آخر الأخبار

الطابع العمراني لفلسطين أحد أهم مقومات الهوية الوطنية

نبيل السهلي الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021 09:15 ص بتوقيت غرينتش

ثمة ركائز أساسية للهوية الوطنية الفلسطينية، التي تشكلت عبر تاريخ فلسطين الطويل؛ وفي مقدمتها اللغة والتاريخ والمصير المشترك والنشاط الاقتصادي والعمراني؛ ولفرض روايتها المزيفة سعت إسرائيل منذ نشأتها في عام 1948، إلى طمس التاريخ عبر تهويد المكان والطابع العمراني لفلسطين؛ ويلحظ المتابع أن فن العمارة في فلسطين يتمتع بخصائص ميزته عن الدول الأخرى في بلاد الشام، ومرد ذلك الصفة القدسية التي انفردت بها فلسطين عن سواها، كما فرضتها ظروف الزيارات والحج التي يمارسها المؤمنون، من مسلمين ومسيحيين، إلى الأماكن المقدسة في القدس والناصرة والخليل وبيت لحم وغيرها من مدن فلسطين.
 
استهداف ممنهج


كان الهدف الصهيوني من وراء تغييب الطابع العمراني للشعب الفلسطيني ترسيخ الشعارات الصهيونية؛ وخاصة شعار "ارض بلا شعب لارض بلا شعب ". ومن المعروف لدى المتابعين لفن العمارة، أن هذا الفن في فلسطين يحمل في طياته الطابع العربي الإسلامي في المقام الأول، شأنه في ذلك شأن فن الزخرفة في بلاد الشام، هذا الطابع الذي انتشر بسرعة كبيرة منذ صدر الإسلام، إذ تشير الدراسات التاريخية إلى استقلال فن الزخرفة في فلسطين عن أي طابع آخر وفي شكل خاص عن الطابع البيزنطي، وتمتعه بمميزات خاصة. 

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى وجود عدد كبير من المفارقات بين فن الزخرفة الرومانية والبيزنطية في بلاد الشام، لكن الثابت أن الذي قام بعملية البناء والزخرفة هم مواطنو تلك البلاد من العرب. فإذا اتخذت الزخرفة والعمارة الإسلامية في فلسطين في ما بعد الطابع المحلي، فإن ذلك من الأمور الأساسية، ويتوافق مع مبدأ الاستمرارية الذي يحققه السكان الأصليون الذين انضووا تحت الثقافة الجديدة سواء أسلموا أم بقوا على دينهم. 

وتكوَّن الفن الاسلامي بروح جديدة أشبعت بالثقافة الجديدة التي توسعت حدودها وعلومها وفلسفتها، فكان الجمال الصفة الملازمة لفن العمارة في فلسطين . ولكن العمارة العربية الإسلامية في فلسطين أصابها كثير من الأزمات التي أضعفت وجودها أو تركت آثار الغرباء فيها؛ بيد أن الشواهد الماثلة للعيان في فلسطين حتى يومنا هذا ، وعلى رأسها جماليات فن العمارة والزخرفة في منشآت الحرم القدسي الشريف، جعلت للزخرفة في فلسطين مميزات وطابعاً خاصاً.

بين الأمن والجمال

تشير الدراسات التاريخية الى أن فن العمارة والزخرفة العربية والإسلامية في فلسطين ارتكز في شكل أساسي الى مبدأ الأمن للشعب وهو احد مقومات الهوية الفلسطينية ، فضلاً عن الجمال اللافت للناظرين، وقد تحقق الأمن في البناء من خلال استخدام مواد صامدة في وجه عوامل الطبيعة ونوائب الزمن والاحتلالات، في حين تحقق الجمال من خلال استخدام الزخارف من الرقش العربي اللين أو الهندسي، ناهيك عن استخدام الخط العربي. 

وازدانت عمارة فلسطين بزينة فريدة تنفرد بها عن غيرها من الدول في جهات الأرض الأربعة، خلال استخدام الزخارف والرسوم الملونة التي صنعت منها بفصوص الفسيفساء في قبة الصخرة والمسجد الأقصى وقصر هشام في أريحا على سبيل المثال لا الحصر. وتشير دراسات إلى ان فن العمارة في فلسطين لم يقتصر على بناء المساجد التي نرى شواهدها في القدس وحيفا ونابلس والرملة ممثلة بالمئذنة البيضاء التي ما زالت حاضرة حتى الآن.

وكذلك لم تقتصر عملية فن العمارة والجمال في فلسطين على القصور التي ما زالت شاهداً عليها مثل: قصر المفجر وقصور البادية الرائعة والآخّذة في جمالها ورونقها، بل ثمة حانات وسبل وأسواق وحمامات ومدارس وأضرحة. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى الخانات التي تعتبر فنادق يأوي إليها المسافرون من تجار وزوار، تخصص الطبقات السفلى منها للقوافل التجارية والبضائع، أما الطبقات العليا فمخصصة للنوم والإقامة، وتنتشر خارج الخانات السبل والحوانيت، ومن أشهر الخانات في فلسطين خان التجار في نابلس. 

ومن أشهر السبل سبيل السلطان قييتباي في القدس الغني بزخرفته وقبته الرفيعة الدقة والجمال، وفي عكا على الساحل الفلسطيني تنتشر سبل منها سبيل الطاسات ويعود تاريخه الى القرن الثامن عشر. والسبل هي أماكن لتقديم الماء لمحتاجيه، وتكون مستقلة أو ملحقة ببناء، ومن الشواهد على فن العمارة في فلسطين وما تحتويه من جمال، الحمامات العامة التي تنتشر في كل المدن الفلسطينية، وتتألف من أقسام تقليدية، القسم البارد والقسم الحار والقسم الدافئ.

 

كانت القلاع والأبراج في فلسطين شواهد ماثلة وحاضرة بقوة ودالة على فن البناء والزخرفة وجمالياته، حيث انتشرت تلك القلاع والأبراج في نواحي فلسطين وجهاتها الأربع.

 



ولم يغب فن العمارة في فلسطين عن مدارسها المنتشرة في كل مكان، فأعطاها بذلك جمالاً خارقاً تم رسمه باستخدام أدوات بسيطة، ومن ثم إنجاز الزخرفة المناسبة لإضفاء طابع خاص عليها، ومن أبرز المدارس الفلسطينية المدرسة التنكرية في القدس، وهي من آيات الجمال المعماري والزخرفي في فلسطين على الإطلاق. وكذلك المدرسة الأشرفية والمدرسة الأحمدية، واستوعبت المدارس النشاطات الثقافية والتعليمية وتسابق القضاة والولاة في إنشائها.  

ومن خصائص فن العمارة والجمال في فلسطين انتشار المزارات والمقامات والأضرحة والخوانق والرباطات التي أنشئت في شكل رئيسي إبان فترة العهد المملوكي لفلسطين، فضلاً عن ذلك كانت القلاع والأبراج في فلسطين شواهد ماثلة وحاضرة بقوة ودالة على فن البناء والزخرفة وجمالياته، حيث انتشرت تلك القلاع والأبراج في نواحي فلسطين وجهاتها الأربع. 

ومنذ إنشائها في الخامس عشر من أيار /مايو من عام 1948، حاولت اسرائيل تهويد فن العمارة ،الذي طبع فلسطين بطابع خاص بها خلال قرون طويلة ليصبح دالة على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني؛ في وقت تنص فيه الاتفاقات الدولية على حماية المباني التاريخية في حال الاحتلال تستمر دولة الاحتلال الإسرائيلي في الاعتداء على الأبنية وزخارفها التاريخية في فلسطين، بغرض تهويد المكان والزمان وتضرب بعرض الحائط القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية،و مدعومة بسيف الفيتو الأمريكي الجاهز لإسقاط أي مشروع قرار يدين السياسات الإسرائيلية التهويدية. 

ولهذا يجب الاستمرار في مواجهة السياسات الإسرائيلية، الرامية إلى طمس الهوية الوطنية الفلسطينية عبر تزوير الطابع العمراني وفرض الرواية الصهيونية؛ وتعتبر عملية الحفاظ على الهوية أولوية وطنية في إطار صراع مفتوح مع دولة الاحتلال الصهيوني.

* كاتب فلسطيني مقيم في هولندا


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا