آخر الأخبار

الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود.. كتب الشعر لفلسطين بالدم

ياسر علي السبت، 10 يوليو 2021 10:07 ص بتوقيت غرينتش

على الرغم من قلّة شعراء عصر النهضة في فلسطين، مقارنةً بشعراء عصر النهضة في مصر، وعصر شعراء المهجر في بلاد الشام، إلا أنهم لم يكونوا شعراءَ حبٍ وجمالٍ بقدر ما كانوا قادةً وطنيين، يقودون الجماهير بالكلمة والرصاصة.. وفي المقال السابق عن إبراهيم طوقان، تطرقنا إلى تأثير إلقائه قصيدته الشهيرة "الثلاثاء الحمراء" على الجماهير التي خرجت بمظاهرة كبيرة بعد سماعها القصيدة..

وبسبب إدراك الاحتلال البريطاني لتأثير الشعراء والخطباء في الثورة، اضطهدهم وزجّ بالكثير منهم في السجون والمعتقلات. وعندما اشتعلت الثورة الكبرى في فلسطين عام 1936، أصدرت الحكومة البريطانية تشريعاً ظالماً يجعل التحريض على الثورة جريمة عقابها السجن، ما اضطر عدداً من الكتّاب والشعراء إلى الهجرة من فلسطين بعد الثورة طلباً لحرية الكلمة، وهرباً من ظلم الاحتلال الذي جعلهم أهدافه المفضلة.

الشعراء الشهداء

شهدت فلسطين في فترة الجهاد والثورة قبيل النكبة عدداً من الشعراء المميزين كإبراهيم طوقان وأبي سلمى وغيرهم.. كما أنها شهدت قافلة عظيمة من المجاهدين الشهداء، إلا أنها لم تشهد شخصاً جمع الاثنين معاً غير الشاعر عبد الرحيم محمود (ومثله في الشعر الشعبي الزجال نوح إبراهيم استشهد أيضاً). كما أن التاريخ العربي ـ فيما أعلم ـ لم يشهد شاعراً شيّع نفسه، فقال بعد إصابته قبيل استشهاده في معركة الشجرة عام 1948، حين وجده رفاقه مصاباً في مثل هذه الأيام (13 تموز/ يوليو)..
 
احملوني احملونــي
واحذروا أن تتركوني
وخذوني لا تخافـــوا
وإذا متُّ ادفنونــــي

حياته

وُلد الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود في قرية عنبتا عام 1913، وكان والده الشيخ عبد الحليم محمود يقرض الشعر ويتذوق (راجع مقالنا عنه في هذه السلسلة)، فأحاطه بالرعاية عند ظهور بوادر نبوغه الشعري، وتلقى تعليمه الابتدائي في قريته، وتعليمه التكميلي في طولكرم. أما المرحلة الثانوية، فقد انتقل ليُتمّها في نابلس، في مدرسة النجاح الوطنية حيث تتلمذ على يد الشاعر إبراهيم طوقان، وأنهى دراسته الثانوية عام 1933، ولعل الشاعر طوقان كان يقصدُهُ حين كتب في مذكراته أن بعض تلاميذه النجباء بدأوا ينظمون الشعر على يديه.

ولما تخرج من المدرسة، اختارته إدارتها ليدرّس فيها الأدبَ العربي، حيث ظل يدرّس فيها حتى اشتعلت الثورة الكبرى عام 1936، فأخذ يُسهم فيها بالكلمة والبندقية واستقال من عمله وانخرط في كتائب الجهاد تحت قيادة القائد عبد الرحيم الحاج محمد، واستهان بالمخاطر ولم يظفر بالشهادة في تلك الثورة.

ونظراً لدوره الجهادي، فهو صاحب القصائد التي ألهبت حماس الجماهير وأصبحت أناشيد طلاب المدارس، طاردته قوات الاحتلال البريطاني مطاردة عنيفة. وأشهر الأناشيد التي رددها الشعب كانت قصيدة "الشهيد" الشهيرة التي لم يسبقها في شهرتها العربية من قصائد شعراء فلسطين إلا قصيدة "موطني" لطوقان.

في العراق

كغيره من مجاهدي فلسطين، لم يرُقْ له البقاء فيها، بعدما توقفت الثورة عام 1939، وفي الوقت نفسه لم يتوقف الاحتلال البريطاني عن مطاردته، فتوجّه إلى العراق حيث عمل بالتدريس، ولكنه لم ينسَ فلسطين والجهاد، فأخباره التي كان يرسلها مع قصائده إلى فلسطين تُفيد بأنه التحق بالكلية العسكرية وتخرج منها برتبة ملازم، وأنه أسهم في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد البريطانيين، وكانت له جولات في مجال الأدب مع شعراء العراق الأعلام، كالرصافي والجواهري. أما القصائد التي أرسلها فكانت تزخر بحنينه واشتياقه للوطن، وأشهرها:

تلك أوطاني وهذا رسمها     في سويداء فؤادي محتفر
يتراءى لي على بهجتها    حيثما قلّبتُ في الكون النظر

عودته واستشهاده

عاد الشاعر إلى فلسطين عام 1941، وأطلق أجمل قصائده فيها حتى استشهاده عام 1948، فحين صدر قرار التقسيم عام 1947، وقامت الحرب سافر بعد أقل شهرين إلى بيروت ومنها إلى دمشق، حيث تدرّب في معسكر قطنة، والتحق بجيش الإنقاذ في فوج حطين، وشارك في معركة "بيار عدس"، كما شارك في معركة "رأس العين". وشارك في القتال حول مدينة الرملة وفي قطاع الناصرة، وكان قد رُقّي إلى رتبة ملازم أول. وكان مساعداً لآمر الفوج المسؤول عن الناصرة. وانطلق إلى المعارك التي دارت حول قرية الشجرة مع المستعمرات اليهودية المحيطة التي اشتدّت حتى ناهز عدد الإصابات الألف. في ساحة المعركة التي نشبت في 13 تموز 1948 أصيب الشاعر برصاصة أدّت إلى استشهاده، وقال أبياته الواردة في بداية هذا المقال، وظل يتمتم بها حتى فاضت روحه. ودُفن الشهيد في الناصرة التي لم تكن قد سقطت بعد، تاركاً زوجته وأولاده: الطيب وطلال ورقية.

شعره الإسلامي

أبدع عبد الرحيم محمود في قصائده الوطنية والاجتماعية والإنسانية والوجدانية الذاتية. وكانت القصائد الوطنية هي الأكثر بين قصائده بالمقارنة مع الموضوعات الأخرى، وربما كان مردّ هذا يعود إلى النشر (حيث لم تلتفت الصحف كثيراً في تلك الأيام إلى القصائد العاطفية)، إلا أنه لا يستطيع مُنصفٌ أن ينكر أن الشاعر تفوق في مستوى قصائده الوطنية حتى على نفسه.. ولا أعني بالشعر الإسلامي الشعر المتخصص بالديني فقط، بل كل ما تأثر بالإسلام. وقد كانت المؤثرات الإسلامية حول الشاعر كثيرة منذ والده الشيخ حتى آخر أيامه. غير أن أكثر المؤثرات الإسلامية في حياة الشاعر كانت خروج الشيخ عز الدين القسام وإعلان ثورته ثم استشهاده. وقد دعته حادثة استشهاد القسام إلى الاعتكاف على دراسة القرآن الكريم. ليظهر تأثره بألفاظ القرآن واضحاً في شعره، كما في قصيدته الشهيرة "البطل الشهيد":

كل قلب لك فيه مصحــــــــــف
فيه من ذكرك قرآن الخلــــــود
سورٌ قد فُصّلت آيــــــــــــــاتها
لم تزل تتلى على الدهر الأبيد

وكانت غيرته على الإسلام والوطن كبيرة، في قصيدته "نجم السعود" يشهد له أكثر من شهادة، حيث أنه لم يلهُ باستقبال الأمير سعود عن قضيته الكبيرة. أما الشهادة الثانية فكانت بالتنبؤ، غير أنها كانت استقراء لما يحدث.

وأطلق في قصيدته "نجم السعود" عام 1935 بيتين شهيرين:


يا ذا الأميرُ أمام عينِك شاعرٌ      ضُمَّتْ على الشكوى المريرةِ أضلعُهْ
المسجدُ الأقصى أجئتَ تزورُهُ     أم جئتَ من قبلِ الضّياعِ تودعُــــــهْ

قصيدة الشهيد

مَن يتابع الأناشيد التي رافقت الانتفاضة الفلسطينية، لا بد أن يكون قد سمع بهذه القصيدة التي أنشدتها فرقة "الرابطة" الفلسطينية في الكويت قبيل الانتفاضة الأولى عام 1987، ثم دمجها الفنان الفلسطيني أيمن الحلاق من الأردن بقصيدة "فتنت روحي يا شهيد" للإعلامي الراحل ماهر عبد الله، لتخرج أنشودة من روائع الإنشاد الفلسطيني.. وكما ذَكَرنا، سارت هذه القصيدة في الآفاق، وأصبحت نشيد المجاهدين.

ونختتم المقال عن عبد الرحيم محمود بمقطع من هذه القصيدة:

سأحملُ روحي على راحتي          وأمضي في مهاوي الرَّدى
فإما حياةٌ تَسرُّ الصديق                  وإما مماتٌ يُغيظ العِــــــــدا
ونفسُ الشريفِ لها غايتان              وُرودُ المنايا ونَيلُ المنــــى
لعمرُكَ إني أرى مصرعي               ولكنْ أَغذُّ إليهِ الخُطــــــى
أرى مَقتلي دونَ حَقّي السّليب      ودونَ بِلادي هو المُبتغــى
بقلبي سَأرمي وُجوهَ العُداةِ           فقَلبي حَديدٌ وناري لظــى
وأحمي حياضي بِحدِّ الحُسام         فَيعلَمَ قومي بأني الفتـى

 

 


* كاتب وشاعر فلسطيني


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا