آخر الأخبار

"الكرمل".. جريدة قاومت الصهيونية بإدارة "شيخ الصحافة"

علي سعادة الإثنين، 30 أغسطس 2021 11:50 ص بتوقيت غرينتش

السلطة الرابعة، هكذا تم الاصطلاح على تسمية الصحافة، بالنظر إلى مكانتها في ممارسة دور الرقيب على أداء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.. لكن الصحافة لا تمارس فقط دور الرقيب، وإنما تنحت الرأي العام من جهة، ومن جهة أخرى تسجل معالم هوية المجتمع الذي تنتمي إليه.. وهكذا فإن الصحيفة تعتبر مدخلا من المداخل المساعدة في معرفة قضايا الشعوب ومن ثم هويتها.

ولم تشذ فلسطين عن هذه القاعدة، فقد عرف الفلسطينيون الإعلام مبكرا، ومارسوه ليس فقط في متابعة القضايا اليومية، وإنما أيضا وسيلة في مواجهة الاحتلال بمختلف صنوفه. وضمن هذا الإطار يمكن إدراج صحيفة "الكرمل".

حذرت من خطورة الهجرة الصهيونية على فلسطين في فترة مبكرة من تأسيسها، فقد عرفت جريدة "الكرمل" التي أسسها نجيب نصار في حيفا عام 1908، باهتمامها بالقضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة لصدورها مع التزامها بالدفاع عن عروبة فلسطين، وكشف السماسرة الصهاينة والعرب وقضايا التضييق على الفلاحين لدفعهم إلى بيع أراضيهم، كما اهتمت بقضايا المرأة على نحو خاص فخصصت ملحقا أسبوعيا لقضايا المرأة.

 

                             نجيب نصار "صاحب الكرمل"


ومرت "الكرمل" بعدة مراحل، حيث بدأت أسبوعية ثم نصف أسبوعية تصدر يومي الثلاثاء والجمعة، وأصبحت صحيفة يومية عام 1937.

لم تصطدم الصحيفة في بدايات صدورها مع السلطات العثمانية التي كانت تحكم فلسطين وقت صدور الصحيفة، ودعمت الصحيفة السلطات العثمانية وتقربت منها داعية إلى التآخي بين كل العثمانيين (عرب وأتراك)، لكن بعد شروع قادة "تركيا الفتاة" بقمع واضطهاد العرب والقوميين وتضييق الخناق على الصحافة بدأت "الكرمل" بتوجيه انتقادات لاذعة لسياسة القمع التي انتهجتها السلطات العثمانية وتساهلها مع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

هذا الموقف العدائي المكشوف تسبب في إغلاق "الكرمل"، وكانت أعوام 1913 و1914 الأكثر سخونة، واحتجبت "الكرمل" عن الصدور عام 1913 بعد أن قامت السلطات التركية بملاحقة نصار، مما دفعه للاختفاء عن أعين السلطة متنكرا في بعض مدن فلسطين وقراها وفي شرقي الأردن خوفا من ملاحقة جمال باشا (الجزار) له.

ثم جددت الصحيفة نشاطها في فترة الانتداب البريطاني بين السنوات 1920 و1940. 

واضطر مؤسس الصحيفة إلى تغيير اسمها  إلى "الكرمل الجديد" عام 1934، حيث باتت الصحيفة أكثر عداء ومعارضة للصهيونية وللانتداب البريطاني على فلسطين. ولم تشتد المعارك في الحرب العالمية الثانية حتى واجهت الصحيفة صعوبات مالية ومعوقات أخرى منعتها من مواصلة رسالتها لتتوقف عن الصدور بشكل نهائي عام 1942. 

كان نصار الذي يعد من أقدم الصحافيين في فلسطين ويلقب بـ"شيخ الصحافة" وعمل قبل إصدار "الكرمل" مراسلا لعدة صحف تصدر في البلاد العربية. ومن الأوائل الذين كشفوا مخططات الحركة الصهيونية التي قامت منذ عام 1904 بالهجرة إلى فلسطين وبناء المستوطنات بشكل واسع ووفقا لمخطط كبير.

ولم تقتصر مواقف نصار على فضح مخططات الانجليز والصهاينة، فقد نشط في الحياة الاجتماعية والسياسية في حيفا، فدعا من على صفحات "الكرمل" إلى تأسيس "جمعية النهضة الاقتصادية العربية"، وشارك عام 1918 في تأسيس "الحزب العربي" الذي لم يعمر طويلا.

كما دعا عام 1920 إلى تأسيس مكاتب دعاية عربية في أوروبا لفضح أهداف الصهيونية ومخططاتها وحذر من بيع الأراضي للمستوطنين اليهود، مناديا بالوحدة الوطنية في فلسطين، واشترك مع عدد من المثقفين وأصحاب الصحف في تأسيس جمعيات لمقاومة الصهيونية داخل فلسطين وخارجها.

وشارك في أعمال المؤتمر العربي الفلسطيني الذي عقد في حيفا عام 1920، مفوضا من الجمعية الإسلامية المسيحية في طبريا، وطالب بضرورة إنشاء هيئات عمالية وفلاحية لمواجهة النشاط الصهيوني الاستيطاني. كما شارك في المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع عام 1921، ممثلا عن الجمعية الإسلامية المسيحية في حيفا.

واصل نصار في سنوات الانتداب البريطاني على فلسطين مكافحة الصهيونية على صفحات جريدته، وساهمت زوجته ساذج نصار في تحرير "الكرمل" الأمر الذي انتهى باعتقالها عام 1938 مدة عام بتهمة إمداد الثورة بالسلاح. 

وأوقفت سلطات الانتداب البريطانية "الكرمل" عدة مرات عن الصدور، ثم أغلقتها نهائيا عام 1944 في ظل الأحكام العرفية خلال الحرب العالمية الثانية.

ولم تعد الصحيفة إلى الصدور إلا في فترة متأخرة حيث أُعيد تدشينها كصحيفة إلكترونية عام 2011.


تميز نصار ببعد النظر ونفاذ البصيرة والثبات على الرأي والمبدأ. وكان من رواد الصحافة السياسية في فلسطين، كما أنه كان من أوائل الأوائل الذين درسوا الصهيونية وثابروا على التنبيه إلى خطورتها. وكان نجيب نصار يفتخر بعروبته واتخذ لنفسه اسم "مفلح الغساني" وهو الاسم الذي كان يوقع به بعض كتاباته.

 

  الإعلان الرسمي لمسرحية "صاحب الكرمل" التي تتناول سيرة نجيب نصار مؤسس الصحيفة

وأنتج "المسرح الوطني الفلسطيني ـ الحكواتي"، مسرحية بعنوان "صاحب الكرمل" من تأليف عامر حليحل، إخراج أمير نزار زعبي، إنتاج وتمثيل: خولة إبراهيم، محمد الباشا، إيفان أزازيان، عامر حليحل. تناولت مسيرة نجيب نصار الصحافية والشخصية.

المراجع 

*أحمد خليل العقاد، تاريخ الصحافة في فلسطين، دمشق 1967.
*يوسف خوري، الصحافة العربية في فلسطين 1876- 1948، بيروت 1976.
*وليد خليف، "نجيب نصار: شيخ الصحافة الفلسطينية وصاحب جريدة الكرمل". الناصرة، 1990.
*الموسوعة الفلسطينية، القسم العام. المجلد الرابع. دمشق: إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984.
*عجاج  نويهض. "رجال من فلسطين". بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1981. 
*خيرية قاسمية، نجيب نصار في جريدته الكرمل 1909- 1914: أحد رواد مناهضة الصهيونية، منظمة التحرير الفلسطينية- مركز الأبحاث، 1973.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا