آخر الأخبار

محمد عمارة: الإسلام أسس لقيمتي العدل والحرية وهذا الدليل

رباب يحيى الخميس، 08 يوليو 2021 06:07 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "الإسلام وحقوق الإنسان.. ضرورات لا حقوق"
المؤلف: د. محمد عمارة
الناشر: دار الشروق

تواصل الكاتبة والباحثة المصرية رباب يحيى في الجزء الثاني والأخير من عرضها لكتاب "الإسلام وحقوق الإنسان.. ضرورات لا حقوق"، إلقاء الضوء على الأسس التي تشكل المحدد الرئيس لمفهوم حقوق الإنسان في الإسلام.. وتفصل في هذا الجزء الموقف من قيمتي العدل والحرية. 

ضرورة العدل:

في الإسلام نجد "قيمة" العدل عالية تتصدر كل "القيم" الثوابت التي يدعو إليها الدين، فهو المقصد الأول للشريعة، حتى إننا نجد أن "العدل" اسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته سبحانه وتعالى، وكفى بذلك دليلاً على المكان الأرفع للعدل في فكر الإسلام.

يقول المؤلف في (صفحة 61): "والعدل، في شرعة الإسلام، فريضة واجبة، وليس مجرد "حق" من الحقوق التي باستطاعة صاحبها التنازل عنها إذا هو أراد، أو التفريط فيها دون وزر وتأثيم، إنه فريضة واجبة، فرضها الله سبحانه وتعالى، على الكافة دون استثناء، فرضها على رسولة صلى الله عليه وسلم (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (الشورى: 15)".

"وهي فريضة واجبة على أولياء الأمور، من الولاة والحكام، تجاه الرعية والمتحاكمين (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)".

هذا الشمول لفريضة العدل، والعموم لضرورتها، يحدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يدعو الآباء إلى العدل بين أبنائهم (اعدلوا بين أبنائكم)، وعندما ينهي الولاة عن غش الرعية (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة). 

يقول المؤلف في (صفحة 63): ".. كذلك يستوي في وجوب العدل، أن يكون تجاه الغير أو حيال النفس، وهذا ما يزيد المعنى الذي نلح عليه تأكيداً، فلو كان العدل مجرد "حق" لجاز للإنسان أن يتنازل عن نصيبه منه، ولكان ظلمه لنفسه مما لا يدخل في دائرة الإثم والتجريم، لكن الإسلام الذي جعل العدل "فريضة إنسانية ـ واجبة" قد جعل ظلم الإنسان لنفسه جريمة كبرى وظلماً عظيماً (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 97)".

إذا كان هذا هو شأن "فريضة العدل" في الإسلام، فمن الطبيعي أن نرى موقفه الواضح ضد الظلم متسماً هو الآخر بالشمول، فالعدل واجب على الكافة تجاه الكافة، ومن ثم كان الظلم حراماً على الجميع إزاء الجميع.

يقول المؤلف في (صفحة 69): "إن موقف الإسلام من قضية "الانتصار ـ أي الثورة ـ ضد الظلم والظلمة يتعدى "الإباحة" و"المشروعية" إلى "التحبيذ" بل و"الإيجاب"، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُودع منهم)، فإنه يعلمنا أن التصدي للظلم بالمقاومة هو دليل "الحياة" في الأمة، أما إذا عجزت عن ذلك أو أهملته فإنها ستكون عندئذ في عداد الأموات، الذين "تُودع منهم" رغم أنهم يأكلون ويشربون كما يأكل "الأحياء" ويشربون، ولذلك وجدنا تراث الإسلام مزداناً بالمأثورات التي تحض على مقاومة الظلم ومقاتلة الظلمة والتصدي بالثورة لتغيير مجتمعات الجور والاستبداد، ووجدنا هذه المأثورات الشريفة تبشر أهل الحق بما أعده الله لهم من رفيع الدرجات لقاء معاناتهم مصاعب هذا الطريق، فـ (من قُتل دون ماله مظلوماً فهو شهيد، ومن ظلم من الأرض شبراً طوقه من سبع أرضين)، فشتان ما بين المصيرين اللذين أعدهما الله".

هذا هو "العدل" بوصفه ضرورة إنسانية واجبة، بكتاب الله وسنة رسوله، وقد نعم المسلمون بهذا العدل عندما وضعت فلسفته في التطبيق على عهد النبي ودولة الخلافة الراشدة، فكانت تلك الفترة ـ في تاريخنا ـ بمثابة السابقة الدستورية التي تبلورت فيها فلسفة عدل الإسلام، وذلك يوم حكم علي بن أبي طالب فقال: "إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني، إن الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة".

والدكتور عمارة يرى أن "العدل الاجتماعي" واجب وفريضة، وليس مجرد حق من الحقوق، وتخلف هذا العدل يهدم أركان التعاقد القائم بين الحاكمين وبين المحكومين، ويلغي شرعية "السلام" المفترض بين الطبقات الاجتماعية، لأن هذا السلام رهن بـ "تكافل" هذه الطبقات في تحقيق "الضرورات الواجبة"، ومن هنا كانت المأثورات الإسلامية الشريفة: "إذا جاع مؤمن فلا مال لأحد"، و"من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه"، فمشروعية الحيازة وحرمة "ملكية المنفعة" في الأموال قائمة كحق من حقوق ذمة الله تعالى، ومن هنا كان عجب أبي ذر الغفاري وتعجبه عندما قال: "عجبت لرجل لا يجد في بيته قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه".

ضرورة المعارضة:

واضح لمن يستقرئ تاريخنا أن المسلمين لم يختلفوا في "الدين"، ولم تنشأ فرقة من الفرق الإسلامية الرئيسية بسبب الخلاف حول عقيدة من عقائد الدين ولا أصل من أصوله، وإنما كانت السياسة وفلسفة نظام الحكم، ومنصب الخلافة، واختلاف المناهج في سياسة الأمة هي أسباب الخلاف، الذي أقام الفرق، وأنشأ الأحزاب، وأشعل الحروب والصراعات على امتداد التاريخ الإسلامي.

يقول المؤلف في (صفحة 95): "عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، اجتمع الأنصار، من الأوس والخزرج، في سقيفة بني ساعدة، لاختيارمن يخلف الرسول في سياسة الناس ورئاسة الدولة، واتجهت أنظارهم إلى سعد بن عبادة زعيم الخزرج، والمتحدث باسم الأنصار، وأحد النقباء الإثنى عشر الذين بايعوا الرسول على تأسيس الدولة العربية الإسلامية الأولى، في بيعة العقبة، قبيل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، والمقاتل الذي حضر المشاهد والغزوات كلها مع رسول الله تأسيساً للدولة.. ويقيناً من الأنصار بأحقيتهم لهذا المنصب لأن "المدينة" دارهم بايعوا سعد بن عبادة ليخلف الرسول عليه السلام في قيادة الدولة، لكن الخبر بلغ عمر بن الخطاب، فاستدعي أبا بكر الصديق، وصحبه على عجل إلى السقيفة، ولقيهما أبو عبيدة بن الجراح، فذهب معهما.. وفي السقيفة واجه أبو بكر الأنصار، وعرض الرأي القائل: "إن المهاجرين الأولين" هم الأحق والأجدر بمنصب الخلافة، فهم أسبق إلى الإسلام، وهم قريشيون، وأقدر أن تجتمع عليهم وترضى برئاستهم قبائل العرب، فتستمر وحدة العرب في دولة الإسلام... فبايع الأنصار أبا بكر الصديق خليفة على المسلمين إلا سعد بن عبادة، فإنه رفض البيعة لأبي بكر طوال خلافة أبو بكر، فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، ظل سعد بن عبادة على رفضه لعمر، حتى توفاه الله (14 هـ/635م)"، ولم يحدث أن أكرهه أحد على البيعة أو عاقبه على خلافه للأمة في هذا الأمر".

نحن هنا أمام صحابي جليل، عاش من دون أن يبايع الصديق بالخلافة، ومات وليس في عنقه بيعة للخليفة الفاروق، وهنا يثب إلى الذهن ما يحدث في المجتمعات الحرة المعاصرة، عندما يتنافس المتنافسون على منصب رئاسة الدولة، وتتم عملية الاقتراع والانتخاب فيفوز من يحوز ثقة الأغلبية، لكن تظل الأقلية في موقع المعارضة له، فهي لم تبايعه، بل تواصل معارضتها له حتى يحين الترشح والانتخاب الجديد.

ومن المفارقة، كما يقول المؤلف في (صفحة 98): "أنه في المأثورات النبوية الشريفة أحاديث يرددها ويذيعها كثير من "أمراء" الجماعات الإسلامية الجديدة، تحكم بالجاهلية على من فارق الجماعة، وعلى من مات وليس في عنقه بيعة للإمام، وهم بتردديهم هذه الأحاديث يوجبون الطاعة للأمراء على الكافة، ويحرمون "المعارضة" ويجعلونها إثماً دينياً وخطيئة ترتد بصاحبها إلى الجاهلية بعد الإسلام... لقوله صلى الله عليه وسلم (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، لكن الأمر الذي يغفله ـ أو يتغافل عنه ـ هؤلاء "الأمراء" أن هذه "البيعة"، التي يتحدث عنها الحديث النبوي الشريف كانت بيعة الذين آمنوا للرسول عليه السلام، الذي دعاهم إلى الإيمان، فهي البيعة له بالنبوة، وموضوعها التوحيد والإسلام، إنها البيعة التي خرجوا بها من الجاهلية إلى الإسلام، ومن ثم فإن خلعها والخروج من طاعتها، هي ـ بالقطع ـ عودة إلى الجاهلية مرة أخرى".

ثم يكمل المؤلف في (صفحة 141) فيقول: "يتجاهل فقهاء السلاطين الرواية الأخرى للحديث ـ والمروية هي الأخرى عن عبدالله بن عمر ـ والتي تقيد إطلاق "الطاعة"، فتجعلها "طاعة الله"، وليست طاعة "الأمير"، ومن ثم فهي تقيد "البيعة" فتجعلها "بيعة الرسول" عليه السلام، لا بيعة "الأمير"، لأن بيعة الرسول وحدها، هي التي كانت تعني الانتقال من الجاهلية والشرك إلى نور الإسلام وتوحيده، أي أنها "دين"، وليست مجرد "سياسة".. يتجاهل فقهاء السلاطين هذه الرواية التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات على غير طاعة الله مات ولا حجة له، ومن مات وقد نزع يده من بيعة كانت ميتته ميتة ضلالة"، فالطاعة هنا بصريح النص طاعة الله سبحانه، والبيعة هنا ـ بحكم السياق ـ بيعة الرسول، لأنها كانت تعني البيعة لله". 

فمعارضة الأمراء أو الحكام، ورفض البيعة لهم، لاختلاف منهجهم السياسي وسبيلهم في سياسة المجتمع وحكم الأمة عن منهج المعارضين لهم، لا يعني الانتقال بالمعارضين من معكسر الإسلام والإيمان إلى معكسر الجاهلية بأي حال من الأحوال.

وإذا كان هذا حال الإسلام مع النظم العادلة، كما تمثلت في خلافة الصديق أبي بكر والفاروق عمر، فإن موقفه تجاه النظم الجائرة يتعدى "مشروعية" معارضتها إلى "وجوب" المعارضة لها، و"الثورة" عليها، كما يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن "أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر".

وعلى الذين يعون هذه الحقيقة أن يناضلوا، لرفع عار الاستبداد وقيوده عن "واقع" المسلمين، وتنقية الفكر الإسلامي من التشوهات التي زرعها فيه نفر من "علماء السوء" وفقهاء السلاطين، الذين احترفوا التسويغ لمظالم المستبدين، ودعوا المستضعفين والمظلومين إلى الاستكانة التي سموها "صبراً"، فطوبى للسالكين كل سبيل لتحقيق إرادة الله، والغاية من رسالة رسوله، عليه السلام.

 

إقرأ أيضا: محمد عمارة: الإسلام يرى في الحرية جوهر الحياة لدى الإنسان


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا