آخر الأخبار

مسلمو روسيا من الفتوحات المبكرة إلى مشاريع الاستقلال

أحمد القاسمي الإثنين، 20 سبتمبر 2021 09:15 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "مسلمو روسيا ومشاريع الاستقلال"
الكاتب: محمد العادل
الناشر: المركز العربي للدراسات الإنسانية 
عدد الصفحات: 159 صفحة.


داهمت قوات الأمن في الأسبوع الأول من شهر آب (أغسطس) الماضي مسجدا في منطقة كوتلنيكي قرب العاصمة موسكو. وتم ذلك أثناء أداء صلاة الجمعة. فأوقفت نحو ستمائة مصل أفرجت عنهم لاحقا بعد تحقّقها من أنهم "لا يمثلون خطرا على أمنها" وهو ما عُدّ استهتارا بمقدّسات المسلمين، وأعاد طرح الأسئلة: "لماذا تخاف روسيا مسلميها؟ ولماذا تعمل على طمس هويتهم رغم أنّ الدولة تدعي ضمان الحريات الدينية بعد سقوط النظام الشيوعي بداية التسعينيات؟ ولماذا ينزع مسلموها إلى الاستقلال عن الاتحاد الروسي باستمرار، فلا تفتر همة هذه الجمهورية الإسلامية حتى تشتدّ همّة تلك؟".

لا شكّ أنّ فهم علاقة روسيا بمسلميها يقتضي معرفة بتاريخهم المجهول في عديد المجتمعات الإسلامية لعوائق شتى منها عائق اللغة وعزلهم الممنهج عن باقي أصقاع العالم الإسلامي. وكتاب "مسلمو روسيا ومشاريع الاستقلال" لمحمد العادل يحاول أن يقدّم إجابة جادة عن هذا السّؤال.

1 ـ وصول الإسلام إلى روسيا في فترة الإسلام المبكّر

يتبع مسلمو روسيا عامة منهج أهل السنة والجماعة وفق المذهب الحنفي والمذهب الشافعي. ويتركزون أساسا في منطقتين من الاتحاد الروسي اليوم. فتقع سبع جمهوريات في منطقة القوقاز الشمالي على الحدود الجنوبية لروسيا الاتحادية مع أذربيجان وجورجيا، وتعدّ داغستان أكبرها مساحةً وأكثرها كثافة سكّانية. وتمثّل جمهورية داغستان مركز الإسلام في المنطقة، ومنها وصل إلى الشيشان، كما ظهر بها أكبر علماء الدين في المنطقة وفيها نشأ تصوف قوي حافظت طرقه على الهوية الإسلامية للبلاد وجعلتها تصمد أمام الهزات العنيفة على مرّ التاريخ. وتمثل الفولغا والأورال القائمتان وسط روسيا، المنطقة الثانية. وقد أعلن فيها الإسلام دينا للدولة في مراحل من التاريخ الروسي قبل أن تعتمد المسيحية الأرثوذكسية دينا رسميا في عامة البلاد في عهد فلاديمير الأول عام 988م، ثم اعتنقها أتباعه.

ولئن أشارت بعض المصادر إلى وصول الجيوش العربية، بقيادة المغيرة بن شعبة إلى أرض أذربيجان سنة  18 للهجرة أي منتصف القرن السابع للميلاد، فإن أغلب الدراسات تربط الجذور العميقة للإسلام في روسيا بحملة سراقة بن عمرو إلى بلاد الفرس التي وصلت في عام 22هـ حتى مدينة “دربنت” في جمهورية داغستان على عهد الخليفة عمر، وكان السلاف الشرقيون في ذلك الوقت يعبدون القوى الطبيعية. وفي هذه المدينة توجد مقبرة لنحو أربعين من الصحابة.
 
2 ـ رسوخ الإسلام في روسيا على عهد الدولتين الأموية والعباسية 

بعد هذه الحملات المبكرة والواعدة تراجعت الفتوحات الإسلامية في أيام الفتنة الكبرى. وهذا بديهي. فقد انكفأت الدولة الإسلامية الوليدة وانشغلت عن التوسّع شرقا وغربا بالاقتتال الداخلي. وما إن استقر الأمر إلى الأمويين حتى عاودوا إرسال الجيوش من جديد. وتشير المصادر التي عوّل عليها الباحث إلى تجهيزهم لجيش جرّار بقيادة القائد العربي قتيبة بن مسلم الباهلي لفتح تركستان. فقد بلغ تعداده 70 ألفا ووصل تخوم الصين، غير أنّ عمر بن عبد العزيز طلب منه التمهّل لترسيخ الإسلام في تلك الديار أولا. وكان ذلك دأبه. فقد كان يفضّل تحويل البلدان المفتوحة إلى ديار إسلام. وهو ما فعل في شمال إفريقيا حينما أرسل، نهاية القرن الأول، ابن أبي المهاجر وعشرة من التابعين ليعلموا البربر دينهم فتأسست بذلك اللبنة الأولى للقيروان باعتبارها مركزا للعلم. ثم عملت الدولة العباسية على مواصلة ذلك الجهد. فانتشر الإسلام في تلك الربوع حتى وصل إلى منطقة سيبريا بين سنتي 309 ـ 626 للهجرة. 

 

لئن كان للولايات المتحدة الأمريكية وللاتحاد الأوروبي دور في إذكاء حلم الاستقلال، رغبة منهما في إنهاك الاتحاد الروسي والاستئثار بمجاله الحيوي، فإنّ العوامل الموضوعية كانت تؤجج هذه النزعة باستمرار.

 



وتشير الآثار التاريخية إلى دور حاسم لأحمد بن فضلان، مبعوث الخليفة المقتدر بالله، في إسلام أعراق مختلفة من مسلمي روسيا. فقد قصدها بطلب من ملك البلغار المعروف باسم ألموش وكان في حشد من العلماء والفقهاء والمؤرخين.

3 ـ القوقاز أندلس آسيا التي ترفض السقوط

يمثل عهد المغول المرحلة الثالثة من صلة الروس بالإسلام. فقد سيطروا على المنطقة بقيادة ملكهم بركة خان الذي أسلم وأضحى يلقّب بالملك السعيد. فشهدت البلقان والقوقاز دفعا جديدا للفتوحات. فأسلم الكثيرون. ولكن المنعرج سيحدث مع ظهور الإمبراطورية الروسية في نهاية القرن التاسع للهجرة وأواخر القرن 15الخامس عشر ميلاديا. فقد هزمت التتار. ومع تفكك الإمارات المغولية سيدشّن العهد القيصري مرحلة الزحف المسيحي في اتجاه المناطق الإسلامية. فكانت القوقاز "أندلس آسيا" التي تسقط سنوات قليلة قبل سقوط أندلس أوروبا. واستمر العمل على ضم تلك أراضيها في كامل المرحلة القيصرية. فهُدمت المساجد وحُوّل العديد منها إلى كنائس وواجه المسلمون عمليات إبادة منظمة وارتكبت عديد المجازر في حقهم. 

ولن يكون حال المسلمين أفضل في المرحلة السوفييتية في القرن العشرين بعد سقوط القيصر. فالإيديولوجيا الشيوعية مناهضة للأديان عامة كما نعلم. فقد كانت ترى فيها "فكرا رجعيّا". وكانت بالمقابل تعمل على فرض فلسفتها "التقدمية" دينا جديدا أوحد. وبعد الحرب العالمية الثانية سُمح بهامش ضئيل من النشاط للمؤسسات الدينية يبقيها تحت رقابة الدولة وإشرافها. فاختزل النشاط الإسلامي في الطرق الصوفية، وعهد لها مرّة أخرى دور مهم في الحفاظ على الهوية الدينية لجمهوريات روسيا الإسلامية. ولكنّ المفارقة أنّ الشيوعية سقطت كما سقطت الإمبراطورية القيصرية من قبلها. أما القوقاز والفولغا والأورال فكانت أندلسَ عصيّة وظلت تنهض من رمادها بعد كلّ كبوة. 

4 ـ مسلمو روسيا ومشاريع الاستقلال اليوم

يُبرز الباحث أنّ نزعات الاستقلال لدى مسلمي روسيا قديمة، وأنها، في بعد منها، تعكس ذلك التعايش العسير بين الأقليات المسلمة والأغلبية المسيحية. فقد وقع ضم أراضيهم في عهد الإمبراطورية القيصرية. وفضلا عن اختلاف هويتهم الدينية، مثّل لعنف الذي مورس ضدّهم على عهد القاصرة أو السوفييت لاحقا عائقا رئيسيا يحول دون شعورهم بالانتماء إلى الكيان الروسي أو انصهارهم في هويته. ويعرض قائمة في انتفاضات جدّت في العهدين القيصري والشيوعي.
 
يرصد الباحث ظهور نشاط إسلامي سياسي مع تفكك الاتحاد السوفييتي. فقد تشكلت حركات تعلن عملها على إعادة المسلمين إلى هويتهم الإسلامية التي فقدت في العهدين القيصري أو السوفييتي، منها الحركة الاجتماعية الروسية وحزب النهضة الإسلامية وحزب التحرير الإسلامي والطريق الإسلامي في الشيشان والحزب الإسلامي الديمقراطي في داغستان. وغذّى تنامي النزعات الاستقلالية لدى عديد القوميات في الجوار وتحقيق العديد منهم لذلك عاود حلم مسلمي روسيا بالاستقلال. ورغم تأكيد الكاتب أنّ أثر هذا الإسلام السياسي يظل محدودا يفتقد إلى المعالم الواضحة سياسيا وفكريا وأنه يظهر خاصة في فترات الانتخابات، يقدّر أنه استطاع أن يوجه السياسة الروسية بشكل ما ويدفعها إلى أن تكون أكثر حذرا في سياساتها مع العربي والإسلامي. وضرب مثلا على ذلك مبادرةَ بوتين لشأن انضمام روسيا الاتحادية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. 

ولئن كان للولايات المتحدة الأمريكية وللاتحاد الأوروبي دور في إذكاء حلم الاستقلال، رغبة منهما في إنهاك الاتحاد الروسي والاستئثار بمجاله الحيوي، فإنّ العوامل الموضوعية كانت تؤجج هذه النزعة باستمرار. فالفساد الاقتصادي ينتشر على نطاق واسع. ويسود الفقر والبطالة بين المسلمين أكثر من غيرهم من القوميات. وتفرض على الفيدراليات الإسلامية حالة من التهميش الممنهج. فمشاركتهم في الحكم لا توازي حجمهم أو أهمية مناطقهم الاقتصادية وحضورهم في الإعلام يظل ضعيفا جدا لضعف التمويل كما تعمل السلطات المركزية على محاصرتهم، مفيدة من الصورة النمطية التي تسوّق عالميا والتي تربط كل نشاط إسلامي بالإرهاب.
 
ثم محمد عادل يعرض مشاريع الاستقلال في هذه الجمهوريات حالة بحالة راصدا إصرار سلطات الاتحاد الروسي على مواجهة هذه النزعات من خلال دعم النفوذ المركزي على حساب صلاحيات الأقاليم وتعيين رجال الاستخبارات وجنرالات الجيش ممثلين إداريين له في المناطق الإسلامية ومن خلال اعتماد سياسات عنيفة لقمع مختلف الاحتجاجات والنزعات الانفصالية مبرزا العوامل التي تدفعها إلى تلك الصرامة والعنف.

5 ـ عوامل التصلّب الروسي في مواجهة نزعات الاستقلال

يردّ الباحث التصلّب الروسي إلى الخوف من تفكك الاتحاد الذي يضم عشرات القوميات المتصارعة أو المتنافسة، بعد أن تفكّك الاتحاد السوفييتي وتفككت دول مجاورة بتفكّكه. ثم سريعا ما تحوّل ذلك الخوف إلى رغبة في استعادة المجد الضائع وقد أمعن الغرب في الاستهانة بها، واسترجاع صفة القوة العظمى، خاصّة أنّ إقليم القوقاز يمثل جبهة صد ضد المحاولات المختلفة للولايات المتحدة التي تطمح للوصول إلى ثروات المنطقة والتي ما فتئت تركّز قواعدها العسكرية قريبا منها.  

ولكنّ الجواب الأبلغ يرد بلغة الاقتصاد. فلهذه الجمهوريات الإسلامية أهمية خاصّة. فإستراتيجيا تضمن منطقة القوقاز للاتحاد الروسي منفذين ساحليين يطل أولهما على بحر القزوين ويطلّ ثانيهما على البحر الأسود، خاصّة أن روسيا قد فقدت عديد المنافذ الساحلية بانفصال أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا. وتمثل مصدرا للثروات المتنوعة. ففيها توجد أخصب الأراضي مما جعل الكاتب يصف المنطقة بسلة الخبز لروسيا. ففي بحر القزوين توجد مخزونات هامة من الغاز الطبيعي والنفط والثروات المعدنية. وعلى الأراضي الشيشانية تتركز صناعة بيترو ـ كيماوية وغذائية في الشيشان القوقازية.

 

التعمق في دراسة الوجود الإسلامي في البلقان والقوقاز والفولغا والأورال من خلفيات سوسيولوجية وانتروبولوجية ستخدم مسلمي هذه الأقاليم بلا شك. وفضلا عن ذلك يعود بالنفع على الدول الإسلامية.

 



ولا يقلّ حوض الفولقا بدوره أهمية عن منطقة القوقاز. فجمهورية تترستان على سبيل المثال تضم الثروات المائية والغابات. وتمثل بيشكيريا رابع منتج للحبوب في روسيا وتعدّ ككل من أهم مناطق إنتاج المواد الطاقية وتصنيعها ومنها تنطلق أنابيب البترول إلى شرق أوروبا المعروفة بـ"ـخط الصداقة".  وإلى ذلك تضم مناطق صناعية هامة  تركزت فيها الصناعات السوفيتية الثقيلة العسكرية والمدنية بعد أن حاصر هتلر ليننغراد وتهديده الجدي باحتلال موسكو في الحرب العالمية الثانية .

6 ـ مسلمو روسيا ومشاريع الاستقلال.. وبعد؟

يمثل الكتاب مدخلا يعرّفنا بتاريخ المسلمين في روسيا إلى حدّ. فينبه القارئ إلى مبحث مهمل. فرغم أهميته لا تزال الدراسات فيه ضنينة حينا مهجورة لا تتداول على النحو الكافي حينا آخر. وهذا ما يكشف المركزية الشرقية في التعاطي مع التاريخ الإسلامي ويبرز أنّ من سلبياتها إهمال قضايا مسلمي آسيا الوسطى وإفريقيا جنوب الصحراء. ولا يمكننا بحال أنّ نحمّل المسؤولية إلى الباحثين الأفراد. فأعمال هؤلاء تظل مرتبطة بمجال عملهم. ولكن يُوجَّه اللوم إلى مراكز البحث العربية والإسلامية.

فالتعمق في دراسة الوجود الإسلامي في البلقان والقوقاز والفولغا والأورال من خلفيات سوسيولوجية وانتروبولوجية ستخدم مسلمي هذه الأقاليم بلا شك. وفضلا عن ذلك يعود بالنفع على الدول الإسلامية. فبشكل ما ستمثل مسلمو روسيا مجموعات ضغط وستجعل الاتحاد الروسي يأخذ تطلعات مواطنيه المسلمين بعين الاعتبار وهو يرسم سياساته الخارجية. ولكن الكتاب لا يتجاوز هذه الوظيفة التنبيهية.

فمبحث بهذا الاتساع والعمق لا يمكن أن يتم تناوله في صفحات قليلة. ولا يمكن أن تقتصر دراسة تاريخ المسلمين الروس من الفتوحات المبكرة إلى مشاريع الاستقلال اليوم على سرد بعض الوقائع بطريقة انتقائية. فلا شك أنّ تناول المبحث من زاوية التاريخ الاقتصادي والثقافي والاتجاهات الفكرية والعلاقات بين الأقليات وتأثير العوامل الموضوعية والمادية كان ستمنح المبحث قيمته المضاعفة.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا