آخر الأخبار

ما هي أفضل السبل لتطوير اللغة العربية وتحديثها؟ كتاب يجيب

مهند العربي السبت، 16 أكتوبر 2021 11:41 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "إنقاذ اللغة إنقاذ الهوية"
الكاتب: د. أحمد درويش
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018

تتعرض اللغة العربية لهجمة شرسة بدأت منذ قرنين تقريبا، ولكن اشتدت ضراوتها مع حملات التغريب الأخيرة، في ظل سيطرة إعلامية وحضارة متوحشة تحاول صبغ العالم كله بصبغتها عبر لغة مسيطرة، تحاول إخضاع كل اللغات لها وتحديدا اللغة العربية.

وتفنن الغرب في محاولاته هذه عبر مناهج التعليم والمدارس الأجنبية ببلادنا وكذلك عبر السينما وباقي مشتقات الفنون وهو ما جعل التحدي أكبر أمام المدافعين عن اللغة العربية.

في هذا الإطار جاء هذا الكتاب "إنقاذ اللغة إنقاذ الهوية" للدكتور أحمد درويش، ليدق ناقوس الخطر الذي تتعرض له لغة الضاد ومحاولات طمسها وطمس حضارة سادت العالم لعدة قرون.

"والحرب الضروس التي واجهتها هذه اللغة العربية، والتي تشكل جزءا من حرب طويلة شهد القرنان التاسع عشر والعشرين كثيرا من فصولها، على يد كبار الخبراء في عصر الهيمنة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية، وساعدهم في ذلك بعض دعاة التطوير في جوانب من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ممن ربطوا هذا التطور بفكرة الخلاص من المحافظة على اللغة في شكلها التقليدي (بحسب الكاتب كما أورد في الصفحة التاسعة من كتابه)".

ورغم أن الكتاب طرح قضية هامة وحساسة إلا أنه يؤخذ عليه بعض المآخذ، منها الإغراق في استعراض الصعوبات التي تواجهها اللغة العربية وهذا شيء معروف وواضح للجميع، وكان ذلك على حساب التوسع في طرح الحلول، خاصة المبتكرة منها، فضلا عن مهاجمة من نادوا بالتوجه إلى الحداثة وقطع الصلة بالماضي، وهذا يمكن قبوله إذا كان مشفوعا بطرح حلول واقعية. 

النقطة الأخرى التي يمكن أخذها على الكاتب أنه ساق نماذج للغة العربية فى عصورها المختلفة للتدليل علي حيويتها وهذا شيء جيد، لكنه ربما بالغ في ذلك، حيث كان يمكن أن يورد فقرات وليس مقالات كاملة أخذت مساحة كبيرة من الكتاب على حساب طرح المعضلات التى تواجهها اللغة العربية وحلولها، حيث أخذ عدة صفحات من الكتاب في هذا السياق، وتناول نصوصا كاملة كان يكفي منها فقرات أو قراءة لها وتناول نتيجة ما توصل إليه مباشرة للقارئ دون إغراقه في التفاصيل، ولكن هذا لا يقلل من الجهد المبذول لمعالجة هذه القضية الهامة .

يتكون الكتاب من تمهيد وعدة فصول شملت عناوين متعددة منها اللغة العربية والهوية وفخ القطيعة مع الماضي وتحديد أبعاد المشكلة اللغوية واللغة والدين والعربية لغة متطورة ونماذج من عصور العربية المختلفة واللغة القومية وتوطين العلم ومخاطر الجمود في تعليم اللغة والفصل بين المستويات ثم خاتمة للكتاب. 

وفي التمهيد الذي حمل عنوان "التراث العريق واللغة المتجددة"، يتناول الكاتب تاريخ اللغة العربية باعتبارها واحدة من أعرق اللغات في العالم، مشيرا إلى أنها تنتمي لعائلة اللغات السامية التي تنتمي لها عدة لغات أخرى مثل الأمهرية والآرامية والعبرية التي اختفت من عالم اللغات الحية، وداومت العربية والحياة والتطور.

ويشير الكاتب هنا إلى النقلة التي حدثت للغة العربية بعد أن أنزل الله كتابه الكريم، حيث اكتسبت العربية دوافع قوية وأبعادا جديدة، ولم تعد المحافظة عليها مجرد المحافظة على إرث لغوي، إنما أضيف إلى هذا المحافظة على الوعاء الذي يحمل رسالة الإسلام، متناولا ما مرت به اللغة العربية من مراحل بلغت أوجها في العصور الوسطي، حيث أصبحت لغة العلم والحضارة الأولى في العالم، معرجا على التحديات التي واجهتها في حقبة الاستعمار سواء من خلال الاستعمار ذاته أو من خلال كتاب عرب دعوا إلى تطوير اللغة العربية، ولكن بالقطيعة مع ماضيها وهو ما مثل تحديا كبيرا، مطالبا بمناقشة قضايا الإصلاح المتصلة بالماضي دون الوقوع في "فخ القطيعة مع هذا الماضي".

وتحت عنوان "اللغة والهوية" يتناول الكاتب دور اللغة في تثبيت الهوية وتعميقها، مشيرا إلى كتابات عدة في هذا السياق ولافتا إلى دور لغة الأم التي يسمعها الطفل قبل أن يولد في هذا الإطار وصولا إلى الصفحة 23 من الكتاب التي يقول فيها: "على أنه من الحق يقال: أن هذه الموجة الواسعة من تشكيل الهوية من خلال اللغة مثلت ظاهرة تاريخية فريدة، كادت العربية تتميز بها على كل اللغات، على الأقل في مجال اللغات القديمة فهذا النمط من الوحدة اللغوية الكبيرة لم تستطع لغات كبرى تحقيقه رغم سيطرتها حضاريا مثل اللغة اليونانية".

ويعلق الكاتب على ما جرى للغة العربية مؤخرا وتأثير ذلك على الهوية، مرجعا ذلك إلى انعدام الدراسات العلمية الدقيقة التي تشخص واقع هذه اللغة، وهو ما يؤثر بشكل كبير ويؤدي إلى تشكيل تصور غامض ومشوش حول القضية الخطيرة والمتصلة اتصالا مباشرا بهويتنا وموقعنا على خريطة العالم المعاصر بحسب الكاتب .

وفي فصل جديد من فصول الكتاب يحذر الكاتب مما أسماه فخ القطيعة مع الماضي، من خلال دعوته إلى الإنتباه واليقظة للدعوات التي تدعو إلى هذه القطيعة من خلال الانفعال والدعوة إلى إسقاط اعلام ذلك التراث، وبدلا من ذلك علينا أن نتبين في هدوء أبعاد المشكلة التي نواجهها، ونعمل على مناقشة جوانبها عنصرا عنصرا، للوصول الى الحق والصواب، منتقدا لكتاب شريف الشواشي "لتحيا اللغة العربية "والذي يطالب فيه بالقطيعة مع الماضي وموت سيبويه عالم النحو الشهير كوسيلة لإحياء اللغة العربية الحديثة .

وفي محاولة جديدة لتحديد أبعاد المشكلة اللغوية "وهو عنوان فصل جديد بالكتاب، يطالب من خلاله  بضرورة تحديد أبعاد أي مشكلة يواجهها الباحث ومنها مشكلة اللغة، حيث لا بد من إطار منهجي يلتزم به كل المهتمين باللغة من باحثين وكتاب ومعلمين لها بالطبع، متناولا نظريات بعض العلماء في هذا السياق ومن بينهم العالم الفرنسي جورج بفون .

وفي هذا الفصل بدلا من أن يطرح الكاتب المشكلة من وجهة نظره ويشخصها ويضع لها الحل اعتمد على كتاب شريف الشواشي الذي هاجمه في الفصل السابق "لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه" متناولا فصلا من هذا الكتاب يطرح فيه المؤلف وجهة نظره لتحديد اأبعاد مشكلة اللغة العربية .

وحول علاقة اللغة بالدين أورد الكاتب فصلا تحت هذا العنوان مؤكدا على علاقة اللغة العربية القوية بالدين الإسلامي، ولكنه في الوقت ذاته ينفي قدسية اللغة وارتباطها بقدسية الدين، باعتبار أن اللغة العربية مجرد وعاء وإطار للدين الإسلامي رغم تشريف الله لها لأن تكون لغة الكتاب الخالد للمسلمين وهو القرآن الكريم.

ويخلص في نهاية هذا الفصل إلى أن العلاقة بين اللغة والدين لا تضع أي قيد على حركة اللغة وتطورها ونموها، ولا تقصر الهيمنة عليها على علماء الدين، ولا تمنع غيرهم مسلمين كانوا أو غير مسلمين من الحوار والنقاش .

وحول تطور اللغة العربية يفرد الكاتب فصلا بعنوان: "العربية لغة التطور"، حيث يشير إلى تراث اللغة العربية الذي بمتد الى الف وخمسمائة عام، مؤكدا على أن هذا يجعلها اطول اللغات الحية عمرا، رافضا ما ذهب إليه الشواشي من أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي لم تتطور قواعدها ونحوها، مؤكدا على أن نسيج اللغة العربية عبر تاريخها يؤكد أنه يقبل الكثير من المرونة والاستيعاب.

وفي سياق التأكيد على تطور اللغة العربية يسوق الكاتب عدة نصوص للتدليل على هذا من مختلف العصور، وهنا بالغ الكاتب في استعراض هذه النماذج من خلال نصوص كاملة لمقالات في الماضي والحاضر، وكان يمكن إيراد فقرات من هذه المقالات وليس نصا كاملا، أو قراءة في هذه النصوص وقول الخلاصة للقارئ دون إطالة أو إفراد مساحة كبيرة لها بالكتاب قاربت الثلاثين صفحة كان يمكن توظيفهم في طرح حلول ورؤي جديدة .

 

المشكلة الحقيقية التي تواجهها اللغة العربية اليوم، ليس في جمودها وعجز مفرداتها ولكن في جمود التقعيد لها ووقوف القائمين على أمر قواعدها النحوية والبلاغية، عند النقطة التي انتهى إليها أسلافهم العظام منذ أكثر من ألف عام،

 



فبداية من صفحة 71حتى صفحة 96 تناول الكاتب عدة نماذج للتدليل على تطور اللغة العربية وحيويتها، حيث أورد نصوصا لكل من أبي حيان التوحيدي والجبرتي وصلاح منتصر ورجاء النقاش وفهمي هويدي وفاروق شوشة وسلامة أحمد سلامة وآخرين، ليصل في نهاية المطاف إلى التأكيد على حيوية اللغة العربية وأنها متاحة للتذوق والفهم عبر تاريخها وقادرة على التطور. 

وفي الفصل قبل الأخير يتناول الكاتب اللغة القومية وتوطين العلم، مؤكدا على احتلال اللغة بعدا شديد الأهمية في التكوين العلمي الفردي والجماعي للأمة، ولا يقف دور اللغة عند مجرد دور الأداة أو الناقلة، وإنما يمتد دورها ليشمل ضفيرة قوية مع المعرفة ومع الهوية، تتبادل فيما بينها وسائل التغذية والتنمية، فتقوى اللغة بقوة العلم المتشكل من خلالها .

وهنا يشير إلى تجربة محمد علي وعلاقة اللغة بتوطين العلم مؤكدا على أن هدف تجربة محمد على أثناء حكمه لمصر ،كان تعريب العلم وليس فرنسة الأمة، مستدلا على ذلك بما قام به بإنشاء مدارس الطب والهندسة وغيرها واستقدام أساتذة فرنسيين على أن يقوم المترجمون بالترجمة، وفي مرحلة لاحقة طلب من الأساتذة الفرنسيين تعلم اللغة العربية للتواصل المباشر مع الطلاب واستجابوا بالفعل لذلك مثل الدكتور بيرون .

وحول مخاطر الجمود في تعليم اللغة يقول الكاتب "إن المشكلة الحقيقية التي تواجهها اللغة العربية اليوم، ليس في جمودها وعجز مفرداتها ولكن في جمود التقعيد لها ووقوف القائمين على أمر قواعدها النحوية والبلاغية، عند النقطة التي انتهى إليها أسلافهم العظام منذ أكثر من ألف عام، ومؤكدا على ضرورة التحرك والتطوير على مستويين وهما الإغفال النسبي لكثير من القواعد التي لم تعد تستخدم في العربية المعاصرة وكذلك اكتشاف المستجدات في القواعد وابداء مزيد من المرونة كمستوى ثاني.
 
وفي هذا السياق يؤكد على الجهود المبذولة والطيبة لتفعيل التطوير ولكنه يطالب بتغيير جذري في طريقة النظر إلى التطور اللغوي واستخلاص القواعد الضرورية لهذا التطور وتقديم اللغة العربية وفقا لتصورات جديدة .

وفي الفصل الأخير من الكتاب والذي جاء تحت عنوان "الفصل بين المستويات".. ويقصد به الفصل بين المستوى الرأسي للغة والمستوى الأفقي، ورسم منهج متدرج يقدم القدر الكافي لكل مستوى، بحيث يلاحظ هذا القدر المتدرج تقديم تراكيب لغة الكتابة وقواعدها، ويستطيع المتخصصون طرح نماذج بسيطة تقترب من تراكيب لغة الكلام .

ويطرح مقترحات في هذا السياق في إطار المستوى الأفقي والرأسي من قبيل الاهتمام بالمعلمين خاصة المتعلم العام ثم المتعلم المتخصص في الإطار الأفقي، أما الإطار الرأسي يطالب بضرورة إعادة النظر في طريقة تقديم المادة اللغوية التي تستخلص منها القواعد وعلى أساسها يتم تعلم اللغة للراغبين في ذلك من أبنائها .

وفي الخاتمة يقدم وصفة في شكل توصيات للحفاظ على لغة الضاد وتراثها من خلال خطط واضحة وأهداف بعيدة المدى، وتجديد اللغة العربية وتطويرها دون أي محاولات لهدمها باسم التطوير والتحديث، وكذلك لا ينبغي أن تكون دعوة إصلاح اللغة عشوائية، بل بالعمل على إعادة الحياة الحقيقية للغة داخل مجالها القومي، من خلال تفعيلها في مناحي حياتنا المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإعلامية مما يساعد على زيادة كفاءتها.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا