عـاجل
آخر الأخبار

اللاجئون الفلسطينيون والهوية.. الراحل محمود دكور نموذجا

نبيل السهلي الثلاثاء، 28 سبتمبر 2021 11:19 ص بتوقيت غرينتش

تدير وكالة "الأونروا" في إطار عملياتها 58 مخيماً؛ تنتشر في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة؛ واللافت أن التوزع الجغرافي للاجئين الفلسطينيين في داخل المخيمات كان في غالب الأحيان تبعاً لقرية أو مدينة المنشأ في فلسطين قبل النكبة الكبرى؛ الأمر الذي عزز من الحفاظ إلى حد كبير على الهوية الفلسطينية من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد، كالأعراس والأعياد وحفلات الختان والأغاني الخاصة بكل مناسبة من المناسبات. 

هذا فضلاً عن زيارة المقابر وخاصة مقبرة الشهداء لما للشهيد من رمزية فائقة في وجدان كل لاجئ فلسطيني، ناهيك عن المشاركة في إحياء المناسبات الوطنية الفلسطينية العديدة؛ في وقت احتفظ فيه عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين بوثائق مهمة وبخاصة كواشين ملكياتهم في فلسطين ومفاتيح منازلهم ومحالهم التجارية؛ جنباً إلى جنب استطاع عدد من اللاجئين إنشاء متاحف لجمع مقتنيات فلسطينية تشي بشكل جلي عن الهوية الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمة هؤلاء الأستاذ الراحل محمود يوسف دكور أبو أدهم.

محاولات طمس الهوية ودحضها

حاولت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طمس الهوية الفلسطينية من خلال العمل على محورين، الأول: محاولة إنشاء متاحف إسرائيلية ونقل بعض المقتنيات التاريخية الفلسطينية إليها على أنها مقتنيات إسرائيلية، أما المحور الثاني فتمثل بالشطب الممنهج لكل ما يؤرخ لعروبة فلسطين وهويتها الحقيقية وتزويرها وعرضها في معارض إسرائيلية في أوروبا، حيث تكرر هذا المشهد حين عرض زي المرأة الفلسطينية على أنه زيّ إسرائيلي، وكذلك الدعاية الصهيونية حول بعض الاكلات الفلسطينية على أنها إسرائيلية، الأمر الذي يؤكد أهمية إحياء دور المتحف الفلسطيني لدحض الرواية الصهيونية وزيفها.

وفي هذا السياق يبرز اسم الراحل الأستاذ محمود يوسف دكور، الذي كان من السبّاقين في إنشاء متحف فلسطيني يحاكي التراث الفلسطيني، وجذور الشعب الفلسطيني في أرضه. وقد بدأ دكور بجمع التراث الفلسطيني والكتب والوثائق الفلسطينية منذ عام 1989 بعد تقاعده من الأونروا، حيث خصص مساحة كبيرة من منزله الواقع في منطقة المعشوق بجوار مخيم برج الشمالي في صور جنوب لبنان، للمقتنيات الثمينة التي يجمعها. 

وثمة أسماء عديدة أنشات متاحف فلسطينية، ولو بمستويات أقل، في كل من مخيمات اللجوء في سوريا ولبنان والضفة الغربية، فضلاً عن مخيمات قطاع غزة، وهناك حملة فلسطينية أكاديمية وشعبية بدأت بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993 بغية توثيق التراث والتاريخ الشفوي الفلسطيني، ويعتبر هذا العمل مهماً في الوقت الذي تسعى فيه المؤسسة الإسرائيلية إلى ترسيخ فكرة يهودية الدولة، من خلال تهويد الزمان والمكان في فلسطين، ناهيك عن كون التوثيق للتاريخ والتراث الفلسطيني يدحض بقوة الرواية الصهيونية حول مقدمات احتلال فلسطين.

يعتبر متحف الراحل محمود دكور من أكبر وأبرز المتاحف التراثية والتاريخية الفلسطينية في لبنان ومناطق اللجوء الفلسطينية، حيث ضمّ في جنباته مجموعة تراثية تتكوّنمن خمسة عشر ألف كتاب، وثلاثة آلاف قطعة تضم جميع ما في الحياة الفلسطينية من أدوات الصناعة والزراعة والتجارة واللباس والزينة والمطرزات والخزفيات بالإضافة إلى مجموعة كاملة من النقود المعدنية من سنة 1927 إلى 1946 ومجموعتين من النقود الورقية بالإضافة إلى وثائق مصورة وصور للمئات من كواشين ملكيات أراضي الشعب الفلسطيني على امتداد الوطن الفلسطيني؛ فضلاً عن صور الصحف والدوريات التي كانت تصدر في فلسطين قبل عام 1948، ومنها صحيفتا فلسطين والدفاع.


وفي الاتجاه نفسه، تسعى الجالية العربية الفلسطينية في كافة دول أوروبا للحفاظ على هويتها من خلال حراكها السياسي والاجتماعي في مناسبات عديدة، لكن الأهم كانت خطوة تأسيس المتحف الفلسطيني في دول أوروبا التي انطلقت فكرته في عام 1998، حيث من المفترض أن يكون المتحف قد استحوذ على العديد من المقتنيات الأثرية في فلسطين. وهذا بحد ذاته يعتبر نقلة نوعية في الوعي الجمعي للهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ عليها من خلال تنشيط أداء المتاحف الخاصة والوطنية؛ فضلاً عن الاستفادة من آلاف الوثائق المصورة لدى الأونروا؛ حيث زرت مكتبة الأونروا مراراً في منطقة الحجر الأسود غرب مخيم اليرموك واطلعت على العديد من الوثائق الفلسطينية المختلفة وصورت بعضها وما زلت أحتفظ بها في دمشق.
 
سيرة المربي الراحل 

ولد الراحل المربي محمود يوسف دكور عام 1937 في بلدة قديثا في الجليل الأعلى شمال فلسطين، ونزح عنها لاجئا إلى لبنان في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1948؛ وتلقى دراسته في مدينة صور اللبنانية، ثم عمل أستاذا ومربياً في مدارس وكالة الأونروا في مخيم البرج الشمالي حتى عام 1989، ليبدأ بإنشاء المتحف الفلسطيني في جزء من منزله وعلى نفقته الخاصة من خلال التعويض المالي الذي حصل عليه من الأونروا في نهاية خدمته، وقد شارك الراحل بالعديد من المعارض الدولية والعربية، من خلال المقتنيات الفلسطينية في متحفه لنشر الوعي عن الهوية الوطنية الفلسطينية، وقد أعدّ عدد كبير من الباحثين والجامعين دراسات وبحوثا تخرج من خلال زيارة المتحف الذي أسسه وطوره الراحل المربي محمود دكور على مدار أكثر من ثلاثة عقود خلت.


هذا فضلاً عن عدد كبير من لقاءات إعلامية وصحفية كان يشرح خلالها الدكور أهمية المتحف ومقتنياته في دحض الرواية الصهيونية بأن فلسطين أرض قفراء، ويؤكد على الدوام أن المقتنيات تحاكي الحقيقة وأن فلسطين هي وطن الشعب الفلسطيني الوحيد. 

توفي محمود دكور في الخامس من أيلول (سبتمبر) الجاري تاركاً إرثاً زاخما من الوثائق ذات الأهمية الفائقة للباحثين العرب والأجانب للإحاطة بتاريخ وهوية فلسطين الحقيقية؛ وقد يؤسس متحف الراحل دكور لظهور المزيد من المتاحف الفلسطينية في داخل فلسطين ومناطق اللجوء الفلسطيني القريبة والبعيدة؛ ويعكف على إنشائها مجموعة من الشباب الفلسطيني.

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا