آخر الأخبار

قيادي إسلامي تونسي: هكذا نجح مشروع بورقيبة التحديثي

تونس ـ عربي21 ـ من كمال بن يونس الجمعة، 16 يوليو 2021 10:38 ص بتوقيت غرينتش

يعدّ المفكر والبرلماني التونسي العجمي الوريمي نائب رئيس حركة النهضة المكلف بـ "الفضاء الاستراتيجي"، من أبرز الرموز الفكرية والسياسية والنقابية الإسلامية منذ دخوله للجامعة طالبا في  الفلسفة عام 1981، قبل أن يصبح ضمن قيادات "الجيل الثاني" لحركة الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية، ثم من مؤسسي نقابة "الاتحاد العام التونسي للطلبة".
 
اشتهر الوريمي باسم "هيثم"، وعرف بمشاغله الفكرية والثقافية وبانفتاحه وتواصله مع خصومه فكريا وسياسيا وطنيا وداخل حركته، فيما يعيب عليه بعض معارضيه داخل "النهضة" دفاعه المستميت عن زعمائها التاريخيين بقيادة راشد الغنوشي، وعن دعواتهم "للتوافق والشراكة بين الإسلاميين الديمقراطيين والعلمانيين المعتدلين".

درس الوريمي الفلسفة في جامعات تونس والمغرب، وخاض تجارب ثقافية وإعلامية وحوكم مع قيادة النهضة أمام المحكمة العسكرية مطلع التسعينيات، وتعرض لأبشع أنواع التعذيب. لكنه اختار بعد ثورة 2011 ألا يتحمل أي مسؤولية حكومية، واكتفى بعضوية البرلمان مؤقتا والعودة إلى البحث العلمي والفلسفي، والمشاركة في الحياة الثقافية ومحاولة دعم اهتمام النخب التونسية والعربية بالحوار الفكري وترشيد الفكر السياسي والخطاب الإعلامي.

الأكاديمي والإعلامي كمال بن يونس التقى العجمي الوريمي، وأجرى معه حديثا حصريا لـ "عربي 21" حول قراءته للحراك الفكري في الدول العربية وتونس، في علاقة بالمراجعات داخل التيارات الإصلاحية والراديكالية الحداثية واليسارية والإسلامية والعروبية، في سياق "التداخل" بين الفكري والسياسي لدى رواد حركات التحرر وبناة الدولة الوطنية.

 

                    كمال بن يونس والعجمي الوريمي

وفيما يلي الجزء الأول من نص الحوار:


س ـ كيف تفسر فكريا توتر علاقات الرموز الفكرية للأطراف السياسية العربية بعد 11 عاما من "الثورات العربية"؟ لماذا عاد الاصطفاف السياسي ـ الأيديولوجي والصراع العنيف بين رفاق الأمس، تحت يافطات فكرية وإيديولوجية، بما في ذلك داخل التيارات والأطراف التي نشأت موحدة، وتحالفت طوال عقود سياسيا حول شعارات التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والحريات و"النهضة الفكرية الثقافية الشاملة"؟

 

وكيف نفسر التنافر والصراعات التي استفحلت منذ أعوام داخل"تيار الهوية الوطنية" بمكوناته الإصلاحية الليبرالية والعروبية الإسلامية واليسارية"، وهو الذي نشأ موحدا ونجح في قيادة الكفاح ضد الاحتلال الأجنبي، وبدء مشوار بناء الدولة الوطنية الحديثة؟

 ـ بالفعل نشأ تيار الهوية موحدا في مراحل الحركة الإصلاحية والكفاح ضد المستعمر: عدم الفصل بين العروبة والإسلام وتقديم قراءة تقدمية للإسلام، واعتبار الإسلام دينا وحضارة ركيزة للهوية، والتنويه بأمجاد الحضارة العربية الإسلامية العريقة ورموزها، واعتبارها بعدا مهما في محاورة ثقافة الغرب والرد على أدبيات المستعمر ومرجعياته الفكرية.

في الوقت نفسه، كان هناك وعي بالفجوة التاريخية بين واقع المسلمين وواقع المجتمعات والدول الأوروبية. وكان الأمل كبيرا في ردم هذه الفجوة عبر تعميم التعليم وتطويره وتحديث المجتمع والمؤسسات السياسية للدولة الوطنية المستقلة في البلدان العربية الإسلامية.

ردة فعل النخب الإصلاحية العربية على الفجوة بين واقع العرب والغرب الاستعماري كانت واعية ومنفتحة، ولم يحكمها منطق رفض الآخر والانطواء.

بل حصل العكس، فبرزت مدارس فكرية منفتحة عليه مع دعوات للإصلاح الفكري والثقافي والتربوي والمجتمعي والاقتصادي.

لكن الواقع الاستعماري كشف للنخب، أو لبعضها، أن واقع التخلف في البلاد العربية يستوجب عقودا من الإصلاح والجهود وربما "دورة حضارية كاملة"، أي عقودا متعاقبة من النضال والمثابرة، ومراجعات نقدية عميقة.

العوامل الذاتية.. و"التراث"

س ـ في هذا السياق، أدركت النخب العربية أو تيار منها أن أسباب التخلف والتبعية ليست خارجية فقط، وأن العوامل الذاتية مهمة جدا، ومن بينها الهوة مع واقع التعليم والبحث العلمي وبين مستوى جامعات أوروبا والعالم العربي الإسلامي ونخبها معرفيا وفلسفيا وثقافيا.


 ـ فعلا، فقد أدركت النخبة التحديثية العربية التي احتكت بالغرب فكريا وثقافيا وسياسيا ومجتمعيا، أن من بين أسباب تخلف مجتمعاتنا وشعوبنا عوامل ذاتية، بما فيها الهوة بين الثقافات والبون الكبير في التقدم العلمي والفكري، وفي استيعاب المستجدات والتناقضات الجديدة.

فهم تيار من هذه النخب أن "الموروث الثقافي" يفسر جانبا من التخلف، واقتنع أن المصلحة قد تقتضي "ربح الوقت واختصار المسافات" عبر تبني علوم الآخر وثقافته وفكره ومرجعياته الفلسفية، وطرح تساؤلات أكثر جرأة وعمقا.

 لذلك، فإن مقاربة النخب التحديثية أو "التغريبية" كانت تقوم على استيعاب ثقافة الغرب المتقدم وفكره ومنهجه، رغم دعوات قطاع عريض إلى التمسك بالهوية والخصوصيات الثقافية بهدف التعبئة الوطنية والسياسية والحزبية والانتخابية.

آمن تيار كبير من الوطنيين العرب مبكرا بضرورة الدعوة إلى فهم العقل الغربي من الداخل واستخدام منهجه، والتحاور معه بآلياته بما يضمن "الندية" و"الشراكة" دون التورط في "معارك غير متكافئة".

سيطرت البراغماتية على منطق النخب التحديثية، مثلما لمسناه في أدبيات حركات الشباب والتجديد في تونس منذ موفى القرن 19 ومطلع القرن 20، على غرار محمد وعلي باش حانبة والبشير صفر وعبد العزيز الثعالبي ورفاقهم، ثم الحبيب بورقية ومحمود الماطري ورفاقهما.

وبرزت الظاهرة نفسها بين زعماء تيار الإصلاح والحركات الوطنية في المشرق العربي، وخاصة في مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين.

آمنوا جميعا بهذا المنهج رغم إعلانهم نوعا من التميز عن ثقافة الغرب، وكانوا بذلك يرشحون أنفسهم ليتصدروا المشهد ويقودوا مجتمعاتهم بصفتهم تحديثيين متمسكين بالهوية الوطنية لشعوبهم.

تقاطع.. ثم تناقضات 

س ـ لكن سرعان ما برزت تناقضات داخل هذه النخب والزعامات


 ـ صحيح برز مبكرا التمايز عربيا وفي البلدان المغاربية وبينها تونس بين "الإصلاحيين" المتمسكين بورقة الهوية الثقافية و"البراغماتيين"، الذين رفعوا الورقة نفسها، لكنهم رجحوا منهج الانفتاح والبراغماتية.

في هذا السياق، يمكن أن نفسر بعض الخلافات التي برزت قبل الاستقلال بين منهج الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه الذين كانوا وطنيين وإصلاحيين يسعون إلى المصالحة مع فرنسا وثقافتها وفكرها، وخصومهم بزعامة الحبيب بورقيبة ورفاقه الذين كانوا أكثر "راديكالية" سياسيا، لكنهم كانوا أكثر براغماتية وجرأة في فتح ملفات "الموروث" الثقافي والفكري والمجتمعي العربي الإسلامي.

وتطور التمايز والخلاف إلى حد الاستعداد في الدخول في صراع مع المنافس داخل التيار الوطني ومواجهة الخصم الفكري والسياسي بالعنف، مثلما تكشفه بعض المواجهات التي وقعت بين زعامات "زيتونية" (من خريجي جامعة الزيتونة) وأخرى "مدرسية" (من خريجي "المدارس العصرية" الفرنسية أو التونسية الفرنسية).

وانتصر في بعض البلدان مثل تونس مشروع قريب من مشروع "الجمهورية الفرنسية" في فرض أولوية تعميم التعليم والترويج لثقافة حداثية غربية، مع العمل على تزعم مشروع "ثورة اجتماعية" من بين أولوياتها تحرير مضمون برامج التعليم وتحرير المرأة والأسرة، وتعميق التمايز وتجذير الخلاف مع النخبة الوطنية الإصلاحية التجديدية من الداخل.

كان التياران ينشدان الإصلاح الثقافي والتربوي وترضية الطرف الآخر (الفرنسي البريطاني الغربي). لكن الاختلاف برز في التفاصيل، وفي درجة إعلان الولاء للهوية العربية الإسلامية، ثم درجة القبول ببعض المناهج الفلسلفية الأوروبية الحديثة.

الثعالبي نفسه، كان يريد أن يبرز منفتحا وأن يسترضي فرنسا وأن يكون رمزا لحاملي التجديد والتحرر. فزايد عليه الطرف المنافس له بزعامة بورقيبة ـ الماطري ـ صالح بن يوسف وتقدم خطوات فكرية وسياسية نحو "الآخر" (الغرب وفرنسا)، لم يكن واردا أن تغامر بتبنيها الرموز الإصلاحية الزيتونية مثل الثعالبي ومحمد الطاهر محمد الفاضل بن عاشور والمختار بن محمود وتلامذتهم، رغم دورهم في الحركة الوطنية السياسية والثقافية وفي الحركة النقابية الاجتماعية.

برز خلاف عند مخاطبة المستعمر بين من يخاطبه بلغته ومن يخاطبه بمرجعيات ثقافية وفكرية مغايرة. زعماء التيار التحديثي أو "التغريبي" خاطبوا سلطات الحماية ببنود الاتفاقية، ثم رفعوا سقف المطالب السياسية والدعوة إلى وضع سياسي جديد، فيه تغيير راديكالي وطني ودولي، مع الدعوة إلى طي صفحة الماضي والاستعداد لشراكة مع المستعمر السابق في صورة إعلان الاستقلال.

في هذا السياق، نجح بورقيبة وفريقه في تجنب الوقوع في فخ الاحتواء من قبل الآخر الاستعماري، ورفعوا مطالب وطنية أكثر وضوحا من تلك التي رفعها التيار الإصلاحي الزيتوني والليبيرالي. 

وفي مرحلة بناء الدولة الوطنية، لعب قادة هذا الجناح من النخبة ورقة التحديث واتهموا منافسيهم وخصومهم بالعجز عن التحرر من الموروث الفكري الديني المحافظ، الذي اتهموه بالرجعية والتخلف بما في ذلك فيما يهم الموقف من حرية المرأة وحقوقها.

ونجع بورقيبة بسرعة في الانتصار على المشروع "المحافظ" الذي يرمز له "الزيتونيون" مثل الطاهر والفاضل بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي والنيفر وجعيط وتلامذتهما والتيار الديني، ودعوا إلى التحرر من النصوص الدينية والفهم السائد القديم لها.

في المقابل، دعا خطاب بورقيبة ورفاقه إلى فهم مقاصد الإسلام والتشريع الإسلامي التي اعتبر أنها تؤدي إلى تبني نظم ومفاهيم ومؤسسات سياسية تحديثية غربية.

بورقيبة ورفاقه، درسوا القانون الغربي والنظم السياسية في الجامعات الفرنسية والغربية، ولم يكتفوا بدراسة القوانين والدساتير، بل استوعبوا خلفيتها الثقافية والفكرية والمنهجية التي حكمت واضعيها. ونجحوا عبر سياساتهم التربوية والثقافية في إبراز نخبة جديدة تحديثية، أعلن تيار منها "القطيعة" مع التراث العربي الإسلامي، أو دخل في صدام معها بحجة مكافحة التخلف والرهان على تحقيق التقدم والنمو.

بورقيبة.. ومرحلة ما بعد الأديان

س ـ هناك من يعتبر أن نقطة قوة فريق الحبيب بورقيبة ونقطة ضعفه في الوقت نفسه، أن قيادة الدولة الوطنية أعلنت القطيعة مع الفكر العربي الإسلامي السائد و"التراث المشرقي"، بما في ذلك فيما يتعلق بالموقف من الهوية الدينية والأديان والمقدسات، رغم إعلان بورقيبة مرارا عن اختلافه مع منهج مصطفى كمال أتاتورك وأنصاره.


 ـ أستاذنا المفكر والباحث الكبير عبد الوهاب بوحديبة، يعتبر في كتاباته وفي دروسه الجامعية أن بورقيبة تبنى أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي "أوغست كونت" ومدرسته الوضعية الاجتماعية والواقعية. بورقيبة تأثر بنظرية المراحل الثلاث التي بلورها أوغست كونت، التي تؤمن بتعاقب المراحل وأن البشرية مرت من "المرحلة اللاهوتية" إلى "المرحلة الميتافيزيقية" ثم إلى "المرحلة العلمية". والأهم أن كونت يعتبر أن كل مرحلة تقطع مع المرحلة السابقة وتتجاوزها.

وبحكم معرفة بورقيبة للنخبة، تجنب مواجهة الشعب التونسي ومعتقداته، لكنه فتح مواجهة مع النخب الإصلاحية العربية والإسلامية التي كان يعتبرها محافظة وتقليدية ورجعية، دون مس من عقيدة الشعب. وبعد الاستقلال ووصوله إلى الحكم، تبنى استراتيجية تعتمد على تغيير المجتمع وأفكاره وتوجهات نخبه عبر مؤسسات الدولة والحزب الحاكم تجاه التحديث.

اليسار التونسي والعربي 

س ـ في عدد من الدول العربية، بينها تونس، أدى مثقفون وسياسيون من مدارس يسارية ماركسية، شيوعية واشتراكية أو قومية عربية دورا كبيرا في توجيه سياسات الحكومات والأحزاب الحاكمة ومنظمات المجتمع المدني، رغم الصراعات التي خاضتها مجموعات يسارية في الجامعات والنقابات ضد السلطات.


كيف تقيم تطور علاقة النخب اليسارية بالنخب الحاكمة عربيا وفي تونس؟ وما صحة ما روجه البعض عن "دور وظيفي" قامت به نخب يسارية أو إسلامية أو عروبية لصالح الأنظمة القمعية وأجهزتها الدعائية أو الأمنية بسبب التقائها في مسار إقصاء خصمها الأيديولوجي؟

 
 ـ النخب اليسارية الماركسية والقومية التونسية لم تفرز مفكرين ورموزا فكرية في الستينيات والسبعينيات، وأغلب كتب المفكرين الماركسيين والقوميين وقع تأليفها غالبا بعد خروج كتابها من حركاتهم السياسية ومن السجون، وتفرغهم للبحث العلمي والجامعي.

لم تفرز التيارات الماركسية والشيوعية والقومية التونسية مفكرين كبارا وكانت محدودة العدد إذا ما استثنينا مجموعة "العامل التونسي" الماوية، المتأثرة بمواقف ماو تسي تونغ، التي حوكم مئات من نشطائها في السبعينيات، بعد سلسلة محاكمات مجموعات "آفاق". 

كانت نشأة هذه المجموعات رد فعل يساري على سياسات بورقيبة وحكومات الدولة الوطنية، لكنها كانت في الوقت نفسه ردة فعل "مأزومة" في علاقتها بالهوية، وعجزت عن الجمع بين برنامجها الاجتماعي وهوية المجتمع، وظلت أسيرة تقلبات مواقف كبار المسؤولين والرموز في الحركة الشيوعية العالمية.

ساهم القمع البوليسي للحركة الطلابية والنقابية وللمعارضة بألوانها، في أن كانت النخب السياسية اليسارية الماركسية والبعثية "تابعة" للكتاب والسياسيين اليساريين في العالم وفي المشرق العربي مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا. بل إن أكثر الذين كتبوا من اليساريين الماركسيين كانوا أساسا جامعيين وليسوا مفكرين أو مثقفين.

بعض أساتذة الجامعة وأغلبهم من بين المؤرخين، مثل الهادي التيمومي، حاولوا أن يقدموا مرجعيات فكرية لأقصى اليسار التونسي عبر كتابات غلبت عليها الأيديولوجيا وإعادة الشعارات الأيديولوجية "التقليدية" التي روجها ماركسيون قدامي في العالم قبل مراجعات ما بين الحربين العالميتين وبعدها، بما في ذلك الدعوة إلى إقصاء التراث والمقدسات والأديان نهائيا.

في المقابل، أفرز اليسار التونسي مفكرين ومثقفين جامعيين معتدلين وأكاديميين، مثل المؤرخين علي المحجوبي ومصطفى كريم، ممن التزموا بالمنهجية العلمية وأنصفوا كل التيارات الوطنية بما في ذلك التيار الإصلاحي الوطني العربي الإسلامي بزعامة رواد جامعة الزيتونية والمدرسة الصادقية مثلا.

الأممية الاشتراكية؟

س ـ لكن بعض رموز اليسار التونسي والمغاربي والعربي طور مواقفه وأفكاره في علاقة بالجدل أو الحوارات التي عرفتها مؤتمرات الحركات الاشتراكية والشيوعية العالمية؟


 ـ فعلا.. التطور الفكري لليسار التونسي والعربي كان أساسا تابعا للصراعات بين الأمميات الشيوعية والخلافات بين موسكو وبكين. وهنا برز تناقض بين تيار سياسي تختزل ثقافته في كتاب "التناقض"  للزعيم الصيني ماو تسوتونغ، وهو عبارة عن خطاب من 50 صفحة ألقاه الزعيم الصيني، قدم فيه رؤية جديدة للاشتراكية والشيوعية تختلف عن الماركسية اللينية السوفييتية.

كما لاحظنا، أن أدبيات بعض اليساريين العرب والتونسيين ظلت أسيرة مقولات وردت في "البيان الشيوعي" الشهير، وبعض كتابات لينين عن خلافات الحركة الشيوعية العالمية.

وعموما، لم يسفر انخراط المثقفين والمناضلين اليساريين التونسيين والعرب في تلك الخلافات السياسية بين موسكو وبكين والأحزاب الشيوعية العالمية إبداعا فكريا وطنيا، بل عمق تمزق التجارب الحزبية اليسارية والتنظيمات التي عانت من قمع السلطات خاصة في الستينيات والسبعينيات.

في المقابل، برزت في بلدان عربية أخرى مثل المغرب والجزائر ومصر وفلسطين ولبنان وسوريا والسودان قامات فكرية من حجم عبد الله العروي وسمير أمين والطيب التيزيني وياسين الحافظ.

إجمالا، يمكن أن نسجل أن الفكر السياسي نفسه داخل الحركة اليسارية التونسية كان غالبا يتأثر بمتغيرات الحركة الشيوعية العالمية، وما تنتجه شخصيات وأطراف سياسية فلسطينية وعربية أو أحزاب يسارية فرنسية أو أوروبية. 

لذلك، كانت أغلب صراعات القوى اليسارية التونسية والعربية حول قضايا مستوردة لا تشغل الرأي العام الوطني، ولم تطور قراءاتها للنظام السياسي والمجتمع و"طبيعة المجتمع. كانت أدبياتها منذ موفى الستينيات إلى نهاية القرن، حول خلافات التروتسكيين والماويين وحول "الأممية الرابعة"، وقضايا هامشية أخرى مستوردة.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا