الشمال، منذ بدء الانسحاب الأمريكي في أيار/ مايو.

كل هذا جزء من استراتيجية طالبان الأوسع نطاقا لمحاولة إعادة إخراج أنفسهم على أنهم حكام قادرون، بينما هم يشنون هجوما قاسيا للاستيلاء على الأراضي في جميع أنحاء البلاد. هذا المزيج هو إشارة صارخة إلى أن المتمردين يعتزمون بشكل كامل محاولة الهيمنة الشاملة على أفغانستان بمجرد انتهاء الانسحاب الأمريكي.

قال سراج الدين حقاني، نائب قائد طالبان ورئيس الجناح الأكثر عنفا في الحركة، في بث إذاعي حديث لمقاتلي طالبان: "إن الوضع يمثل فترة اختبار بالنسبة لنا. إن كل الممارسات تتم مراقبتها.. تصرفوا بطريقة جيدة مع عامة الناس".

لكن الدلائل على أن طالبان لم تتغير للأفضل تتضح بشكل متزايد؛ فحملة الاغتيال ضد موظفي الحكومة وقادة المجتمع المدني وقوات الأمن مستمرة. وهناك القليل من الجهد للاستمرار في محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية، على الرغم من الالتزامات التي تم التعهد بها لأمريكا. وفي المناطق التي سيطر عليها المتمردون، تُجبر النساء على ترك الوظائف التي فيها تعامل مع الجمهور، وتخرج الفتيات من المدارس، ما يقوض الكثير من المكاسب التي تحققت خلال عشرين عاما الماضية من الوجود الغربي.

 

اقرأ أيضا: البنتاغون يبرر إخلاءه قاعدة باغرام بأفغانستان "سرّا"

بالنسبة للكثير من الجمهور الأفغاني، المرعوبين والمنهكين، كانت مكاسب طالبان مسببة للذعر. وهناك خوف واسع النطاق من أن الأسوأ قادم، حيث إن طالبان تقوم بالفعل بمحاصرة العديد من عواصم المناطق المهمة.

بدأت المجموعات الإقليمية في حشد المليشيات للدفاع عن أراضيها، متشككة في قدرة قوات الأمن الأفغانية على الصمود في غياب داعميها الأمريكيين، في تكرار مؤلم لاشتعال الحرب الأهلية المدمرة في البلاد في التسعينيات.

في الأماكن التي يحكمونها الآن، فرضت طالبان قواعدها الإسلامية المتشددة، مثل منع النساء من العمل أو حتى الخروج من منازلهن دون مرافق، وفقا لسكان في المناطق التي تم الاستيلاء عليها مؤخرا. الموسيقى محظورة، ويُطلب من الرجال التوقف عن حلق اللحى. من المفترض أيضا أن يوفر السكان الطعام لمقاتلي طالبان.

تظهر الوثائق والمقابلات مع قادة المتمردين ومسؤولي طالبان أن النجاحات الأخيرة للجماعة لم تكن متوقعة، وأن قادة طالبان يحاولون بشكل عشوائي الاستفادة من مكاسبهم العسكرية والسياسية المفاجئة.

لم يتم الاستيلاء على المناطق دائما من خلال القوة العسكرية المحضة. سقط البعض بسبب سوء الإدارة، والبعض الآخر بسبب التنافس بين رجال محليين أقوياء وتدني الروح المعنوية بين قوات الأمن.

داخليا، الرسالة من قيادة طالبان إلى مقاتليها هي أنه على الرغم من أنهم شهدوا زيادة في الخسائر، إلا أنهم ينتصرون في معركتهم ضد الحكومة الأفغانية مع رحيل القوات الدولية.

على بعد أكثر من 1000 ميل في قطر، لم تحرز محادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وممثلي طالبان سوى القليل من التقدم، حيث نادرا ما يجتمع الجانبان.

في الوقت الحالي، تركز طالبان طاقتها على تحسين صورتها في الأماكن التي سيطرت عليها. النجاح ليس مضمونا، فسجل حكم الحركة خلال فترة وجودها في السلطة قبل عام 2001 كان ضعيفا. تأخرت الخدمات، وانتشرت الوحشية في الأماكن العامة، وتفشى الخوف.

في إحدى مناطق شمال أفغانستان، ذهب حاكم طالبان الجديد للمنطقة مباشرة إلى بيت القصيد، محاولا إقناع السكان بأن يأمنوا على أرواحهم.

وروى نجيب الله، أحد السكان المحليين، والذي طلب استخدام اسمه الأول فقط لحمايته، قول القائد في ساحة البلدة: "حياة الجميع آمنة". لكن نجيب الله أضاف: "الناس خائفون، وهم غير مرتاحين".

صوّر السكان الخطاب بالهواتف الذكية -التكنولوجيا التي حظرتها حركة طالبان ودمرتها في بعض المناطق- مع صدى أبواق السيارات في الخلفية، ترحيبا بقيادة المناطق الجديدة. لقد سلط الاستقبال الحار إلى حد ما الضوء فقط على التعقيدات المستمرة للحرب.

وأوضح محمد نسيم مدابر، عضو البرلمان من مقاطعة بغلان الذي ذهب إلى الخطوط الأمامية للمساعدة في استعادة أجزاء من المقاطعة، أن المنطقة سقطت بسبب الخلافات الداخلية بين السياسيين المحليين وقادة المليشيات التي تركت الأمن ضعيفا، وانفتح السكان المحليون على فكرة سلطات حاكمة جديدة، وهي الظروف التي استغلتها حركة طالبان بسهولة.

مع تقدم طالبان على الأرض، أصبح لدى المقاتلين توجيهات لمعاملة جنود الحكومة الأسرى بعناية وإطلاق سراحهم في النهاية، كما طُلب منهم فرض حصار على عواصم المقاطعات الأكبر القريبة منهم، لكن لا يدخلوها. في أماكن مثل إمام صاحب، يُسمح لبعض موظفي الخدمة المدنية بالعودة إلى العمل -باستثناء النساء- للمساعدة في استمرار عمل البلدات والمدن، رغم أنه من غير الواضح من يدفع لهم.

تهدف هذه التوجيهات بوضوح إلى تجنب الدعاية السيئة -المنازل المدمرة والمدنيون القتلى والأشغال العامة المتضررة- ويبدو على الأقل أنها تلتزم بالاتفاق بين أمريكا وطالبان المبرم في عام 2020، حيث حدد الاتفاق بعض التكتيكات العسكرية التي يجب أن يمتنع الطرفان عنها، بما في ذلك مهاجمة عواصم المقاطعات.

لكن يبدو أن الالتزام بالاتفاق قد تم تجاهله عندما لم يدخل مقاتلو طالبان عاصمة واحدة فقط، بل عدة عواصم إقليمية في الأسابيع الأخيرة، ومع أنباء عن اندلاع قتال في الشوارع ومقتل وإصابة عشرات الجنود والمدنيين، وتدمير كميات لا حصر لها من الممتلكات.

كما ظهرت تقارير عن قيام المقاتلين المتمردين بالانتقام من السكان المحليين، ما يشير إلى القدرة المحدودة لقادة طالبان على التحكم في تشكيلاتهم من القادة الميدانيين - جميعهم من أعراق مختلفة، وولاءات متباينة ومستويات غير واضحة من الالتزام بهيكل قيادة المجموعة.

قال قائد في طالبان لم يكن مخولا بالتحدث إلى وسائل الإعلام لصحيفة نيويورك تايمز إنه على الرغم من أنه لم يُسمح له بمهاجمة مدينة قندوز، وهي عاصمة إقليمية في الشمال، فقد رأت قواته فرصة واستغلتها، وهي خطوة أيدها كبار القادة في وقت لاحق. الآن بعد أسابيع من القتال، دفعت القوات الحكومية الأفغانية، مدعومة بالقصف الجوي وقوات الكوماندوز العسكرية الأفغانية، حركة طالبان إلى محيط المدينة. لكنها لا تزال محاصرة.

قُتل العشرات من المدنيين والجنود، وأصيب مئات آخرون، ونزح أكثر من 40 ألفا حول مقاطعة قندوز، وفقا لتقرير للأمم المتحدة في 1 تموز/ يوليو. وقال بعض السكان إن طالبان أحرقت بعض المنازل هناك.

قال سراج الدين جمالي، أحد شيوخ القبائل: "أحرقت طالبان منزلي بينما كانت عائلتي في المنزل.. في عام 2015، كانت قاعدة عسكرية تحت الحصار، وقدمنا لهم الطعام والماء، لكن طالبان تنتقم الآن".

وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان إن اتهامات إحراق المنازل قيد التحقيق.

ردود فعل الحركة العلنية، رغم أنها نادرا ما تكون صادقة، تلعب دورا مباشرا في إستراتيجية تهدف إلى تصوير المتمردين كخيار مشابه للحكومة الأفغانية. وهم يتجاهلون حقيقة أن العداوات المحلية هي الدافع وراء قدر كبير من عنف الحرب، ما يفوق أي أوامر رسمية من قيادة طالبان.

في ساحة المعركة، تتغير الأمور بسرعة. استسلم الآلاف من الجنود الأفغان وأعضاء المليشيات في الأسابيع الماضية، وصادروا أسلحة وذخيرة وعربات مصفحة مع سيطرة حركة طالبان على منطقة تلو الأخرى. شنت القوات الحكومية هجوما مضادا، واستعادت السيطرة على العديد من المناطق، وإن لم يكن بحجم انتصارات المتمردين الأخيرة.

لكن لم ترد أنباء تذكر عن خسائر طالبان، بصرف النظر عن المبالغة في أعداد الجثث التي تعلن عنها وزارة الدفاع بالحكومة الأفغانية. تكبدت حركة طالبان، التي تقدر قوتها منذ فترة طويلة بما يتراوح بين 50000 و 100000 مقاتل، حسب الوقت من العام، خسائر فادحة في الأشهر الأخيرة، خاصة في جنوب البلاد.

قال الملا بصير أخوند، القائد السابق وعضو طالبان منذ عام 1994، إن المقابر على طول الحدود الباكستانية، حيث لطالما دفن مقاتلو طالبان، تمتلئ بشكل أسرع مما كانت عليه في السنوات الماضية. المستشفيات الباكستانية، وهي جزء من خط الدعم الثابت للمتمردين في البلاد، بدأت في النفاد من مساحة الأسرة. خلال زيارته الأخيرة لمستشفى في كويتا، مركز لطالبان في باكستان، قال أخوند إنه رأى أكثر من 100 شخص، معظمهم من مقاتلي طالبان، ينتظرون العلاج.

ولكن على الرغم من المعارك الصعبة، ووزن قوة عظمى شبه منسحبة، وقضايا قيادة طالبان نفسها، يستمر المتمردون في التكيف.

قال إبراهيم بحيس، مستشار مجموعة الأزمات الدولية، إنه حتى في الوقت الذي يسعون فيه لغزو البلاد، فإن طالبان تدرك إرثها من الحكم القاسي، ولا تريد أن تصبح "الدولة المنبوذة والمعزولة" كما كانت أفغانستان في التسعينيات. 

وأضاف بحيس: "إنهم يلعبون اللعبة الطويلة".


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا