عـاجل
آخر الأخبار

محيي الدين الحاج عيسى.. شاعر فلسطيني كبير تعرّض للتجاهل

ياسر علي السبت، 04 سبتمبر 2021 11:34 ص بتوقيت غرينتش

ظهر في فلسطين بين الموجات الأدبية وحولها عدد كبير من الشعراء الذين نسلط عليهم الضوء في هذه السلسلة، نظراً لدورهم ليس فقط في تثبيت مكانة الشعر والأدب الفلسطيني وسط التيارات والموجات الكثيرة في الوطن العربي، وإنما أيضا لدورهم في رسم معالم هوية فلسطين.. وكذلك لكي تكتمل صورة المشهد الأدبي في فلسطين. فهم عاصروا القضية الفلسطينية بتفاصيلها، كما عايشها المشهورون من شعراء فلسطين، ومن المهم قراءة فلسطين بعيونهم وأقلامهم، كي لا يبقى الضوء مسلطاً على فئة واحدة تنتمي لمنهج ورؤية واحدة من دون إعطاء الفرصة للرؤى الأخرى، رغم دورهم الكبير في تثبيت الانتماء إلى فلسطين.

في فئة المخضرمين من شعراء فلسطين، يقف الشاعر محيي الدين الحاج عيسى في شريحتهم المشرّفة، فهم الذين كتبوا عن النكبة ومآسيها والثورة ومعاليها، ولم ييأسوا أو يفقدوا البوصلة رغم أنه لم يتم تسليط الضوء عليه لأنه لم ينتسب للبيئة السائدة، ولم يكن "مدللاً" في الأوساط الأدبية والإعلامية، فهو كان إسلامي الانتماء والإنتاج، فلم يحظَ باهتمام التيارات المسيطرة في تلك الفترة.

كما أنه ذُكر في كثير من المصادر سوى باسمه الفلسطيني (محيي الدين الصفدي)، نسبة لمدينة صفد التي ولد فيها، ومنها انطلق في فلسطين ثم في سوريا والأردن.

كانت نشأته في أسرة علمية، مما أثّر في مواهبه، فاتجه للمطالعة وقراءة القرآن وحفظ القصائد الشعرية لشعراء عرب في عصورهم المتعاقبة وخصوصاً المعلقات الشعرية. وأخذ عن أساتذته الأدباء، أمثال الشيخ عبد القادر المبارك، والشيخ مصطفى الغلاييني، والشيخ الأديب عبد القادر المغربي.

يقول الدكتور كامل السوافيري في كتابه "الأدب العربي المعاصر في فلسطين": "شاعر ملهم من شعراء فلسطين، لم يأخذ حظه من الشهرة، ولم يسلط ناقدٌ أضواء النقد على شعره، ولم يتوجّه باحث لدراسته على الرغم من موهبته الشعرية الفذّة وطاقته الجبارة". ويقول الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه "محاضرات في الشعر الحديث في فلسطين والأردن": "لم يُتح لمحيي الدين الحاج عيسى من شهرة ما أتيح لبعض شعراء فلسطين، ولم يُصب في الذكر ما أصابه غيره من الذين نُشرت عنهم بعض المقالات في المجالات الأدبية أو الكتب. ومع ذلك، فإن من يطّلع على شعره... يعدّه من الطبقة الأولى من شعرائنا الذين انقاد لهم البيان الشعري في سلامة ويسر استعصيا على الكثيرين غيرنا".

نظم الشعر في سن الخامسة عشرة لكن معظم شعره ضاع على أثر نزوحه من وطنه فلسطين، ولم تسعفه ذاكرته بأكثر من عناوين ما ضاع من قصائد.

يقول الأديب عبد الله الطنطاوي عنه: "تعرّفت إلى شاعرنا في أواخر الستينيات، كنّا جارين في حي الإسماعيلية بحلب، وبعد أن أقعده المرض في السنتين الأخيرتين من حياته، كنت أزوره يومياً، أسلّيه، وأستفيد من معلوماته الغزيرة عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية، وعن اليهود والصهيونية، وعن الزعامات الفلسطينية والعربية، الصالحة منها والفاسدة، وعن مكر الإنجليز، وخيانتهم للعرب الذين وثقوا بهم، وعداواتهم للإسلام والمسلمين،.. فهم الذين مكنوا لليهود في فلسطين، وهم الذين حاربوا القادة المخلصين..

وكانت للشاعر أمنيتان، يذكرهما: أما الأولى فمستحيلة التحقيق في حياتي، وربما في حياتكم، ألا وهي تحرير فلسطين من أيدي الغزاة اليهود، لأن التآمر عليها في الداخل والخارج.. وأما الثانية: فأن أرى ديواني مطبوعاً قبل أن أموت.

وعندما قال الأطباء: إن الشاعر صار على حافة قبره، بادرنا -أنا وابنه إياد-إلى تحقيق أمنيته الثانية، وقدّمنا إليه الملزمة الأولى من الديوان، قرأتها عليه، وصححتها أمامه، فانفرجت أساريره وغسلت دموعه ما ران على ابتسامته الودود من اكتئاب، وقال هامساً: :الحمد لله" ثم ما لبث أن توفي ـ عليه رحمة الله ـ عام 1974م".

ويصف معجم البابطين شعره: "جاء جلّ شعره تعبيراً صادقاً عما حلّ بوطنه فلسطين من نكبات، كان آخرها نكبة 1948 الكبرى. تحضّ أشعاره على الثورة، وتدعو إلى الوحدة في مواجهة العدو مستبشرًا في ذلك بما حدث بين مصر وسورية من وحدة في زمانه، وله شعر في رثاء الشهداء خاصة ما كان منه في رثاء شهداء حائط البراق في القدس عام 1930، إلى جانب شعر له في العتاب يحث فيه القادة من العرب والمسلمين على نجدة بيت المقدس الذي نادى بفتحه الفاروق عمر. كما كتب المسرح الشعري الهادف مذكراً من خلاله بعواقب الخلاف والتآمر وفساد التقدير، وكتب الأقصوصة الشعرية المفعمة بالرمز، وله شعر في المناسبات، كما كتب في الحنين. وله في المراسلات الشعرية الإخوانية التي يضمنها هموم وطنه، كما كتب في رثاء أحمد شوقي أمير الشعراء، وله شعر في تذكير الأمة بفرسانها الأوائل، وله شعر في الإشادة بالعلم وطلبته وأهله من العلماء. يتميز بنفس شعري طويل، إلى جانب قوة لغته، وجهارة صوته مع يسر تراكيبه وأنساقه، وخياله طليق.. والتزم النهج الخليلي في بناء قصائده".

من هو شاعرنا؟

ولد الشاعر محيي الدين الحاج عيسى سنة 1900 وقيل 1897 في صفد. وتلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، وفي مدرسة عكا واصل تعليمه الإعدادي، وتلقى تعليمه الثانوي في سلطاني دمشق وبيروت، ثم انتقل من الصف المنتهي في سلطاني بيروت إلى الكلية الصلاحية ودرس فيها ثلاث سنوات.

عمل مديراً لمدرسة صفد ثماني سنوات، وخلالها حصل على شهادة الحقوق من القدس. قضى خمس عشرة سنة مدرساً للغة العربية في القدس، وعاد بعد ذلك إلى صفد نائباً لمدير مدرستها الثانوية، وقائماً على تدريس اللغة العربية فيها حتى النكبة في 1948. 

نزح مع عائلته إلى سورية واستقر في مدينة حلب مدرساً للأدب العربي في ثانوية معاوية ودار المعلمات خمس سنوات. ودرّس في الكلية الأميركية للمعلمات حتى عام 1964.

كان عضوًا في جمعية الشبان المسلمين منذ عام 1939. توفي في حلب سنة 1974.

له من المؤلفات مسرحيات شعرية هي: "مصرع كليب" سنة 1947، "أسرة شهيد" سنة 1966. وصدر ديوانه "من فلسطين وإليها" سنة 1975، بعد أن أتمّ مراجعته.

نماذج من شعره:

لما حدث الإضراب الكبير سنة 1936 في فلسطين.. واشتعلت الثورة بعده، نظم شاعرنا قصيدة بعنوان "في ثورة 1936":
 
يا أيها البطلُ الكريم تحية .. تُهدى إليك بناضر الأوراقِ
في ذمّةِ التاريخ ستةُ أشهر .. لم تشكُ من نَصَبٍ ولا إرهاقِ
مُتزوّداً في طول يومك كِسرة .. ما خِفْتَ من جوع ولا إملاقِ

ومنها:

والطائراتُ حوائمٌ يُلقينَ من .. كبد السماء صواعقَ الإحراقِ
في جوفهنَّ الموتُ يكمنُ جاثماً.. فإذا انفجرنَ أطلَّ بالأعناقِ

ولمّا أُقيم في سورية عام 1955 أسبوع للتسلح لإنقاذ فلسطين، نظم قصيدة قال فيها:

يا ربّ باركت في أيدٍ قد انطلقتْ .. تُعطي الجزيلَ وتُحيي المجد والكرما
تسابق الناسُ للداعي فلا وكلٌ .. يُبدي التّواني ولا من يدّعي الصّمما
جادوا بما عزَّ من مالٍ ومن عرضٍ.. جود السّحابِ إذا ما انهلَّ مُنسجما

وحيا أبطال معركة الكرامة عام 1968 بقصيدة قال فيها:

سلمتْ يمينك أيها البطلُ .. فالبغيُ ولّى وهو منخذلُ
قد غرّه غدرٌ مضى زمناً .. فالدهرُ في أيامهِ دُولُ
هذي الديارُ ديارُنا رقدتْ .. فيها الأصولُ أصولنا الأولُ
خسئَ الدخيلُ فلن يقرَّ له .. عيشٌ ولنْ يحيا له أملُ
أرضَ الكرامة أنت خالدةٌ .. للعُرب فيكِ من الفدى مثلُ
جاء العدى يبغونَ فيكِ أذىً .. وتعلّلوا ما شاءتْ العِللُ
فإذا المعاقلُ وهي مُرعدةٌ .. تُرديهمو من قبل أن يَصلوا
فإذا العدوّ يفرُّ من جزعٍ .. لم يحمهِ سهلٌ ولا جبلُ
ضاقتْ به ذرعاً مسالكُهُ .. فدروبه بالنار تشتعلُ

وعن صفد وحنين العودة إليها نظم قصيدة بعنوان "الدارداري" يقول فيها:

الدار في صفدٍ تشكو أذى النُّوَبِ    ..      وأنتَ صبٌّ تقاسي البُعدَ في حلبِ
يا هاتفَ الشوق قد ناديتَ مستمعاً ..       أصغى إليك بقلب واجفٍ تعب
ها قد غدوتُ لأوطاني على قدمي ..        والوجدُ قرّح أجفاني وبرَّحَ بي
فجئتُ عجلانَ بابَ الدار أطرقه ..         طرقَ الذي آبَ من منأىً ومُغتربِ

 

*كاتب وشاعر فلسطيني


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا