آخر الأخبار

دراسة توثق لمئة عام من تاريخ المعارضة السياسية في الأردن

عبير فؤاد الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021 11:05 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "المعارضة السياسية الأردنية في مئة عام 1921- 2021"
المؤلف: علي مفلح محافظة
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021


يقدم علي محافظة، الدبلوماسي السابق وأستاذ التاريخ، في كتابه هذا عرضا مفصلا لتاريخ المعارضة السياسية الأردنية في مئة عام، تمتد من سنة 1921 حتى عامنا هذا 2021.. يشمل أهم التطورات التي مرت بها من عهد الإمارة إلى عهد المملكة، وأهدافها، وأساليب عملها العنيفة والسلمية، وما تعرضت له من قمع واضطهاد أحيانا، واحتواء في أحيان أخرى. يفعل ذلك منطلقا من رؤية تجد في تاريخ المعارضة عاملا مهما في تشكيل تاريخ الأردن ككل، تجب قراءته بروح موضوعية وبنزعة عقلانية وتوجه نقدي، على حد قوله، تسمح بفهم تطور الحياة السياسية في بلد "ملاصق لفلسطين، والذي يتعرض وجوده للخطر الصهيوني الاستعماري أكثر من أي قطر عربي آخر".

يبدأ محافظة كتابه بالحديث عما أسماه أول معارضة سياسية شهدتها البلاد، في مرحلة تأسيس الإمارة، بين عامي 1921 و1927، والتي أخذت شكل تمرد عشائري على السلطة المركزية، ممثلة بالأمير عبدالله بن الحسين وحكومته في شرقي الأردن. تمرد يلخص دوافعه بعدم اعتياد أهل الريف والعشائر البدوية على الخضوع بشكل مباشر لسلطة حكومة مركزية دائمة، حيث اعتادوا أن يشهدوا رجال السلطة العثمانية مرة في السنة عند جباية الضرائب. 

عدا عن أن هذه السلطة الجديدة حرمت شيوخ العشائر والزعماء التقليديين من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها سابقا، إذ كانوا وسطاء للسلطة العثمانية في تعاملها مع الشعب، وحرمتهم من ممارسة دورهم في حل النزاعات والقضايا بين الناس. 

إضافة إلى ذلك فإن ظروف المعيشة القاسية التي كانت سائدة وانتشار الفقر والأمية خلال عقود طويلة من الحكم العثماني، كل ذلك لم يجعل الناس متحمسين لوجود أي سلطة من أي نوع تتحكم في مصائرهم، سيما وأن "الحكومة الجديدة لم تستطع، في بادىء الأمر، أن تقدم أية خدمات مفيدة تقنع الأهالي بجدوى وجودها"، عدا عن أن "عقلية الحكام الجدد لم تختلف عن عقلية الأتراك، فمعظمهم كانوا إما موظفين سابقين في الإدارة العثمانية، أو ضباطا في الجيش العثماني". 

فوق ذلك فقد حاول العديد من الشباب الأردنيين المتعلمين التحالف مع بعض شيوخ العشائر، "أملا في الحصول على مكاسب جديدة في الإدارة الجديدة، والحلول محل الموظفين العرب القادمين من الأقطار العربية الشقيقة المجاورة. وطرح هؤلاء الشباب شعار"الأردن للأردنيين" للتخلص من الموظفين غير الأردنيين، والوصول إلى المناصب المهمة في الدولة".

تغيير جذري

يقول محافظة إن الوعي السياسي بين الأردنيين بدأ بطيئا ومتأخرا عن بقية شعوب بلاد الشام. وباستثناء حزب "الاستقلال العربي"الذي انتقلت قيادته من دمشق إلى عمان سنة 1921وبقي يسيطر على الحياة السياسية في الإمارة حتى العام 1924، فإن أول حزب سياسي في البلاد تأسس عام 1927 وهو حزب "الشعب الأردني"، وكان حزبا إصلاحيا هدفه السعي بالطرق المشروعة إلى تأييد استقلال البلاد، ونشر المعارف بين الأهالي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ونشر مبادىء المساواة، وصيانة الحريات الفردية. 

وبسبب الخلاف بين "الاستقلاليين" وبين سلطات الانتداب البريطاني حول دعم الأردن للمعارضة السورية للانتداب الفرنسي، والثورات التي اندلعت في سوريا الشمالية ضد قوات الاحتلال الفرنسي، وحول نظرتهم إلى الدولة الأردنية، تم إخراجهم من البلاد عام 1924، فقد كانوا يرون الأردن نواة لدولة عربية كبرى مهمتها دعم نضال الشعوب العربية في سوريا ولبنان وفلسطين، بينما أرادت بريطانيا الأردن أداة لقمع أية مقاومة عربية في هذه الأقطار.

ويشير محافظة إلى أن وحدة الضفتين في العام 1950 كانت قد غيرت البنية السكانية والاجتماعية في الأردن، إذ أخذت طبقة وسطى من المهنيين والحرفيين تنمو وتتسع في البلاد، وتكون لدى هذه الطبقة وعي سياسي بسبب "النكبة"، حيث ساد شعور عام بالإحباط واليأس والكراهية للغرب بعامة ولبريطانيا وأميريكا بخاصة نتيجة دعمها للحركة الصهيونية، بينما عجزت القيادات السياسية الأردنية التقليدية والحكومات المتعاقبة عن استيعاب التغيير الاجتماعي الجذري الذي شهده المجتمع الأردني، كما عجز القائمون على الحكم عن إفساح المجال للفئات الجديدة القادمة من الريف والأحياء الشعبية والمخيمات للمشاركة في السلطة فكسبت عداءها، بحسب محافظة. 

 

فرضت معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية شروطها. إذ كان من المتعذر المصادقة عليها من قبل مجلس نيابي منتخب بصورة صحيحة ونزيهة. ولذا جاءت القيادة الأردنية بحكومة فرضت على الشعب قانون الانتخاب المعروف بقانون الصوت الواحد، الذي أنتج مجلسا نيابيا طيعا صادق على المعاهدة، وبقي قائما حتى اليوم على الرغم من الصيغ والأشكال التي اتخذها طوال (28) سنة.

 



في هذه الفترة تكونت مجموعة من الأحزاب المعارضة، التي مارست أنشطتها في السر والعلن، بدون إذن من السلطة، مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، وحزب التحرير الإسلامي، والجبهة الوطنية، والحزب الوطني الاشتراكي. وبلغ النشاط السياسي أوجه في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، حيث اعتاد الناشطون السياسيون على الملاحقة والاعتقال والسجن، ووجدوا دعما ومساندة من أهلهم والأحزاب التي ينتمون إليها، وأضحى الاعتقال لأسباب سياسية مدعاة للفخر والاعتزاز لدى الشباب. 

هذه المرحلة انتهت في عام 1957 مع إقالة حكومة سليمان النابلسي، إذ فرضت الأحكام العرفية على البلاد وحلت جميع الأحزاب السياسية باستثناء جماعة الإخوان المسلمين، وظلت محظورة النشاط حتى العام 1992. يوضح محافظة أنه في تلك الفترة أعلن عن عدد من المؤامرات الانقلابية ضد الحكم من قبل ضباط في الجيش الأردني، أعقبتها حملات لتطهير القوات المسلحة الأردنية والأمن العام من الضباط ذوي الاتجاهات السياسية، والذين لديهم طموحاتشخصية للقيام بدور سياسي في البلاد، والابقاء على الضباط المحترفين للعسكرية الموالين للملك حسين بن طلال. 

وكان من نتيجة اكتشاف هذه المؤامرات، التي لا يجزم محافظة بأنها كانت حقيقية، أن اتسعت سلطة وصلاحيات الأجهزة الاستخبارية الأردنية، حيث تمتعت بسلطات استثنائية استمرت حتى اليوم، إذ تدخلت في تعيين موظفي الدولة، واستمر تعيين أي موظف في أجهزة الدولة والشركات التي تساهم فيها الدولة يخضع لموافقة المخابرات العامةمنذ سنة 1957حتى سنة 1992. وقد بلغ عدد المساجين في الأردن سنة 1959(1800) سجين ثلاثون بالمئة منهم سجناء سياسيون، و260 منهم بدون محاكمة.

نعمة من السماء

بعد حرب حزيران 1967 فتحت أبواب الأردن للعمل الفدائي الفلسطيني، وحتى العام 1971 رهيمنت أجواء مختلفة على الساحة الثقافية والاجتماعية في الأردن استأنفت فيها أحزاب المعارضة نشاطهاالسياسي، غير أنها، بحسب محافظة، ضيعت فرصة نادرة لاستعادة مكانتها وقوتها، بسبب تفككها وتنافر قياداتها، وضعف تنظيمها، وانخراطها في تنظيمات العمل الفدائي التي مولتها أنظمة حكم عربية مختلفة، فخضعت لقيادة منظمة فتح، ولم تلتفت لمطالب الشعب الأردني السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحصرت مهمتها في الدفاع عن العمل الفدائي. 

لذلك كان إخراج الفدائيين من البلاد في تموز 1971 نهاية لهذه الأحزاب وضربة قاضية لها، لتعود من جديد إلى ممارسة العمل السري، مع ما رافق ذلك من ملاحقات واعتقالات وسجن وتعذيب لكل المتعاطفين معهم ومع الفدائيين الفلسطينيين. كما أن هذه الأحزاب لم تقدم على النقد الذاتي ومراجعة الأخطاء التي ارتكبتها طوال هذه السنوات الأربع، لتشهد صفوفها انششقاقات وتفككات جديدة، ما جعلها في حالة عجز تام عن المطالبة بالحريات العامة، واستئناف الحياة البرلمانية، وتأليف الأحزاب، حتى عام 1989.

في خاتمة كتابه يصف محافظة ما عرف بـ "هبة نيسان" في العام1989ب"نعمة من السماء" التي أقنعت القيادة الأردنية بضرورة إجراء إصلاحات تسمح بإفساح المجال لمزيد من حرية العمل السياسي واستعادة الحياة الديمقراطية شيئا من عافيتها. وهي "هبة" تمثلت في عدد من الاحتجاجات الشعبية والتظاهرات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، بعد أن عاش الأردن أزمة اقتصادية خانقة في النصف الثاني من الثمانينات تضاعف فيها الدين الخارجي وتضاعف فيهاعجز الموازنة العامة.

تحركات واحتجاجات شعبية تبعتها نشاطات سياسية لأحزاب المعارضة أدت في نهاية المطاف إلى اتخاذ عدد من القرارات التي تؤشر على تحول نحو مزيد من الديمقراطية، منها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح بحرية التنقل للمواطنين كافة، وإعادة جوازات السفر المحجوزة لأصحابها، وعزم الحكومة على دراسة قانوني الأحكام العرفية والطوارىء. غير أن هذه "النعمة الربانية" لم تدم طويلا. يقول محافظة: فرضت معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية شروطها. إذ كان من المتعذر المصادقة عليها من قبل مجلس نيابي منتخب بصورة صحيحة ونزيهة. ولذا جاءت القيادة الأردنية بحكومة فرضت على الشعب قانون الانتخاب المعروف بقانون الصوت الواحد، الذي أنتج مجلسا نيابيا طيعا صادق على المعاهدة، وبقي قائما حتى اليوم على الرغم من الصيغ والأشكال التي اتخذها طوال (28) سنة.

لم تنقطع الاحتجاجات الشعبية أو النشاطات الحزبية في الأردن في السنوات التالية، لكنها كانت تخفت أحيانا وتتصاعد أحيانا أخرى. وبعد أحداث الربيع العربي وجد الأردنيون دافعا للتحرك من جديد للمطالبة بما هو حق لهم، وإن كان ذلك في سياق الحراك الإصلاحي لا الثورة على نظام الحكم، كما أن المعارضة السياسية استعادت شيئا من نشاطها، واتسعت المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا الحراك الذي شمل جميع المدن والقرى الأردنية. وقد حقق بعض مطالبه بالفعل، وإن كان المهم منها لم يتحقق بعد، بحسب محافظة.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا