آخر الأخبار

هل تواكب الدول الغربية تحولات طالبان الفكرية والسياسية؟

بلال التليدي الخميس، 23 سبتمبر 2021 10:40 ص بتوقيت غرينتش

ثمة معضلة لم يستطع العقل الأوروبي والأمريكي تفكيكها إلى الآن، فالانتصار الذي حققته حركة طالبان بسيطرتها على كامل التراب الأفغاني، والانسحاب الأمريكي المفاجئ، الذي عرف فوضى في ترتيب خطواته، أعاد طرح سؤال التحدي الإرهابي، وما إذا كانت هذه الحركة ستعيد تجربتها في دعم ونصرة تنظيم القاعدة، ذلك التنظيم الذي لأجله تداعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من عشرين سنة، إلى التدخل العسكري في أفغانستان من أجل مواجهته ومكافحة امتداداته في المنطقة، فوجدت نفسها بعد ربع قرن، أمام تحدي إمكانية عودة الدولة الحاضنة للإرهاب.

العقل الأمريكي.. ثلاثة محددات مفصلية لتنامي الظاهرة الإرهابية:

في الذهن الأمريكي ثمة تمييز واضح بين محددات الإرهاب، وبين الشروط التي تغذيه. فكل ما يرتبط بانسداد البيئة السياسية، وتأزم الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والتهميش والإقصاء وأزمة الإدماج، فضلا عن البيئات الأمنية المتوترة، وتوترات المناطق الحدودية، والدول التي تعجز عن حماية حدودها، كل هذه العناصر في تركيبة العقل الأمريكي والأوروبي، ما هي إلا شروط مغذية للظاهرة الإرهابية.

أما المحددات التي تشتغل الاستراتيجيات بشكل مركزي عليها، فهي ثلاثة محددات أساسية:

1 ـ المحدد الفكري والإيديولوجي

أي الأطروحة الجهادية التي تستبيح إعلان المواجهة المسلحة ضد القوات الأمريكية، أو مصالحها في المنطقة، والمفردات والمفاهيم المركزية التي تستند إليها، سواء كانت سلفية (الولاء والبراء أو مفهوم النصرة) أو كانت حركية (الحاكمية والجاهلية) أو كانت سياسية (الاستناد إلى مظلومية الأمة من السياسات الأمريكية المهيمنة في المنطقة لتبرير مواجهتها عسكريا أو تبرير ضرب مصالحها).

2 ـ الدولة الحاضنة للإرهاب

وهو أن تكون هذه التنظيمات في حماية دولة وحضانتها ونصرتها، بأن توفر لها قاعدة انطلاق للتدريب والتجنيد وتخطيط وتنسيق الهجمات، كما كان الشأن في دولة طالبان منذ سنة 1996، التي آوت تنظيم القاعدة، أو دولة السودان، التي سمحت لبعض رموز القاعدة بالتواجد على أراضيها ما بين سنة 1992 و1996، بمن فيهم زعيم القاعدة أسامة بن لادن قبل أن تضطر لتحليهم أو دفعهم لمغادرة البلاد بسبب الضغوط الأمريكية والسعودية والمصرية.

3 ـ دولة التنظيم الإرهابي

ويصدق الأمر على تنظيم داعش، الذي أفاد من التراكم الفكري العسكري الذي قدمته القاعدة، وأحدث تحولات أخرى، في اتجاه، الانتقال بفكرة الخلافة، من مجرد رهان استراتيجي بعيد، إلى رهان مرحلي يتوسل به من أجل تحقيق الرهانات الاستراتيجية الكبرى، فاتجه تنظيم داعش إلى فكرة إقامة الدولة الإسلامية في أي قطعة أرض يتم الاستيلاء عليها، وجعلها منطلقا للتمدد والانتشار الجغرافي، وطلب النصرة عبر تجنيد المقاتلين الأجانب.

مأزق الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب

ليس هناك من شك أن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب حققت نقاطا مهمة في معركتها ضد التنظيمات الجهادية، لاسيما وأنها توجهت إلى محاصرة البنى الفكرية، وسد الباب عليها للوصول إلى مصادر التمويل، وتوجيه ضربات عسكرية ضاربة إلى البنى التنظيمية الجهادية، وتوجيه التنسيق الدولي والإقليمي لمحاصرة هذه التنظيمات بمراقبة أشكال تحركها واتصالها وطرق تجنيدها عبر الانترنت، وممارسة الضغوط الدولية على مختلف الدول لإقرار ترسانة قانونية كونية لمحابة الإرهاب.

ومع أن التنظيمات الجهادية أنتجت عددا من الديناميات للتكيف مع واقع الحصار، وغيرت استراتيجيتها التنظيمية، من تنظيمات مركزية إلى تنظيمات لامركزية، تستقطب تنظيمات صغيرة تعمل في نطاقات جغرافية ممتدة، وتتمتع بالاستقلالية التنظيمية والجهادية، إلا أن الاستراتيجية الأمريكية والدولية تمكنت من خفض مستوى عمليات هذه التنظيمات كما وكيفا، بل استطاعت أن تدخل تنظيم القاعدة في مسار تراجعي، ليحل مكانه لفترة من الزمن، تنظيم داعش، وليجد نفسه هو الآخر في أزمة كبيرة، بعد تحرير عدد من أراضي العراق والشام من سيطرته عليها. 

وإذا كان تنظيم "داعش" قد اكتسب نفوذا جغرافيا أكثر اتساعا من خارطة الانتشار التي احتلها تنظيم القاعدة، فإن محدد (الدولة القائمة على الأرض)، والتي تمتلك الإمكانات المالية، وتمتلك خارطة مواقع ومناصب في هياكلها، تستعملها في عملية الاستقطاب والتجنيد. هذا المحدد، الذي ارتكز عليه تنظيم داعش، بدأ ينهار، بعد تقليص مساحة سيطرته على الأرض في كل من العراق وسوريا، بل تقلصت ولاياته التنفيذية، فدخل في أزمة كبيرة. 

غير أن هذه التراجعات والنكسات التي أصابت التنظيمات الجهادية، وجعلتها تدخل في أزمة منذ سنة 2017، لاسيما بعد استهداف أغلب قياداتها، لا يعني بالضرورة أن الاستراتيجية الأمريكية تتمتع بأعلى شروط النجاعة والفاعلية، ذلك أن مسار هذه التنظيمات، يكشف عن تموجات وتحولات في البنيات الفكرية والجهادية والعسكرية، وأنها تتكيف مع تحولات الواقع، بل تتكيف مع الاستراتيجية الأمريكية، ومع واقعها على الأرض. فتنظيم "داعش"، الذي يعتبر الأشد تطرفا وعنفا ووحشية، إنما تأسس على أنقاض تنظيم القاعدة، أو للدقة، فقد خرج من مخاض الأزمة التي عرفها تنظيم القاعدة، حتى إن الباحث لا يستطيع عند رصده للحظة التأسيس أن يضبط اللحظة المفارقة بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، ومتى حصل بالضبط التحول من هذا التنظيم لذاك.

مأزق العقل الأمريكي، أن تقييمه لتنامي التنظيمات الإرهابية، قد تقادم، إذ أنه بني على دراسة أطروحة تنظيم القاعدة الجهادية، وعلى استراتيجيتها العسكرية. فالقاعدة بنت رؤيتها الفكرية على مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وضرب مصالحها، وبنت رؤيتها الاستراتيجية على استدراجها إلى المنطقة، ولذلك، تأسس التقييم الأمريكي على فكرة "الانسحابية" و"تقليص حجم التدخل" و"تصحيح صورة أمريكا في العالم العربي"، وذلك منذ ولاية باراك أوباما الأولى، ليتم جدولة الانسحاب في العراق، وتنفيذ ذلك بشكل فجائي وربما فوضوي في أفغانستان.

التقييم الأمريكي المتقادم، يتأسس على فكرة سحب الذريعة من التنظيمات الإرهابية، وبناء سلطة سياسية مركزية في كل المناطق التي تعرف فوضى أمنية، أو تعرف هشاشة للسلطة المركزية وعجزا للدولة عن حماية حدودها، ولذلك اتجهت استراتيجيتها إلى دعم عملية سياسية في كل من العراق وأفغانستان، تنتهي ببناء دولة قادرة على حماية حدودها، وسلطة مركزية قوية تنهي حالة الاضطراب والفوضى الأمنية في البلاد، وأن أقصى ما يمكن أن تقدم به الولايات المتحدة الأمريكية هو الدعم المالي واللوجستي. 

تأخرت الولايات المتحدة الأمريكية في تنزيل استراتيجيتها الانسحابية، بسبب ديناميات القوى الدولية والإقليمية في كل من سوريا والعراق، وبالتحديد روسيا وإيران وتركيا في سوريا، وإيران في العراق، وبسبب ضعف حلفائها في أفغانستان، وعجزهم عن بسط نفوذ الحكومة المركزية الأفغانية على كل التراب الأفغاني. 

في العراق، لا تزال تنتظر أن تخطو حكومة الكاظمي خطوات قوية لتقليص النفوذ الإيراني في الوجود الإيراني، في حين، سقط النظام السياسي الذي بنته في أفغانستان، ووجدت نفسها في نقطة الصفر الأولى، أي سنة 1996 التي عرفت سيطرة طالبان على مجمل التراب الأفغاني.

بلغة الاستراتيجيا، دخلت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في مواجهة تحدي "إمكانية عودة الدولة الحاضنة للإرهاب" وهذا ما يفسر اضطرابها وتيهها السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي الذي عبرت عنه طوال المدة الماضية منذ سقوط أفغانستان في يد طالبان.

تحولات طالبان

خاض عدد من الباحثين في تفسير دلالات سيطرة طالبان على الحكم بعد عشرين سنة من مقاومة أمريكا بأفغانستان، واتخذ البعض تخلي الجيش وقوى الأمن عن مواجهة طالبان، رغم حجم الدعم الأمريكي للحكومة الأفغانية، مؤشرا على فشل خيار الإسناد الخارجي، فنخب الولاء للأجنبي، سرعان ما انهارت أمام إرادة النخب المحلية، لأنها فكرت في مواقعها أكثر من التفكير في الدفاع عن تجربة التحديث. الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي، اعتبر أن سقوط الحكومة الأفغانية، جاء ليؤكد توقعاته السابقة، وأن الانكسار الغربي قد بدأ، وأن بشائر الاستئناف الإسلامي، بدأت تتحقق على أرض الواقع.

في المقابل، اتجه صناع القرار السياسي بالدول الغربية، للتحذير من مخاطر وصول طالبان إلى الحكم، والتهديدات التي ستطال الحقوق والحريات (حقوق المرأة وحرية الصحافة). 

تخوفات صناع القرار السياسي الغربي المعلنة ثلاثية، خوف على الحريات، ورهاب من تطبيق الشريعة، وفزع من أن تعيد طالبان تجربة دعم تنظيم القاعدة ونصرته (الدولة الراعية والحاضنة للإرهاب).

تصريحات قيادات طالبان، تعطي الانطباع بأن طالبان 1996 ليست هي طالبان 2021، فقد اتجهت إلى طمأنة نخب الداخل والخارج، وتعاونت بشكل كبير مع القوية الأجنبية والتمثيليات الدبلوماسية بكابول لتأمين خروج للرعايا الأجانب وموظفي هيئاتها الدبلوماسية. وهناك تصريحات أخرى بأن حرية الصحافة ستكون مكفولة، وأن الحركة لن تعتقل أي صحفي، وأن حقوق النساء ستكون مرعية بما في ذلك حقهن في العمل شريطة التزام الضوابط الشرعية في اللباس.

هكذا تبدو الصورة في المتداول الفكري والسياسي حول حركة طالبان، تعكس توتر النظرة إلى هذه الحركة، وحجم الخلاف حول المستقبل الذي يمكن أن تكون عليه.

 

صناع القرار السياسي الغربي، غير مطمئنين تماما من إمكانية حدوث تحول فكري وسياسي لحركة طالبان، وما يهمهم بدرجة أولى، أهداف مرحلية، حيث يمارسون ضغوطهم على طالبان من أجل تأمين خروج الرعايا وبعض الحلفاء، ويجعلون من ورقة الاعتراف الدولي وورقة الدعم المالي، أوراق اعتماد لجعل طالبان تحت دائرة الضغط والمراقبة مع التلويح للعودة للخيار العسكري في حالة ما إذا ظهر من سلوك طالبان العودة لنصرة التنظيمات الإرهابية.

 



من حيث التركيبة القيادية، ترصيد تحول الأجيال داخل هذه الحركة، فالذين يقودونها اليوم، كانوا بالأمس في مسؤوليات كبيرة في حكم الملا عمر، سواء تعلق الأمر بقائدها أو المسؤول عن المكتب السياسي، أو غيرهم ممن يديرون التواصل المباشر مع النخب المحلية والدول الأجنبية، أي أن فرضية التحول الفكري، الناشئة عن توتر الأجيال، تبقى جد مستبعدة، فليست هناك أدبيات-على الأقل ـ في حدود ما تكشف الدراسات عن الحركة، تفيد بحصول هذا تحول فكري جيلي داخل الحركة.

فرضية التصريحات التكتيكية، ومحاولة خداع النخب المحلية والدولية، من أجل نيل الاعتراف الدولي، تبقى هي الأخرى مستبعدة، فطالبان لا يمكن لها أن تعيش تجربة العزلة والحصار، في مناخ دولي وإقليمي، يعمق معاناة الشعب الأفغاني، في الوقت الذي تتطلع فيه إلى كسب شرعية أخرى (كسب قلوب الشعب الأفغاني) إلى جانب شرعية النصر العسكري.

طالبان، جربت تجربة العزلة الدولية، وذاقت تبعات دعم تنظيم القاعدة، وهي تدرك أن المحيط الدولي حولها قد تغير، وأن موقع أفغانستان في صراع الإرادات الإقليمية بات مهما للغاية، وأن ثمة إمكانية واسعة للمناورة، باستثمار التوتر الأمريكي مع كل من روسيا والصين وإيران، وتنويع شركائها، وعدم وضع البيض كله في سلة إسلام آباد. 

قطر منذ أكثر من سنتين وهي تلعب دور الوسيط لإنجاح المفاوضات بين طالبان وأمريكا، ويبدو أنها نجحت في ذلك كثيرا، على الرغم من التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن عدم توقع الانهيار السريع للجيش وأجهزة الأمن بالعاصمة الأفغانية كابول.

صناع القرار السياسي الغربي، غير مطمئنين تماما من إمكانية حدوث تحول فكري وسياسي لحركة طالبان، وما يهمهم بدرجة أولى، أهداف مرحلية، حيث يمارسون ضغوطهم على طالبان من أجل تأمين خروج الرعايا وبعض الحلفاء، ويجعلون من ورقة الاعتراف الدولي وورقة الدعم المالي، أوراق اعتماد لجعل طالبان تحت دائرة الضغط والمراقبة مع التلويح للعودة للخيار العسكري في حالة ما إذا ظهر من سلوك طالبان العودة لنصرة التنظيمات الإرهابية. 

العقل الأمريكي بين أسوأ خيارين

العقل الأمريكي اليوم، يعيش أزمة الخيارات مع حركة طالبان، لأنه بإزاء ثلاث محددات للظاهرة الإرهابية اجتمعت لحظة واحدة، فحركة طالبان، تقوم أطروحتها الفكرية- على الأقل كما تنظر إليها أمريكا- على المفردات نفسها والمفاهيم ذاتها التي تقوم عليها التنظيمات الجهادية (الحاكمية، تطبيق الشرعية، إقامة دولة الإسلام، )، وهي دولة خلافة بالمعيار الفكري لحركة طالبان، وبالمنظور الأمريكي أيضا، وهي دولة عرف من سوابقها التاريخية والسياسية دعمها لتنظيم القاعدة الذي لا تزال بعض خلاياه أو بعض رموزه أو ربما بنيته التنظيمية المركزية تستقر بأفغانستان.

العقل الأمريكي لا يؤمن بتحولات طالبان، فهو لا يثق حتى بالتحولات الفكرية والسياسية الكبيرة التي عبر عنها الإسلاميون، سواء فيما يتعلق بالموقف من الحريات أو الشريعة أو العلاقة بين الدوي  السياسي أو ما يتعلق بالدولة المدنية وحقوق المرأة وحقوق الأقليات، فقد ظل لمدة طويلة، يقلل من هذه التحولات والمراجعات، ويعتبر أن بياضات كبيرة، ومناطق رمادية لا تزال تحكم عقل الإسلاميين بإزاء هذه القضايا، لأن ما يضمن له هذا التحول، هو أن ينبذ الإسلاميون مرجعياتهم، ويبدأوا التفكير من مشكاة المرجعية الليبرالية الأمريكية، وهو ما لم يحصل داخل الإسلاميين، ولن يحصل بالمطلق بالنسبة لحركة طالبان.

بعض الدول، مثل قطر تقوم بدور كبير في تجسير التحول داخل حركة طالبان، وبعض الدول الغربية، بدأت تتحدث عن إمكانية حدوث تفاوض أو تفاهمات مع طالبان، لكن ذلك، لا يغادر المنطق المؤقت، المرحلي، الذي يخدم مصالح آنية لبعض الدول، ولا يعبر عن رؤية استراتيجية بعيدة الأمد لأن هناك خوفا من اجتماع المحددات الثلاث، لصناعة ظاهرة إرهابية جديدة.

يوجد العقل الغربي اليوم أمام أسوأ خيارين، وهو إما الاعتراف بحركة طالبان كما هي، أي بمنظورها السلفي، واستقلالية قرارها السيادي، وتقديم الدعم لحكومتها حتى تهيء سلطة مركزية قوية تحمي حدودها، وتتعهد بعدم احتضان أي تنظيم إرهابي على أرضها، وإما خوض لعبة الضغط لكسب مصالح مؤقتة والامتناع عن الاعتراف بها دوليا والتلكؤ في تقديم الدعم المالي لحكومتها، ودفعها إلى الخيارات المحظورة.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا