عـاجل
آخر الأخبار

"أبو العُريف" ودعوى "الهري".. المواطنة من جديد (60)

سيف الدين عبد الفتاح الثلاثاء، 20 يوليو 2021 01:23 ص بتوقيت غرينتش

ذكّرني ابني بمقالة سابقة كنت قد كتبتها حول كيفية ممارسة المستبد للأمر في حال الأزمة، وكانت بعنوان "أبو العُريف: لا يزال العرض مستمراً"؛ أشرت فيها لنموذج "أبو العُريف" الذي يشكل حالة من الاستخفاف الشديد والتخريب باسم الحكمة والمعرفة في إطار الاستبداد.

تشير القصة التي تحكى في المخيال الشعبي إلى أن شخصا في قرية أسماه أهلها "أبو العُريف"، كلما واجهوا عقدة أو مشكلة فزعوا إليه، وكان يصر على أن ينقلوه إلى مكان الحدث إن كانت المشكلة مادية ليعاينها على الطبيعة، يحكي له الخلق، يفصّلون الأمر، وهو يشير لهم وعليهم أن المشكلة يسيرة، يحلها بإصبع قدمه، وما يلبث إلا وقد اقترح لهم حلا، تفتق ذهنه عنه وطالب الجميع بالعمل على تنفيذه قبل فوات الأوان، والشروع في تنفيذ ما يملى عليهم وما يأمرهم به، من غير أن يعقبوا عليه أو يسألوه.

وفي ذات مرة عطشت إحدى البقرات، فدفعت باب إحدى الدُوْر، وهجمت من عطشها على "زير" أدخلت فيه رأسها لتشرب، فحُشر رأسها، فكانت الواقعة، فما كان ممن شهد الحادثة إلا المطالبة بالفزع إلى "أبو العُريف" ودعوته على جناح السرعة قبل تفاقم المشكلة بما لا تحمد عقباه، إنه أبو العُريف يعرف لكل مشكلة حلها، ويعرف لكل معضلة اقتراحا وعملا، ومن تقديرهم الكاذب له، كانوا يحملونه على هودج في موكب.

وما إن وصل إلى مكان الحدث حتى هلل الناس واصطفوا يخلون الطريق لموكب "أبو العُريف الهمام"، وحيث إن موكبه عريض لا يسعه باب الدار، أمر بهدم واجهة الدار ودخل بموكبه، ثم بدأ عملية الإنقاذ في مذهبه، فطالبهم بذبح البقرة ذات الرأس المحشورة، فقالوا إن الرأس لا زالت في الزير، فأمرهم بكسر الزير حتى يخرج رأس البقرة، ومن هوانهم واستخفافه بهم جلس أبو العُريف في زاوية بعد أن نزل من هودجه المحمول يبكي، فعجب الجميع لذلك، خاصة أنه في عرفهم قد قام بـ"حل المشكلة"، فبادرهم بالجواب: "إن بكائي عن حالكم إن اختفيت، كيف ستتصرفون؟ ماذا ستفعلون من بعدي وبعد مماتي؟ وماذا سيكون حالكم؟".

عبر خطاب السيسي في استاد القاهرة عن مدى استخفافه بالشعب وبالأمن القومي لمصر من خلال تأكيده على عدة أمور


تذكرت كل ذلك في ذلك الاستدعاء الذي رافق خطابا للسيسي في استاد القاهرة بتاريخ 15 تموز/ يوليو الجاري حول مسألة سد النهضة، ولعل هذه القصة الرمزية التي أشرنا إليها لا تختلف كثيرا عما فعله السيسي في قضية سد النهضة، فهي تكشف عما يمكن أن يصيب مصر من جراء هذا الملء الثاني - الذي نفذته إثيوبيا بخصوص سدها الذي أقامته على منابع النيل - من جفاف وعطش ومن تهديد للأمن المصري، وما يترتب على ذلك من أخطار جسام وكوارث مستقبلية لا يمكن لأحد أن ينكرها مع قلة الحصة المائية المصرية عما اعتادت عليه، وتبين كيف سيتصرف "أبو العُريف"/ السيسي في هذا الأمر.

عبر خطاب السيسي في استاد القاهرة عن مدى استخفافه بالشعب وبالأمن القومي لمصر من خلال تأكيده على عدة أمور على النحو؛ جاءت المقولة الأولى أنه لم يفعل أي شيء إلا بتخطيط عميق وعمل مسبق. وفي حقيقة الأمر لا تستطيع تصديق هذا الرجل الذي كان دائما ما يفتخر بأنه لا يهتم بدراسات الجدوى عند قيامه بمشاريعه؛ وهو القائل إنه لو اهتم بدراسات الجدوى ما أنجز شيئا من تلك المشاريع، وهو ما يؤكد أن سياسة هذا النظام الفاشل في معالجة ملف السد الإثيوبي والتي اتخذت من المفاوضات وسيلة وغاية؛ أدت في النهاية إلى فرض إثيوبيا سياسة الأمر الواقع باستكمال ملء السد، في الوقت الذي واصلت فيه جوقة إعلامه الاحتفال بنجاح السياسة المصرية رغم مسؤولية نظام السيسي الواضحة عما وصل إليه الأمر من خلال اتفاق المبادئ في آذار/ مارس 2015، والذي شرعن لبناء السد وملئه، وهو ما استندت إثيوبيا إليه وقد قبض ثمن ذلك في إطار شرعنة نظامه داخل الاتحاد الأفريقي بعد انقلابه في الثالث من تموز/ يوليو.

أما المقولة الثانية فتخص مقولته للمصريين في ما آل إليه الأمر في السد الإثيوبي وتصاعد لغة الخطاب من هنا وهناك، في إطار مطالبته بضرورة أن يتحلى ببعض المسؤولية ويعلن عن تنحيه لفشله الذريع في معالجة هذا الملف، وهو أمر لم يقابله إلا بالقبض على الكاتب عبد الناصر سلامة باعتباره واحدا ممن أعلنوا ذلك بكل وضوح.

ولم يكن تعليق السيسي على ذلك إلا بمقولته "يا مصريين بلاش هري"، في محاولة للاستخفاف والتقليل من الآراء التي تحمّله المسؤولية عن هذه الأزمة الكبرى والكارثة الوشيكة.

لم يكن تعليق السيسي على ذلك إلا بمقولته "يا مصريين بلاش هري"، في محاولة للاستخفاف والتقليل من الآراء التي تحمّله المسؤولية عن هذه الأزمة الكبرى والكارثة الوشيكة


وواقع الأمر أن تعلق مثل هذه الرؤى المعارضة لمنظومة السيسي وإدارتها بهذا الملف إنما تشكل في حقيقة الأمر كلاما مهما في إسناد المسؤولية وارتباطها بالمساءلة، خاصة في هذه المسألة الوجودية والمصيرية التي تتعلق بمستقبل مصر المائي وأمنها القومي واستمرارها الوجودي، إلا أنه من المؤسف حقا أن يسمي ذلك كله "هري"، وكأن التعبير عن الرأي والرؤية في هذا المقام ليس إلا "هريا" يصف به كل أنواع المعارضة التي تخالفه في مساراته وممارساته وإدارته لهذه الأزمة.

ها هو أبو العُريف ومصدر الحكمة وفيلسوف الأطباء الذي أشار إليه العالم - كما يقول - يجب أن نسمع كلامه، وإن شئت الدقة "هريه"؛ وفي حقيقة الأمر فإن هذا الكلام عن إسناد المسؤولية إليه وضرورة محاسبته على ذلك ورحيله بعد فشله ليس "هريا"، ولكنه رؤية حقيقية تعبر عن الخطر الذي تقع فيه مصر الوطن من جراء متوالية التنازلات والتفريط. فمرة "يهري" و"يهرس" فيقول مبررا تنازله عن تيران وصنافير إنه دائما يستذكر كلام "أمه" حول ألا يأخذ حق غيره، مفرطا في تيران وصنافير لمصلحة الكيان الصهيوني ومتنازلا عن الجزيرتين للسعودية. فكان كلامه التبريري مستندا إلى "أمه" ليس إلا "هريا" وتبريرا لأمر شديد الخطورة، يؤثر على مصر ومزاياها الاستراتيجية التي تتمتع بها في ولايتها على جزيرتي تيران وصنافير.

وكذلك "هريه" حول أن "مصر" قد كلّمته وأسرّت إليه بأمور، فإذا به يتنازل عن مقدراتها ويتنازل عن غازها ويفرط في حدودها المائية، ضمن قرارات انفرادية أدت في النهاية إلى ما يعرف بذلك التنازل الخطير عن مقدرات مصر الغازية، وكذا بيع بعض المشروعات في مصر ضمن سيطرته على كل ممتلكات مصر العامة لصالح صندوقه السيادي، متصرفا في كل ذلك وكأن مصر أصبحت "عزبة خاصة" يبيع ما شاء لمن شاء وكيف شاء. ولا ندري ماذا باع أيضا من مقدرات البلاد في هذا المقام إلا أن يتكشف الأمر عن كارثة كبرى تقترن بمصيبة أخرى، وهي الديون الداخلية والخارجية التي تراكمت أضعافا مضاعفة، فباع ليس مقدرات الوطن فحسب، بل مستقبله، أليس ذلك هريا؟

بينما آبي أحمد يهنئ شعبه بالملء الثاني فإن السيسي يأمر الشعب المصري "بلاش هري". هذا هو تصوره للمواطن حينما يبدي رأيه في مصيره ومستقبل بلاده، وهو في كل كلماته وخطاباته يمارس هذا الهري المستمر وفق دعاوى أبو العُريف، متصوراً نفسه أنه الذي يحول بيننا وبين الانهيار والضياع


كما يخبرنا أخيرا أنه وصل في كلامه مع الله سبحانه وتعالى حول البركة التي أعطاها له. إن حديث المستبد عن "البركة الزائفة" لهو حديث زائف في ظل ما وصلت إليه مصر، صحة وتعليما ومستوى معيشة وغلاء أسعار، وما يمكن تسميتها بعملية الإفقار المتعمد. فأين البركة وقد محقها بكل سلوكياته وأفعاله؟ بل إنه يمحق هذه البركة بسلسلة مجازر يرتكبها وبسلسلة إعدامات يطلقها من خلال أجهزته القضائية ومطاردات أمنية لا تتوقف واعتقالات مستمرة، فإذا أفرج عن خمسة مساجين اعتقل 10 أحرار، ليعبر بذلك عن تلاعب واستخفاف و"هري" يعبر عن فهمه الخاص للبركة، والحديث عن حال العشوائية والفشل التي وصل إليها بصدد ملفات الوطن ومقدراته الأساسية.

فبينما آبي أحمد يهنئ شعبه بالملء الثاني فإن السيسي يأمر الشعب المصري "بلاش هري". هذا هو تصوره للمواطن حينما يبدي رأيه في مصيره ومستقبل بلاده، وهو في كل كلماته وخطاباته يمارس هذا الهري المستمر وفق دعاوى أبو العُريف، متصوراً نفسه أنه الذي يحول بيننا وبين الانهيار والضياع، ويسألنا ماذا كنتم فاعلون لو لم أكن موجودا؟ بعد أن خرب الوطن، وتنازل عن كل مقدراته، وهدد وجوده ومستقبله ومواطني مصر.

بل يذهب أبعد من ذلك في خطابه ويربط نفسه بالجيش بصورة لصيقة، ويقول "سأرحل ومعي الجيش في حال لحق ضرر بمصر".. كيف يستقيم ذلك ولماذا يصر على توريط الجيش أكثر مما ورطه في هذا الأمر؟ وهل رهنه للجيش على هذا النحو في صالح مصر الوطن والكيان والوجود؟ وإن كان سيرحل في وقت الضرر والخطر، فلماذا لا يكتفي بما أصابنا من نظامه ويرحل الآن؟

twitter.com/Saif_abdelfatah

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا