كتاب عربي 21

مجازر المواطنة اللهُ بريء ممن ارتكبها.. المواطنة من جديد (64)

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
يتصف الخطاب من جانب المستبد بقدر من التناقض يمثل جنون العظمة التي تسيطر عليه، خاصة بعد أن مكّن لنفسه ورسّخ طغيانه، وقام بكل عمل من شأنه أن يُثبّت نفسه على كرسي الحكم.

هذا الاختلال إنما يشكل امتهانا لحقيقة الإنسانية والاستخفاف بقتل المواطنة والاستخفاف بحياة المواطن؛ هذا من جانب، ومن جانب آخر يدعي بأنه مسدد من الله، وأنه يحكم بدعم منه سبحانه. وهو بذلك يحاول أن يضفي على أفعاله قداسة حتى لو مارس قتل الناس بشكل يومي كطقس يرتبط بطريقة حكمه؛ رغم النذير بالنهي القاطع عن ذلك إلا بالحق (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).

فالإنسان في بنيان الله؛ ملعون من هدمه، وأن حرمة تلك النفس البشرية لا يمكن لأحد أن يمتري فيها أو يبرر قتلها، لأن هذا واقع في مقام تكريم الله سبحانه لهذا الإنسان خلقا ووجودا؛ كيانا وبنيانا. تذكرت كل ذلك في ما مر بنا من أحداث ومناسبات في شهر آب/ أغسطس الذي حمل تلك المجزرة الكبرى المروعة في "رابعة" في العام 2013، والتي تشكل في حقيقة الأمر "مقتلة المواطن"؛ والتي من بعدها أطلق المستبد في خطاباته كلمات التمسح بالله، رغم ارتكابه تلك المجازر المتكررة والمتعددة والتي ارتبطت برابعة وأخواتها في سابقاتها ولاحقاتها.
الله بريء منه وممن هم على شاكلته، وكل من ساعد أو دعم؛ أقر أو سكت، لأن هذا الجرم الخطير شكّل في واقع الأمر حالة فارقة في مقام وجوهر الإنسانية؛ ذلك الجوهر الإنساني الذي يمثل الركن الركين في قضية المواطنة

الله بريء منه وممن هم على شاكلته، وكل من ساعد أو دعم؛ أقر أو سكت، لأن هذا الجرم الخطير شكّل في واقع الأمر حالة فارقة في مقام وجوهر الإنسانية؛ ذلك الجوهر الإنساني الذي يمثل الركن الركين في قضية المواطنة. وإن إغفال هذا الجانب بأي شكل من الأشكال إن تهاونا أو استخفافا، أو اعتقادا بالعلو والسمو من خلال تفكير عنصري كونه أنه من طينة أخرى غير طينة البشر؛ إنما يعد في حقيقة الأمر إزهاقا لروح الإنسان واستهانة بكرامة المواطن وكيانه وحياته.

ومن فجوات هذا الخطاب الذي يقوم به وعليه المستبد الطاغية؛ أنه لا يترك مناسبة إلا ويذكِّر الناس بقدرته، ومركزية وجوده، وعلو مقامه؛ فهو طبيب الفلاسفة، وحكيم الحكماء، ومرتكز الشرف، ومنبع الصدق، ومصدر الأمانة، وهو في حقيقة أمره على الضد من ذلك؛ فهو الجاهل (أبو العريف) المدعي والدعِي، يخرّب البلاد ويقتّل العباد ويدعي الرحمة، ويكذب ويتحرى الكذب رغم تحدثه المُسرِف عن الشرف والأمانة والصدق؛ هكذا حال المستبد يحرص على أن يُصدّر خطابا يتمسح فيه بالله ويدعي فيه الخُلق، ويزعم أنه هو صاحب العلاقة الخاصة؛ يكلم مصر تارة ويكلم الله تارة أخرى.
من فجوات هذا الخطاب الذي يقوم به وعليه المستبد الطاغية؛ أنه لا يترك مناسبة إلا ويذكِّر الناس بقدرته، ومركزية وجوده، وعلو مقامه؛ فهو طبيب الفلاسفة، وحكيم الحكماء، ومرتكز الشرف، ومنبع الصدق، ومصدر الأمانة، وهو في حقيقة أمره على الضد من ذلك

وهو كذلك في تصريحاته الأخيرة يقدم كلاما من جراب المستبدين، مستدعيا مفردات من العصور الوسطى المظلمة في أوروبا حينما يتحدث عن الحق الإلهي على لسان أصحاب السلطة من ملوك وحكام، مؤكدا أن الله سبحانه وتعالى هو من ولاّه، وأن أحدا لا يستطيع أن يحركه عن مستقر حكمه إلا هو، مذكرا بتلك الآية، وأن أي أحد يحاول أن يزحزحه عن مكانه أو يتحدث عن فشله، وعدم أحقيته بالقيام بقيادة البلاد وإدارة شأن العباد، فإن مشكلته ليست مع هذا المستبد - كما يقول - ولكن مشكلته مع الله، الذي اختاره وأولاه، وأن ذلك في حكم العصيان لمشيئة إلهية أقامته حيث أقره في سلطانه وطغيانه واستبداده.

هذا للأسف الشديد هو مسار خطاب المستبد الذي لا يخطئ، مستحضرا خطاب الجبرية القديم، مبررا للحكام كل أعمالهم في توليهم باسم الله، وفي عملهم باسمه، وفي قتلهم باسمه. وهذا لعمري تطاول على الذات الإلهية، فإن الله لا يريد ظلما بالعباد، أو استخفافا بحياة إنسان، إذ جعلها الله من أعظم الحرمات حتى من حرمة بيته (الكعبة المشرفة).

إنها متوالية المستبد في قضية الألوهية التي من المتوقع من خلال تصاعدها أن يقوم المستبد في خطاب قادم ليس بادعاء السند الإلهي، ولكن بتسويغ ألوهيته هو ذاته كما في الخطاب الفرعوني ("ما علمت لكم من إله غيري"، "أنا ربكم الأعلى") لا يدانيه أحد و"لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون"، وتفرده بالحكمة المطلقة.
إنها متوالية المستبد في قضية الألوهية التي من المتوقع من خلال تصاعدها أن يقوم المستبد في خطاب قادم ليس بادعاء السند الإلهي، ولكن بتسويغ ألوهيته هو ذاته كما في الخطاب الفرعوني

في حقيقة الأمر أن هذا الخطاب بتطوره في متواليته الطغيانية ليشكل حالة فرعونية كاملة، ودورة طغيانية شاملة، لا يعنيه هذا الشعب أو القوم، "مستخفا" بهم (فاستخف قومه فأطاعوه). وأيا ما كان التحليل والتفسير في هذا المقام، فإن هذا الخطاب إنما يشكل أخطر حلقة في ممارسة تتسم بالاستهانة بالقتل؛ سواء تمثل ذلك في أحكام إعدام تصدر بتهم ملفقة، تصدر كأنها شربة ماء، أو اختطاف مؤسستي القضاء والإفتاء لتمرير تلك الأحكام في سياق استراتيجيته في الترويع والتفزيع وصناعة الخوف.

وهو كذلك يقوم بالقتل خارج إطار القانون والتصفية الجسدية ضمن مسلسل من الاختطاف القسري.. يحاول أن يجعل من هؤلاء رصيدا عنده يقتلهم متى شاء وكيف شاء وفي المناسبة التي يختار والوقت الذي يحدده؛ من دون جريرة ارتكبوها. وأبلغ مشاهد في ذلك تتمثل في قضيتي مقتل النائب العام وقضية مقتل الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني"؛ حينما يُدعى زورا أن هؤلاء من قتله أكثر من مرة؛ وهؤلاء المتهمون هم أبعد الناس عن ذلك الجرم، تغطية وتزويرا لجرم أكبر تقوم به الأجهزة الأمنية الباطشة.

وهو كذلك يمارس تلك المجازر التي شاهدنا ونشاهدها، ولعل تلك المجازر المتتابعة وخاصة في أيام السادس عشر والسابع عشر من آب/ أغسطس بعد فض رابعة تؤكد كيف أن هذا المستبد وأجهزته الأمنية قد ولغوا في دماء الناس واستخفوا بها، بعد مجزرة كبرى استشهد فيها ما يزيد عن الألف في رابعة والنهضة.
هكذا المستبد، قد يحاول من كل طريق أن يؤكد أن أفعاله تلك هي عين الأمن القومي للبلاد، وعين الأمان والاستقرار، وهو في حقيقة أمره يريد أن يمرر طغيانه واستبداده من خلال زبانيته وجوقة إعلامه، في محاولة لجعل هؤلاء طبقة مسيطرة

هكذا المستبد، قد يحاول من كل طريق أن يؤكد أن أفعاله تلك هي عين الأمن القومي للبلاد، وعين الأمان والاستقرار، وهو في حقيقة أمره يريد أن يمرر طغيانه واستبداده من خلال زبانيته وجوقة إعلامه، في محاولة لجعل هؤلاء طبقة مسيطرة، وربما يصحبهم معه في منطقته الخضراء المحصنة والتي سماها بـ"العاصمة الإدارية".

نقول للمستبد المنقلب إنه لو آمن حقا بمعنى الآية الكريمة أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، لرأى الأمور في سياقات أخرى، وترك الناس أحرارا، مخليا بينهم وبين خياراتهم، ولكنه أسرف في القتل من دون سقف؛ ويعتقل ويطارد ويخوف، وهذا كل بضاعته في حكم البلاد والعباد. وقد استولى على تلك المؤسسات المختطفة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وكذلك فرّط في مقدرات البلاد ومواردها وشريان حياتها المتمثل في النهر النيل، وتنازل عن تلك المقدرات من ماء وغاز وأرض لا يستنكف ذلك؛ من خلال قرارات فردية وخيارات تقترن بجنون عظمته وادعاء الحكمة، غير متعظ بدروس التاريخ، غافلا عن أن المستبد لا تمنعه حصونه، وأنه حين يأتي وقت التغيير لن يستطيع أن يرد كل ما يقع.

يا هذا لا تتمسح في الله؛ إنه بريء منك ومن أفعالك وظلمك وطغيانك، في قتل العباد وتخريب البلاد. لا نقول ذلك إلا إنقاذا للأوطان والإنسان والمواطنة والمواطن، فالظلم مؤذن بخراب العمران، والظلم منهي عنه في كل حال وفي كل آن. فنحن بين مستبد طاغية ومواطنة مقتولة، وإنسان مستباح، ومؤسسات مختطفة، وألوهية منتحلة.. اختلال يجب أن يزول وظلم وظلام لا يمكن أن يدوم.

twitter.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)