آخر الأخبار

هل فرض نموذج التشدد الديني أسريا يساهم في تفكيكها؟

بسام ناصر الإثنين، 18 أكتوبر 2021 01:24 م بتوقيت غرينتش

بعد أن تلامس أنوار الهداية قلب من كان شاردا عن طريق الله وسبيله، تحدث تحولات في أفكاره وسلوكياته وسائر شؤون حياته، فيسعى بعدها لنشر ذلك الهدى في بيته وبين أفراد أسرته، وفي محيطه الذي يعيش فيه، إيمانا بوجوب الدعوة إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تعلم من المحاضن الدينية والتربوية التي بات ضيفا جديدا عليها. 

وفي غمرة نشاط بعض المتدينين المتحمسين في التزامهم، فإنهم لا يترددون في سلوك سبيل الإكراه لفرض نمطهم الديني الذي باتوا يؤمنون به على أفراد أسرهم بالقهر والقوة، مع عدم رغبتهم بذلك، أو تقبلهم له، ما ينشأ عنه مشاكل أسرية عديدة، ويترتب عليه اضطرابات عائلية شديدة، الأمر الذي يساهم بشكل ملاحظ في إضعاف الأسر وتفكيكها.  

ووفقا لباحثين في علم الاجتماع الديني فإن تحول بعض أرباب الأسر إلى التدين بنسخته المتشددة، غالبا ما ينعكس بصورة سلبية على واقع تلك الأسر الاجتماعي، نظرا لإصرار أولئك المتحولين على فرض تصوراتهم وسلوكياتهم الجديدة على جميع أفراد أسرهم بالإكراه، غير مكترثين باختيارات أفراد أسرهم وقناعاتهم الشخصية، ما يحدث شرخا كبيرا في استقرار تلك الأسر وتماسكها. 

من جهتها رأت الباحثة في الفقه الإسلامي وقضايا الأسرة، عابدة المؤيد أن التوصيف السابق "صحيح ودقيق وواقعي، وهو مشاهد في أوساط أسر مسلمة، فالأهل ولشدة خوفهم على دين أولادهم، أصبحوا يلاحقونهم بالوضوء والصلاة وحفظ القرآن، ويتابعون معهم يوميا كل الفروض، بدل أن يتركوا هذا الأمر لهم بعد أن فقهوا وبلغوا، مما يتسبب بتوتر العلاقة بين الأولاد وأهليهم، ويشعرون بالقيد والحصار، مما ينفرهم من هذه التوجيهات، ثم من أمهم وأبيهم". 

 


               عابدة المؤيد.. باحثة في الفقه الإسلامي وقضايا الأسرة


وأضافت في حديثها لـ"عربي21": "وينتج عن ذلك أن الأبناء يبتعدون عن الآباء ولا يثقون بآرائهم، ولا يرتاحون لطريقتهم في الحياة، فيبدأ التفكك، ويزداد الأمر حين يخفون بعض الأمور، ويصبح أصدقاؤهم هم الأقرب لهم، يبثونهم همومهم ويسترشدون برأيهم، ومع الأيام يصبح للأبناء آراء وأفكار وقيم مختلفة تماما عن بيئتهم، مما يزيد التفكك". 

وأكدت المؤيد أن "التشخيص السابق يعكس الواقع، وليس ثمة مبالغات في الأمر" لافتة إلى أن "الذين استخدموا أسلوب إكراه أبنائهم على نمطهم الديني، لم ينجح منهم إلا قلة، وكثير من أبناء تلك الأسر تمردوا على آبائهم بعدما كبروا وتزوجوا، فأرخوا العنان لأطفالهم، وكانت الكارثة في الجيل التالي". 

وعن تقييمها لأسلوب إكراه الآباء لأبنائهم على الالتزام الديني، رأت المؤيد أن "الأهل يستطيعون إجبار أولادهم على الالتزام بنمط ديني معين، لكن أولادهم سيتحملون المشقة فقط، ولن يكون لهم الأجر، لأنهم يلتزمون من أجل آبائهم وليس لله، ويفعلونه قهرا وليس عن اقتناع، وحين تسنح لهم أي فرصة سوف يتمردون، ويتركون ما أجبروا عليه، بل قد يتصرفون برد فعل، ويتركون الفروض والواجبات، ما يعني ضرورة أن يسلك أولياء الأمور سبيل الرفق بأبنائهم، نصحا وإرشادا وتعليما". 

وفي ذات الإطار قال الكاتب والباحث المغربي، المختص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، والدراسات القرآنية، الدكتور مولاي أحمد صابر: "من الوارد وقوع حالات إكراه أرباب الأسر لأسرهم للالتزام بنمط ديني معين، لكن الأمر يتطلب دراسة ميدانية، واستجواب حالات واقعية، لمعاينة المشكلة ودراستها دراسة متأنية للخروج بأحكام أكثر دقة". 

 


                             مولاي أحمد صابر.. باحث مغربي 


وأردف: "لكن الشائع والمتداول هو التضليل، بمعنى أن رب الأسرة إذا ما كان مؤمنا بنمط ديني متشدد ومتطرف فإنه يساهم بقدر كبير في تضليل أفراد الأسرة، خاصة إذا كان أولئك الأفراد لا يتصفون بفكر نقدي أو عقلاني، أو ليس لهم مستوى تعليمي وثقافي جيد، فيستغل الفرصة لتقديم نفسه كنموذج لطبيعة التدين الذي ينبغي أن يكونوا عليه". 

وتابع: "ومن الملاحظ أن خطر شيوع ذلك النمط لا يتوقف على الأسرة فقط، بل قد يمتد إلى الحي الذي يقيم فيه، وإلى أحياء مجاورة، وربما يمتد إلى مساحات أوسع من ذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، ومواقع الانترنت المتعددة". 

وإجابة عن سؤال "عربي21" حول الموقف الشرعي من إكراه أرباب الأسر لأسرهم على نمط ديني معين، لفت صابر إلى "توافق الموقف الشرعي مع الموقف القانوني، إذ لا ينبغي إكراه أي شخص على فكرة ما، فالأصل أن يكون الإنسان حرا في اختياراته الفكرية، وإذا ما كان ثمة أفكار خاطئة، فالسبيل لتصويبها هو الحوار الفكري الواعي والهادئ، والمجادلة بالتي هي أحسن، والعلم والتعلم، وهو ما يتماشى مع توجيهات القرآن الكريم كقوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين من الرشد من الغي". 

بدوره بيَّن الباحث الكويتي المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور محمد عبد الله المطر أن "الإجبار سواء أكان عند الاتجاهات الدينية أم عند الاتجاهات الأخرى عادة ما يؤدي إلى نتائج غير جيدة، وأن سلوك سبيل الإقناع والتربية هو الذي ينبغي سلوكه واتباعه، لأنه الأفضل والأقدر على إيجاد مؤمنين حقيقيين، بعيدا عن كل ألوان الإكراه". 

وتساءل: "لكن هل هذا النمط أدّى فعلا إلى نتائج سلبية عند كل الناس"؟ ليجيب: "لا ليس كذلك، فالأمر نسبي، فهناك بعض الناس نجحوا من خلال هذا الأسلوب، لعوامل عديدة، منها طبيعة الأبناء المطيعة والمتقبلة لهكذا توجيهات، وشخصية الآباء التي تجمع بين التدين والصرامة والقدرة على توجيه الأبناء والتأثير عليهم". 

 



وحول أنجع الوسائل التي يستحسن اتباعها في توجيه الأبناء وتعليمهم وإرشادهم بالأساليب التربوية والإقناعية، نبه المطر في حواره مع "عربي21" إلى "ضرورة الانتباه إلى طبيعة المرحلة الحالية، حيث لم يعد بإمكان أرباب الأسر متابعة أبنائهم متابعة شاملة ودقيقة في زمن الانفتاح التواصلي الواسع، وهو ما يتطلب أنماطا جديدة من التربية والمتابعة".

وتابع: "بإمكان الوالدين تربية أبنائهم على جملة من الأفكار والأخلاقيات والقيم، لكن المتابعة الشاملة باتت صعبة جدا الآن، وهو ما كان ممكنا ومتاحا في وقت سابق لمحدودية الوسائل، أما الآن فالأمر اختلف اختلافا كبيرا، وبات بإمكان الأبناء الوصول لكل ما يريدونه ويرغبون به بيسر وسهولة". 

وعن لجوء بعض أرباب الأسر لحرمان أبنائهم من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، انطلاقا من أفكارهم ورؤاهم الدينية، ذكر أنه "يستطيع القول بناء على ملاحظاته أن نتائج ذلك غالبا ما تكون عكسية وسلبية، وهو ما أفضى في بعض الحالات إلى الابتعاد عن التدين بشكل عام، وفي بعضها الآخر إلى الإلحاد". 

وشدد في ختام حديثه على "أهمية الموازنة بين التوجيه الديني الواعي القائم على الإقناع والتعليم والحوار والمرونة، وبين المتابعة الجيدة للأبناء، وهذا أفضل بكثير من اللجوء إلى الإكراه والإجبار على نمط ديني معين، لما ينتج عنه من مشاكل أسرية عديدة، واضطرابات عائلية كثيرة، تفضي في كثير من الأحيان إلى إضعاف الروابط الاجتماعية، وتفكيك الأسر".  


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا