آخر الأخبار

محمود سليم الحوت.. نموذج الفلسطيني المثقف والمعلم

ياسر علي السبت، 21 أغسطس 2021 12:06 م بتوقيت غرينتش

أواصل في هذه المساحة التي تتيحها صحيفة "عربي21" لنا، الحفر في دور المثقفين والمبدعين الفلسطينيين في تشكيل الهوية الفلسطينية في الوعي الجمعي الفلسطيني أولا والعربي والدولي ثانيا.. وأتوقف اليوم عند إسهامات الشاعر الفلسطيني محمود سليم الحوت، في التأريخ لفلسطين ولمعاني الانتماء إليها شعرا ونثرا.

يعيش الشاعر محمود سليم الحوت في الثقافة الأدبية والشعر الوطني لمعظم الفلسطينيين، فمن النادر أن تجد طالباً فلسطينياً لم يدرس في منهاج الصف السادس أو السابع قصيدة "يافا"، التي نشرها في ملحمته الشهيرة "المهزلة العربية"، وهو عبارة عن كتاب من 30 صفحة من الشعر على نفس الوزن لكن في كل صفحة رَوِياً مختلفاً (قافية كما تعارف عليها الناس، ولكن اسمها رويّ في علم العروض).

هي القصيدة التي يقول فيها:


يافا، لقد جفّ دمعى فانتحبتُ دماً    ..  متى أراكِ؟ وهل فى العمر من أمد؟
أُمسي، وأُصبح، والذكرى مجددة    ..   محمولةٌ فى طوايا النفس للأبدِ
كيف الشقيقاتُ؟ واشوقي لها مُدُناً . .  كأنَّها قِطعٌ من جنة الخُلدِ
ما حالُها اليوم يا يافا، وهل نَعَمت  ..  مِن بعدِ أن سُلّمت أمساً يداً بيدِ
وكيفَ مَن قد تَبقّى في مَرابِعِها  ..  وقَد تَركناهُ فيها تَركَ مُلتَحَدِ؟
ما بالُ قلبي إذا ما سِرتُ من بلدٍ  ..    يَصيح مِن وَجدِهِ في الصَّدرِ وا بَلَدي
مَهما استقامَ لَهُ مِن عِيشَةٍ رَغَدٍ  ..  وجدته هازئاً بالعيشةِ الرّغدِ
تعبت لكنني ما زلتُ فى تعبي  ..  أشكو إلى الله لا أشكو إلى أحدِ

 

  

 
يُعدُّ الشاعر الحوت فنياً شاعراً كلاسيكياً اتباعياً، يلتزم الشعر العامودي وزناً ورويّاً في شعره.

ويُعدُّ في التقسيم الزمني لشعراء فلسطين من الشعراء المخضرمين الذين عاصروا النكبة وتردُّداتِها، فتجلّت في شعرهم بالمجازر والدفاع عن الديار ثم فقدانها ومرارات اللجوء والخيانة العربية (سماها الحوت: المهزلة)، ثم الحروب العربية الصهيونية وتفاصيلها (تأميم القناة، مقاومة بورسعيد، الوحدة بين مصر وسورية، هزيمة ال67 والقدس وغيرها).

وينقسم شعراء النكبة جغرافياً بين اللاجئين إلى خارج فلسطين (كالحوت والبحيري والخطيب والعبوشي وأبو سلمى وهارون هاشم رشيد)، والذين بقوا تحت الاحتلال في فلسطين.
 
وصادف أن معظم الشعراء المخضرمين (في النكبة)، كانوا بين الثالوثين اللذين ذكرناهما في المقالة السابقة (طوقان وصاحبيه، ودرويش ورفيقيه)، ولم يكونوا قادة النهضة، ولكنهم كانوا بدون شك الحبل المتين الذي تواصل بينهما وحافظ على المستوى العالي من الشعر الفلسطيني بينهما. 

من هو شاعرنا؟

ولد الشاعر محمود سليم الحوت في مدينة يافا (ساحل فلسطين) عام 1916، وتوفي في بيروت عام 1989.

عاش حياته عاملاً ومعلماً في فلسطين ولبنان والعراق والأردن والكويت والولايات المتحدة الأمريكية.

أنهى تعليمه قبل الجامعي في مدارس مدينة يافا (1933)، ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت ونال البكالوريوس في الأدب العربي عام 1937.

بدأ حياته العملية في مدينة يافا في مجال الأعمال الحرة، ثم انتقل عام 1939 إلى بغداد حيث عمل مدرساً، وفي عام 1940 نال شهادة أستاذ في العلوم من الجامعة الأمريكية عن أطروحته "في طريق الميثولوجيا عند العرب".

ثم عاد إلى فلسطين وعمل مساعداً لمراقب البرامج العربية والنشر في إذاعة القدس، ثم انتقل مفتشاً لمعارف بلدية يافا، ثم مساعداً لمفتش اللواء الجنوبي في فلسطين في الفترة بين 1942 و 1948.

عقب النكبة، سافر إلى العراق فالتحق بسلك التعليم الجامعي في وظيفة أستاذ، وتنقل بين عدة كليات منها كلية بغداد العالية لمدة ثلاث سنوات، ثم عاد بعدها إلى بيروت فعمل بالكلية الاستعدادية بالجامعة الأمريكية.
 
ثم عمل أستاذاً زائراً بجامعة تكساس الأمريكية حيث أنشأ دائرة للدراسات العربية الشرقية فيها، ثم عاد من جديد إلى بيروت محاضراً في علم النفس لطالبات مدرسة التمريض الوطنية، ثم أستاذاً للأدب العربي في كلية المقاصد الخيرية، وفي عام 1963 عين مراقباً عاماً بالإذاعة الكويتية.

كان عضواً في جماعة العروة الوثقى في الجامعة الأمريكية في بيروت. شارك في الحياة الثقافية في لبنان وفي فلسطين حتى قبل نكبة 1948، وكان على صِلات بعدد من كبار الأدباء والمثقفين العرب.

نظم شِعره على الموزون المقفى وتراوح بين الوجدانيات والوطنيات التي جعلها وقفاً على حبّ فلسطين وعرض قضيتها. في وجدانياته ـ حسب معجم البابطين  ـ  نزعة رومانسية وإنسانية تصور اغترابه وإحساسه بالوحشة بعيداً عن الأهل والوطن. لغته سلسة وتراكيبه متينة ومعانيه قريبة..

وكتب المقالة والبحث والشعر ـ حسب موسوعة أعلام فلسطين ـ ونشر نتاجه في الصحف والمجلات العربية بتواقيع متعددة (فلسطيني ـ بحري ـ ربيع ـ نزيل بغداد ـ وبعيد.. وغيرها).

من مؤلفاته الشعرية: "المهزلة العربية" 1951 ـ "ملاحم عربية" 1958 ـ "اللهب الكافر" 1963 ـ "صراخ الأرض". وله مسرحية شعرية بعنوان "الخنجر السحري".

الأعمال الأخرى: له عدد من الترجمات القصصية في فترة الخمسينيات، وقدّم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات المتخصصة منها: "في طريق الميثولوجيا عند العرب" ـ 1955، و"الثورة والأدب" ـ 1963.

نماذج من شعره:

تجلت معظم الموضوعات والقضايا في شعر الحوت (كالشعراء المعاصرين للنكبة)، فيقول محفزاً لأهل يافا للدفاع عن مدينتهم وصد هجمات العدو:

لغةُ النار يا حماةَ المدينةِ بعضُ ما ينطقونَ أو يفهمونَهْ
فابعثوها جهنّماً في ضواحي قلعةٍ لن تكون يوماً سجينة
كلّما اشتدّتِ الضروسُ استعاراً أخلدوا في مذلةٍ للسكينة
تلكَ يافا وهل تبينُ إلا خلفَ سورٍ من الشهابِ أمينة

وعن الوحدة العربية نختار من ديوانه "ملاحم عربية":

إنما العربُ أمّةٌ قد حباها             ..اللهُ نبضاً مقدّساً عبقريّا
في سواد العراق، في مصر والشام  .. وفي المغرب الحبيب قصياً
في ربوع الرياض في كل صَقع    ..مشرقياً أكان أم مغربياً

ولا ينسى الحوت ما فعلته الأنظمة العربية في فلسطين، داعياً في قصيدته إلى تنحّي الحُكّام عن الكراسي:

إن الذين ارتقوا بالشعب وانطلقوا ..إلى ذُرى المجدِ أخلوها ميادينا
أخفقتم في مجال الحكم فانصرفوا ..عن وجهنا، يا حُماةً عبقرينا


وأختم المقال بالنثر الذي افتتح به ديوان "المهزلة العربية":

الإهداء

إلى القائدِ الذي سيستردّ أوّلَ شبرٍ من فلسطين
إلى الكتيبةِ التي ستغرسُ أوّل بندٍ في تربةِ الفردوس المغتصَب
إلى كلّ مَن سيُلبّي النفيرَ العام
إلى الشعب العربي الأكبر
أرفع هذه الأناشيد
بغداد، مايس 1951

 

*كاتب وشاعر فلسطيني


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا