آخر الأخبار

هل يصلح الشعبويون أوصياء على الديمقراطية؟ هتلر نموذجا

محمد حسني الثلاثاء، 31 أغسطس 2021 10:40 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: النازية كعقيدة حقد
المؤلف: مينو تير براك
ترجمة: مصطفى عبد الظاهر
الناشر: دار صفصافة للنشر، القاهرة، 2020.


ـ "هل تظن أن النازية تمثل خطرا حقيقيا على هولندا؟"
ـ "بالطبع لا يا سيدي، النازيون ليسوا سوى حفنة من الحمقى".

يتذكر براك ردّ الدبلوماسي الهولندي، والذي علق في ذهنه، ليعكس كم استخف الكثيرون حتى من المسيسين والمثقفين بالنازية.

في عام 1937، كتب الناقد والكاتب الهولندي مينو تير براك أطروحته "النازية كعقيدة حقد"، التي توصف بأنها "أكثر لوائح الاتهام قسوة للحركة النازية"، ونشرتها "لجنة اليقظة" المناهضة للفاشية. يبلور براك مفاهيم نيتشه وشيلر حول الانفعال، من خلال تطبيقها على الفاشية. 

***

"حفنة من الحمقى؟"، "لكن إلى أي مدى تبلغ قوة هذه الحفنة؟ هل يمكن ألا تكون حفنة بل جيشا؟ أليسوا قادة انتفاضة الجماهير؟ ألا يمكن أن يكون الأحمق المهزوم، الذي لا يريد أن يقر بهزيمته، رمزا لعقلية تمتد وراء هزائمه.(ص15).

"إذا ما ملك الحمقى زمام السلطة، سواء عبر الاقتراع العام أو الانقلاب العسكري، فكلاهما ملائم لتحويل الحمقى إلى الطغاة، سواء راق الأمر المثقفين أم ساءهم" (ص16).

فالحركة النازية حمقاء لأنها تنهل من الحقد / الضغينة Ressentiment، وهو المصطلح الذي اقتبسه عن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة، ولا يعني الحسد أو الغيرة المجردة، بل تعني نمط حياة مبني على كبت الإنسان وغرائزه في طاعة عمياء يسميها "أخلاق العبيد" في المسيحية، مما يدربه على رفض كل ما هو نبيل وصحي.

الحقد أو الضغينة هو دافع مستمر، والخاسر "المُضْطَغِن" يجد لذة في السخط الدائم. وتنفيذ انتقامه لا يهبه الشعور بالرضا، بل على العكس فقدان الخاسر لحدة غضبه تعني فقدان مصيره  "حتى يصبح مثل هتلر منتشيا ومشدوها بمُثُل ضغينته" (ص17)

يعتقد براك أن الضغينة أمر منطقي في مجتماعاتنا التي يستحيل فيها المساواة، بينما في المجتمع الديمقراطي يسمح بالتعبير عن تلك الضغينة ورفضها ورفض عدم المساواة.

بينما ترسم النظم الفاشية صورة للفلاح والسيد كأنهما على قدم المساواة، مجرد مثال على عقيدة "الجماعة الوطنية ـVolksgemeinschaft" والتي لا تقر بانعدام المساواة، وإنما تعمل على تمويهها، وحتى أعلى رموزها "القائد" يسمى "الرفيق"، والفكرة السابقة اختلف الباحثون حول تعريفها كـ"إيديولوجيا"، أو كـ"دعاية" مجردة، وتنبذ كل أشكال التفرقة في سبيل التأسيس لهوية قائمة على التفوق  العرقي خلف القيادة النازية (ص20).

في زمان كتابة أطروحته، 1937، واجه براك من يحاولون اكتشاف جوانب إيجابية في النازية، لولاها ما كان للنازية أية جاذبية. يرى باراك أن ما أسموه بـ"جاذبية النازية" يجدر البحث عنه في سيكولوجيا الدعاية. ولكي لا تخسر القيادة مكانتها بين الجمهور فهي تزكي الكراهية، وتصرخ بما قد لا تريده، من مطلب إلى مطلب.

وفقا لطرح براك، لا ينبغي بذل الجهد لتفنيد المقولات المسماه بـ"العلمية"، التي تبرر التفوق العرقي، أو كراهية اليهود؛ فالضغينة هي العلة الأولى ثم تنتج عنها كراهية اليهود-أو غيرهم- ثم تأتي المبررات "العلمية".
 
"ليهود" ليسوا سوى إحدى الذرائع التي توفر للضغينة موضوعا واقعيا، أما المقولات "العلمية" فيمكن العدول عنها إن اقتضى الأمر(ص33). كراهية اليهود وفق تشبيه براك كانت مثل أقطاب البرق، التي تعلو البيوت لامتصاص قوة الصاعقة وتبديدها (ص34).

في المجتمعات الديمقراطية يمكن السعي إلى الحقيقة أن يحقق بعض النجاح في ظروف محددة، أما في الديكتاتورية النازية؛ فحتى مجرد السعي لن يجد أي صدى لأن الضغينة المحضة قد حولت منطقها وموضوعيتها إلى "معيار كل شيء" عبر صحافة منصاعة ومجتمع ميال إلى عبادة الدولة (ص36).

في عقيدة الجماعة الوطنية يظل الغني والفقير والطبقة الوسطى كلٌ في مكانه، وانتحل هتلر لنفسه برنامج معونة الشتاء Winter hilfe الذي بدأته حكومة هنريش 1931 تحت شعار "لن يجوع أحد أو يتجمد". (ص39).

يركز براك في الجزء الأخير من كراسته لانتقاد مواقف "المثقفين" نافيا عنهم في الوقت نفسه قدرتهم على الكفاح ضد النازية.
 
***

كان مينو تير براك (1902 ـ 1940) مؤلفًا وناقدًا وكاتب مقالات وصحفيًا هولنديًا حديثًا. درس اللغة والتاريخ في جامعة أمستردام، عمل مدرسا ومحررا أدبيا في جريدة هيت فيدرلاند (الوطن) وانضم إلى "لجنة اليقظة" المناهضة للفاشية، منبها لخطورة النازية التي لاحت في الأفق.

مع اندلاع الحرب أُصيب باكتئاب شديدة. قصفت الطائرات الألمانية مسقط رأسه، في الوقت الذي فشلت محاولته اليائسة للنجاة بالقوارب نحو انجلترا، وانتهى بالانتحار في اليوم نفسه 14 مايو 1940.

إن احترام تير براك للحرية الشخصية وكرهه للنزعة العسكرية جعله خصمًا للنازية. واستمر تأثير أطروحته حتى خمسينيات القرن. الماضي

* * *

بين التحليل المادي والأخلاقي

يفسر تروتسكي صعود الفاشية، بتحلل المجتمع القديم، وغياب حزب ثوري قادر، فتقوم شرائح من البرجوازية الصغيرة، بحشد الجماهير ضد الثورة، وهو ما يرحب به الرأسماليون ويدعمونه. في المرحلة التالية، وبعد التمكن من السلطة، تسعى الفاشية للهيمنة على الدولة وتفريغها من محتواها لصالح الحزب الفاشي.

وبرغم الصبغة الأخلاقية لأطروحة براك، مقابل التحليل المادي لتروتسكي، فإنه ببعض من التعمق، وليس من قبيل التوفيق على الإطلاق، نجد خط التماس بين الطرحين.

يرى باراك الضغينة، بمدلولها السابق توضيحه، نابعة من انعدام المساواة، وأن الفاشية استغلتها لشحن الجماهير من جهة، ولتشتيتها عن المطالبة بالحرية والعدالة.

في الوقت نفسه، ربما فقط من نقطة انطلاق مختلفة،  يؤكد تروتسكي أن الفاشية تستغل بالأساس مشاعر الخوف لدى الطبقة المتوسطة، المذعورة من احتمال سقوطها في مصاف البروليتاريا، التي أفرزت بدورها طوابير العاطلين، وتحديدا من الجنود المسرحين بعد الحرب العالمية الأولى. وطبقة الملاك التي تزعزعت مكانتها وتنقم على حركات الفلاحين، جنبا إلى جنب مع البرجوازية الصناعية المعادية لحركة العمال المتصاعدة.

مما سبق، يمكن القول أنه لا تناقض جوهري بين طرح براك وتروتسكي.

* * * 

لماذا براك الآن؟

في عالم يقوم فيه القادة الشعبويون مرة أخرى بتسويق أنفسهم كأوصياء على الديمقراطية، حيث تلعب الأحزاب السياسية على مشاعر الكراهية والغضب، فإن أوجه التشابه المذهلة والأهمية المستمرة لتشخيص تير براك البشري الواضح تجعل هذه القراءة الأساسية لأي شخص يتطلع إلى فهم المناخ السياسي اليوم. 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا